الاثنين، 4 ديسمبر 2023

 


شعريّة النصّ الحماسي عند أبي تمام والمتنبّي وابن هانئ

 

ليست الحماسة غرضا شعريا قائما بذاته ضمن أغراض الشعر العربي المعروفة التقليدي منها والمحدث. وإنّما هي أبيات ومقاطع شعرية نعثر عليها ضمن أغراض الشعر الكلاسيكية المختلفة من مدح ورثاء وفخر وهجاء. وذلك يعني من ضمن ما يعنيه أن الغرض الشعري يظلّ القوّة الموجّهة للقول حتى وإن استغرق المقطع الحماسي مجمل القصيدة. إلا أنّ ذلك لا ينفي اشتراك الشعر الحماسي في جملة من الخصائص الفنيّة والمعنويّة رشّحته لأن يكون على هيئة مخصوصة إنشاء وتقبلا. وتتعلق أساسا بوصف الشجاعة في الحرب والبطولة فيها وتتغنى بخصال القادة ومآثرهم وتمجّد إنجازاتهم العسكرية. 


والحقيقة أن الحماسة بهذا المعنى تقترن بمعاني الشعر العربي المعروفة والتي كان النقاد القدامى قد ضبطوها فيما يعرف بالفضائل الأربع أي العقل والعفّة والعدل والشجاعة. وعلى فضيلة الشجاعة تدور معاني الحماسة إذ هي ليست في المحصلة إلا تنويعا وتوسيعا وتعميقا لفضيلة الشجاعة، يسلك فيها الشعراء مسالك تعبيريّة محدّدة يستقيم معها المقطع الحماسي على هيئة محدّدة ضمن الغرض الذي إليه تنتمي القصيدة. 


وقد كانت حروب القبائل في العصر الجاهلي مناسبة مهمّة وموضوعا أثيرا أنتج قصائد حماسية شهيرة كمعلقتي عمرو بن كلثوم أو عنترة العبسي أو غيرهما. . . وستظل هذه المعاني الحماسية تلهب قرائح الشعراء وفقا لاشتداد الحروبوالمواجهات في البلاد الإسلامية، وما يرافقه من إعلاء منزلة النموذج العسكري في ذلك المجتمع. فكان من الطبيعي أن تعلو أصوات الشعر الحماسي في العصر العباسي وما تلاه من عصور ما دامت أسباب القول الشعري وبواعثه وجمهور متقبليه والوظائف المناطة به قائمة. فكان من أعلام هذا الشعر في هذه العصور ما برمج تدريسا في السنة الرابعة آداب: أبو تمام وأبو الطيب المتنبّي وابن هانئ الأندلسي. 


وقد وجدنا أنّ لهذا الخطاب الشعري (الحماسة) من أشكال تصريف الكلام إيقاعا وصورة ومعاجم وتراكيب ما يجعله يهفو إلى الخصوصيّة والتميّز. وهذا ما سنسعى إلى الوقوف عليه بشكل عمليّ مبسّط هدفنا في ذلك أوّلا وقبل كل شيء أن نذلل الصعوبات والمزالق التي تحفّ بموضوع الحماسة أمام الناشئة والمتعلمين من تلامذة الباكالوريا آداب. 

 

إنّ الهدف من دراسة شعر الحماسة في القرنين الثالث والرابع للهجرة، وكما تحدّده البرامج الرسميّة إنّما هو:

تبيين الخصائص الفنيّة المميّزة لشعر الحماسة واستجلاء معانيه واستخلاص المثل والقيم التي يدعو إليها شعراء الحماسة (انظر سفر البرامج الرسمية ص71،87 ). ولما كان الشعر أي شعر إنّما هو فعل باللّغة وفي اللّغة بالأساس، فإنّ للّغة في الحدث الشعري مستويات حصرها الباحثون في أربعة وهي: المعجم والتراكيب والصورة والإيقاع. ولذلك سنعمل على تتبع هذه المستويات قصد الوقوف على الملامح التي تتخذها في شعر الحماسة. وهي ولا شك تتغير من مقام إلى آخر ومن سياق إلى سياق. 
فما الذي به اتسمت هذه المستويات في شعر الحماسة مع أبي تمام والمتنبّي وابن هانئ الأندلسي؟


الخصائص الفنيّة في شعر الحماسة:

1- بنية القصيدة ذات المقطع الحماسي:

لما كانت الحماسة ترجع في معانيها إلى معنى مركزي في الشعر العربي هو الشجاعة أو البأس، فإنّ الشعراء يعمدون، في المقاطع الحماسيّة، إلى توسيع هذا المعنى وتفصيله وتوليد معاني جديدة ومتنوعة منه. ويتمّ ذلك عبر الإلحاح في تصويرالمشاهد الحربيّة وإطالة اللوحات الوصفيذة. فيقيم الشاعر في صلب القصيدة وحدات سردية تكوّن، متى جمعناها، ما يمكن تسميته بنواة قصصيّة حربيّة تتوفّر فيها عناصر القصّ المعروفة من شخصيات وأحداث وأمكنة وأزمنة. وتتعلق هذهاللوحات برصد أعمال القادة والجيوش. وفي هذا السياق تقوى الوظيفة الإخبارية التاريخية في صميم القصيدة أو يعمل الشاعر على الإيهام بذلك. 


إنّ البنية السرديّة لتتجلى من خلال هيمنة الأفعال الدالة على الحركة وتعاقبها تعاقبا تنظّمه المؤشرات الزمنية أو المنطقية. والنظام الذي يخضعها إليه الشاعر يؤدي عادة دلالة تنامي الأحداث ومرورها بأطوار متعاقبة من الاستعداد إلى الحرب إلى الاستجابة لندائها وخوض غمارها فإلى سرد التلاحم بين الجيشين ومظاهر التقتيل والتدمير لتتوّج القصة بالنهاية المظفّرة. هذه الأفعال غالبا ما تسند إلى البطل القائد العسكري على هيئات متنوعة لكنها تلتقي في الدلالة على فاعليته التي تستقطبها ذات البطل استقطابا بموجبه يتحوّل الجيش والفرسان وسائر عناصر المعركة امتدادا لذاته المتفردة. وأمام ذلك تنهضالمقابلة بتعميق تلك الدلالات فلا يستأثر العدو من الأفعال إلا ما به يتأكّد عجزه عن المطاولة وافتقاره إلى الشجاعة العسكرية ومستلزماتها القيمة والفعليّة. 


يقول أبو تمام في إحدى قصائده:

لاقاكَ بابَكُ وَهوَ يَزئِرُ فَاِنثَنــــى *** وَزَئيرُهُ قَد عادَ وَهوَ أَنيـــــــــنُ
.....

 

لَمّا رَأى عَلَمَيكَ وَلّى هارِبـــــــاً *** وَلِكُفرِهِ طَرفٌ عَلَيـــهِ سَخيــــنُ
.....

 

أَوقَعتَ في أَبرَشتَويمَ وَقائِعـــــاً *** أَضحَكنَ سِنَّ الدينِ وَهوَ حَزيـنُ

 

أَوسَعتَهُم ضَرباً تُهَدُّ بِهِ الكُلـــى *** وَيَخِفُّ مِنهُ المَرءُ وَهوَ رَكيــــنُ

 

ولا تقتصر هذه المقاطع القصصية على الأحداث تسرد، بل كثيرا ما تنفتح على الوصف يخصّ به الشاعر جملة متنوعة من الموصوفات. ومن تلك المراوحة تنشأ اللوحات المتكاملة العناصر ويغتذي الطابع الملحميّ وتمثّل وقائع الحرب في الأذهان. ولذلك قال بن الأثير عن المتنبّي «أنّه إذا خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها، وأشجع من أبطالها، وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها، حتى تظن الفريقين قد تقابلا، والسلاحين قد تواصلا.. . «.

 


2- الشعر والتاريخ:

على أنّ هذه السرديّة وإن ارتبطت بالانفتاح على التاريخ وقويت فيها الوظيفة المرجعيّة ليست مجرد استنساخ لما وقع. بل لعلّ الأحداث والوقائع مجرّد منطلق للقول وقادح عليه. وما يتوفّر عليه الشعر الحماسي من قرائن مرجعيّة ليست إلا «أصداء من الواقع» وآثارا له آية ذلك مجمل مظاهر التحويل التي تمسّ العالم الممثّل. فهو يخضع إلى مقتضيات الغرض وقوانين القول الشعري وذاتية التلفظ. . . لذلك قيل عن شعر المتنبّي الحماسي «ليس وصف حروب بقدر ما هو حروبوصف». ولذلك كانت صور القادة في هذا الشعر مجافية لصورهم في التاريخ. فالقائد مانويل مثلا، كان على ضرب من الدهاء والشجاعة وإعياء الخصم غير ما نستفيده من صورته في شعر الطائي. وقل الشيء نفسه عن صور الحربوالوقائع.. . ولعلّ ذروة ذلك أن تنطق القصيدة بعكس ما يرويه التاريخ، كأن تحوّل الهزيمة نصرا فيما قاله المتنبّي مخففا عن سيف الدولة:

الدّهْرُ مُعتَذِرٌ والسّيفُ مُنْتَظِرٌ *** وَأرْضُهُمْ لَكَ مُصْطافٌ وَمُرْتَبَعُ

 

إنّ التاريخ وهو يحضر في النصّ الحماسي، يتزين بألوان تؤسطره وتخرجه من التجريبي الزائل إلى النموذجي الخالد. فيتّخذ حينئذ وجها أدبيا ينهض بوظائف غير التأريخ والتسجيل، من الوظيفة الجمالية التي تقتضي تجويد الكلام وإخراجهغير مخرج العادة ليكون ذريعة للتأثير في القارئ وعطفه على جملة من القيم.
3- الإيقاع:

يتجاوز الإيقاع الأوزان وإن كان يشملها ويوظف طاقاتها وإمكاناتها المبدئية. فالوزن إطار سابق للقول ونظام مشترك جاهز لاستقبال الإنجازات الفردية والإبداعات الخاصة. بينما الإيقاع مجال التميّز والإضافة وقرين التجربة ووثيق الصلة بالدلالة المراد تبليغها. 
والإيقاع يتولد عن التكرار، بصوره المتعدّدة، وإن كان لا يقف عنده. 
أ- الإيقاع الخارجي:

يستخدم شعراء الحماسة عادة أوزان البحور الممتدّة الواسعة ذات النفس الطويل مثل البسيط والكامل والطويل... وهي بحور تقترن عادة بالأغراض الكلاسيكية الجادّة كالمدح والفخر والرثاء... أمّا في مستوى الرويّ فيميلون إلى استعمال الأصوات القويّة المجهورة ذات الصدع مثل الميم ، الدال، النون، الجيم... ولا شكّ أنّ هذه الاختيارات في مستوى الإيقاع الخارجي تخدم النزعة الحماسية في القصيدة إن لم تكن تسهم في إنشائها. 
ب- الإيقاع الداخلي:

تتّسم القصائد الحماسيّة بثراء إيقاعها الداخلي وتنوعه وقوّته. ويحرص الشعراء عادّة على خلق تناغم صوتي بين مكوّنات الكلام يظهر في:

- إشاعة الأصوات الشديدة المجهورة:

تجاوَزْتَ مِقدارَ الشّجاعَةِ والنُّهَى *** إلى قَوْلِ قَوْمٍ أنتَ بالغَيْبِ عالِمُ

(المتنبّي)

- استثمار المقاطع الطويلة المنفتحة في سياق محاكاة مجاهدة الفعل ومطاولة الأعداء:

بَنَاهَا فأعْلى وَالقَنَا يَقْرَعُ القَنَا *** وَمَوْجُ المَنَايَا حَوْلَها مُتَلاطِمُ

(المتنبّي)

- نشر حروف التفخيم وهي الضّاد والصّاد والطّاء والظّاء.

حتى التوى من نقع قسطلها *** على حيطان قسطنطينية الإعصار

(أبو تمام)

- استثمار التضعيف:

حَــقَرتَ الرُدَينيَّـاتِ حَـتَّى طَرَحتَهـا *** وحَــتى كـأنَّ السـيف لِلـرُمحِ شـاتِمُ

(المتنبّي)

أرضٌ تَفَجَّرَ كلُّ شيءٍ فوقَها *** بدَمِ العِدى حتى الصّفا والجَندل

(ابن هانئ) 
- التكرار والاشتقاق وهو ظاهرة بارزة في شعر أبي تمام:

فتى دهره شطران فيما ينوبه *** ففي بأسه شطر وفي جوده شطر

(أبو تمام)

 

 

- الموازنة التركيبية:

فالشَّمْسُ طَالِعَة ٌ مِنْ ذَا وقدْ أَفَلَتْ *** والشَّمسُ واجبة ٌ منْ ذا ولمْ تجبِ

(أبو تمام)

4- الصورة الشعرية:

الشعر تفكير بالصور. والتصوير الشعري تمثيل للذوات والأشياء والأفكار والعواطف عبر بناء علاقات بين عناصر قد تبدو متباعدة وكشف عمّا يكمن خلف ذلك التباعد من أواصر. إنّها إعادة تشكيل للعالم وبناء لموجوداته على غير الهيئة التيعهدنا. ولذلك اعتبرت الصورة مدخلا قرائيا مهما يسم النصوص بخصوصية ما. 


ولمّا كان الشعر الحماسي يضجّ بمقاطع وصفية تتعلق بالحرب والوقائع وتتبع تفاصيلها وعناصرها، كانت الصورة الشعرية من أهم وسائل قوله.
وسائل إخراج الصورة:

اعتمد شعراء الحماسة التشابيه والكنايات والاستعارات أدوات قول وأساليب فنية لإخراج معاني الشجاعة الحربية وما يشتق منها من لوازم. 

ومن أهمّ خصائص الصورة الشعريّة في هذه المقاطع الحماسيّة:

- الوصف الدقيق:

وصف تسجيلي للأحداث والوقائع يستقصي الموضوع ويحدّد الأماكن (عمورية، الحدث الحمراء، قسطنطينة...) والأزمنة، ويعيّن الأبطال والأعداء (أبوسعيد الثغري، المعتصم، سيف الدولة، المعز، مانويل،...). فتنزع الصورة إلى المطابقة.


- الغلوّ في التصوير من خلال المبالغة في وصف امتداد الجيش واحتلاله الأرض بل الكون أفقيا وعموديا:

يقول المتنبّي:

خميسٌ بشرْقِ الأرْضِ وَالغرْبِ زَحْفُهُ *** وَفي أُذُنِ الجَوْزَاءِ منهُ زَمَازِمُ

 

- اعتماد صور حسية مستمدة من مراجع طبيعية تتسم بالعلو والصلابة والمنعة في تصوير الخيول مثلا:
- استلهام الطبيعة الحيوانية المتّسمة بالقوة وسرعة الحركة ودقّة الإصابة:

قدتَ الجيادَ كأنهنَّ أجادلٌ *** بِقرَى دَرولِية ٍ لها أوْكارُ

(أبو تمام)

من الطّيرِ إلاّ أنّهُنّ جَوارِحٌ *** فليسَ لها إلاّ النفوسُ مَصيد

(ابن هانئ)

إِذَا رَأَيْتَ نُيُوْبَ اللَيْثِ بَارِزَةً *** فَلَا تَظُنَّنَ أَنَّ اللَيْثَ يَبْتَسِمُ

(المتنبّي)

- استغلال ثنائية الإظلام والنور لإخراج صور الحروب ودمارها للمدن المفتوحة. فينشأ حينئذ صراع ضوئي يتدرّج به الشاعر نحو تصوير كارثي قيامي:

ضوءٌ منَ النَّارِ والظَّلماءُ عاكفـــةٌ *** وظُلمة ٌ منَ دخان في ضُحى ً شحــبِ

حتَّى كأنَّ جلابيبَ الدُّجى رغبــــتْ *** عَنْ لَوْنِهَا وكَأَنَّ الشَّمْــسَ لَم تَغِــــــبِ

(أبو تمام)

والاشتغال على الألوان القانية ميزة ظاهرة وسمت الشعر الحماسي لاستثمار إيحاءاتها العنيفة. 
- توظيف الألوان كالحمرة للحرب وآثارها والخضرة لحسن الثواب:

تردى ثيابَ الموتِ حمراً فما دجا *** لها الليلُ إلاَّ وهْيَ مِنْ سُنْدُسٍ خَضْرُ

(أبو تمام)

- صور مشهديّة متحرّكة تصوّر الحرب مشتعلة وتتابع أطوارها المتعاقبة فنخرج من ثبات الصورة إلى حركيّة المشاهد. وكان من آثار ذلك:

- نشر الصورة وتوسيع مداها التخييلي أفقيا وعموديا لتشمل البيت كاملا بل والمقطع الشعري بأسره.
وظائف الصورة:

تتعدّد وظائف الصورة في هذا الشعر، و تتلون بالغرض الذي فيه، و يمكن إجمالها في الآتي:

- حسن إخراج المعنى و تجويده.

- وظيفة تأثيرية تتوزّع بين ترهيب الأعداء من قوة الممدوح وتجاوزها الحدّ الممكن تصوره فيركن إلى الاستسلام والتسليم بها، وترغيب جمهور المسلمين في الإقدام عليها بتحويل قبحها جمالا يستهوي القلوب ويدعو إليها.

- مظاهر الاختلاف:

كل من أبي تمام وأبي الطيب المتنبّي وابن هانئ الأندلسي قد عاش في فترة انتقلت فيها الخلافة الإسلامية من طور المهاجم الفاتح إلى دور المدافع عن ثغور البلاد. ثمّ إن تلك البلاد قد كانت متاخمة للأعداء شرقا (أبو تمام والمتنبّي) أو غربا (ابن هانئ) أو من قبل الثائرين الداخليين. 

أبو تمام: ما ميّز أبا تمام احتفاؤه بالبديع يطلبه وإلحاحه على المتجانس من الأصوات والمفردات وغيرها يشيعه في متن قصائده حتى عدّه القدماء وبعض من المحدثين تصنّعا وتكلّفا. 


المتنبّي: يظل المتنبّي، في حماساته، منشدا إلى ذاته يتغنّى بقوّتها وتعاليها وتمرّدها على واقع الرضى والتسليم مستعيدا مجمل المعاني الحماسية. فتعلو نبرة الفخر بالذات لا بالقبيلة كما هو شأن الفخر القبلي الجاهلي. ولقد تجلّى هذا الفخر إمّا في م

 «قومي» قطوعات متمحّضة لذلك، وهذا في شعر الصبا على الخصوص، وإمّا معاني تتخل الأغراض. فإذا بالذات تستقطب تلكالحماسة أو تتقاسمها مع الممدوح أو المرثي.. . وغنيّ عن القول أن هذه الظاهرة تجد تفسيرها في تلك الذات النرجسيّة المتعاليّة ترى نفسها مركز الكون وتعلن سخطها على «ما خلق الله وما لم يخلق».

الخَيْل واللّيْلُ والبَيْداءُ تَعْرفُني *** والسّيْفُ والرّمْحُ والقرْطَاسُ والقَلَمُ

 وإضافة إلى ذلك، فإن المتنبّي صوّر أبطاله العسكريين منتصرين لعروبة يتهدّدها الاندثار، ساعين لإحياء مجد «قومي» ينكره عصر اغتراب العنصر العربي أمام توسّع نفوذ «الأعاجم». فكان أن اصطبغ الصراع ببعد لا ديني جهادي كما عند سلفه أبي تمام.
أمّا وقد توّقر لدينا أّن شعراء الحماسة يسلكون في تصوير الحروب مسالك كلاميّة تنهض على مقومات فنيّة تكاد تطرد في جلّ أشعارهم مدحا كانت أم رثاء أم فخرا، فانّ أشكال تصريف الكلام عندهم لم تكن غاية في حدّ ذاتها ولا من قبيل الترف الفنّي وإنّما هي موظفة في خدمة جملة من المعاني إن لم تكن بالأساس متولّدة عنها. وكمّا توحّدت المقومات الفنية في وصف الحروب أو كادت جاءت المعاني أو أهمّها مطردة بين سائر الشعراء ذلك أنّ هذه المعاني تقوم في شعر الحماسة على تمجيد جملة من القيّم الحربية يمدح بها ويفتخر بها أو يرثى بها الميتون من عظماء قادة الحروب وأبطالها. 
ويمكن حصر أهمّ تلك المعاني والقيّم في: الشجاعة والقوة والبأس ورباطة الجأش والإقدام والثبات والتلذذّ بالحرب والانتشاء بالوقوف في أخطر مواقعها:

وفي ذلك يقول أبو تمام:

فتـــــى لا يستظــل غداة حرب *** إلى غير الأسنة والبنـــــــــود

أخــو الحرب العوان اذا أدارت *** رحاها بالجنود على الجنـــود

 

ويعبّر أبو المتنبّي عن ذات المعنى بالقول:

وَقَفْتَ وَما في المَوْتِ شـكٌّ لوَاقِفٍ *** كأنّكَ في جَفنِ الرّدَى وهْوَ نائِــمُ

تَمُرُّ بك الأبطالُ كَلْمَى هَزِيْمـــــــةً *** ووجهُكَ وضّاحٌ وثَغْرُكَ باسِــــــمُ
أو يقول:

ضروبٌ وما بين الحسامين ضيقٌ *** بصيرٌ وما بين الشّجاعين مظلم

 

على أن الشجاعة وحدها لا تكفي في الانتصار على الأعداء وفي صنع القائد المثالي فإليها تنضاف خصال أخرى أشاد بها الشعراء أبرزها حسن قيادة الجيوش والخبرة بمجال الحرب والدّراية بأساليبها وخطّطها، ولنا على ذلك شواهد كثيرة لدى كلّ من أبي تمام والمتنبّي وابن هانئ. 

يقول أبو تمام في مدح أبي سعيد الثغري:

قدتَ الجيادَ كأنهنَّ أجادلٌ *** بِقرَى دَرولِية ٍ لها أوْكارُ

أو يقول فيه:

فَطَوْراً تُجْلِبُ الدُّنْيَا عَلَيْــــهِ *** بِخَيْلٍ فِي السُّرُوجِ وَفِي اللُّبُــــودِ

وَطَوْراً تَسْتَثِيرُ عَلَيْهِ رَأْيـــاً *** كَحَدِّ السَّيْفِ فِي حَبْلِ الوَرِيـــــــدِ

 

أمّا المتنبّي فقد تفنّن في إخراج هذه المزاوجة الفريدة بين البطش والحنكة أو حكمة القيادة بالقول:

يُكَلّفُ سيفُ الدّوْلَةِ الجيشَ هَمّهُ *** وَقد عَجِزَتْ عنهُ الجيوشُ الخضارمُ

أو يقول:

تجاوَزْتَ مِقدارَ الشّجاعَةِ والنُّهَى *** إلى قَوْلِ قَوْمٍ أنتَ بالغَيْبِ عالِمُ

أو يصّرح بهذه الثنائية فيقول في مدح الأمير سيف الدولة دائما:

الرَأيُ قَبلَ شَجاعَةِ الشُجعانِ *** هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ المَحَلُّ الثانـي

فَإِذا هُما اِجتَمَعـا لِنَفسٍ مِرَّةٍ *** بَلَغَت مِنَ العَليــاءِ كُلَّ مَكانِ

أمّا ابن هانئ فقد رأى في المعزّ صورة أخرى لانصهار السيف وقوّته بقوّة البصيرة ورجاحة العقل فيقول في ذلك:

وكيف أخوض الجيشَ والجيشُ لُجّةٌ *** وإنّي بمن قد قاده الدهرَ مولَع

على أنّ فضيلة العقل والحكمة وان كانت ضرورية في الحرب فلا بدّ للقائد أيضا أن يجمع إلى ذلك مؤهلات أخلاقيّة تخرج أعماله القاسية والوحشيّة في الحرب من دائرة العنف المجانيّ أو العبثي فيبدو بطشه متنزّلا ضمن أهداف وغايات نبيلةكالدّفاع عن العرض والغيرة عليه والذّود عن الحمى والدّين والتصدي لرايات الكفر والشرك. ولمّا كان البطل الحربيّ مشغولا بتلك الأهداف النبيلة فقد أهّلته خصاله الأخلاقيّة ليولي وجهه شطر الحرب وهكذا يبدو في شعر الحماسة في صورة القائد العزوف عن الملذات والزّهد في متاع الدّنيا وهو معنى كثيرا ما يتردد في كلى أبي شام والمتنبّي. 
يقول أبو تمام في مدح المعتصم:

لَبَّيْتَ صَوْتاً زِبَطْرِيّاً هَرَقْــــــتَ لَهُ *** كأسَ الكرى ورُضــــــابَ الخُرَّدِ العُرُبِ

عداك حرُّ الثغورِ المستضامةِ عنْ *** بردِ الثُّغور وعنْ سلسالها الحصـــــبِ

فقد هبّ المعتصم لنصرة أهل زيطرة الدّين استغاثوا به ولم يقعده عن ذلك ترف العيش وحياة الدّعة ومعاشرة الكواعب الحسان. 
أمّا المتنبّي فقد عبّر عن ذلك بالقول في إحدى مقدّمات قصائده الشاكية:

لَولا العُلى لَم تَجُب بي ما أَجوبُ بِها *** وَجناءُ حَرفٌ وَلا جَرداءُ قَيـدودُ

وَكانَ أَطيَبَ مِن سَيفي مُضاجَعَــــــةً *** أَشباهُ رَونَقِهِ الغيدُ الأَماليــــــــدُ

وقوله في مناسبة أخرى:

وَلا تَحسَبَنَّ المَجدَ زِقّاً وَقَينَــــــــةً *** فَما المَجدُ إِلّا السَيفُ وَالفَتكَةُ البِكرُ

وتَضريبُ أعناقِ المُلوكِ وأن تُرَى *** لكَ الهَبَواتُ السّودُ والعسكرُ المَجْرُ

وصورة القائد المتعفّف حاضرة أيضا في حماسة ابن هانئ بل لعلّها أكثر وضوحا في مدحياته للمعزّ لما يحيط به من هاله قدسيّة متأتّية من انحداره من سلالة الرّسول يقول في ذلك:

وجَلا ظَلامَ الدِّين والدّنْيا بهِ *** مَلِكٌ لما قال الكِرامُ فَعُول

لقد خلق شعراء الحماسة من أبطالهم وقادتهم نماذج عسكرية عليا وأنشأوا لهم صورا نموذجية لعلّها هي الصورة المنشودة للقائد العربي المنشود. 
على أن لهؤلاء القادة انجازاتهم العسكرية الواقعية التي ما فتئ الشعراء الثلاثة يتغنون بها، وتعد هذه الانجازات من المعاني الرّئيسية في أشعارهم ومن أهم تلك الانجازات:
- فتوحاتهم لبلدان وثغور وضمّها إلى دولة الإسلام فها هو أبو تمام يعتبر وصول أبن سعيد الثغري أين القسطنطينية فتحا جليلا فيقول:

قد صرّحت عن محضها الأخبار *** واستبشرت بفتوحك الأمطار

كما ارتقى بهجوم المعتصم على مدينة عمورية إلى مستوى الفتح الأعظم أو فتح الفتوح كما يقول:

فتح الفتوح تعالى أن يحيطه *** نظم من الشعر أو نثر من الخطب

فتْحٌ تفتّح أبواب السماء لــه *** وتبرز الأرض في أثوابها القُشُـب

أما المتنبّي فيقول بعد وقعة الحدث مادحا سيف الدّولة ومتغنيا بانتصاره:

وَلَستَ مَليكاً هازِماً لِنَظيرِهِ *** وَلَكِنَّكَ التَوحيدُ لِلشِركِ هازِمُ

أو يقول:

خضعت لمنصلك المناصل عنوة *** وأذل دينك سائر الأديان

أو يقول:

وَمَنْ طَلَبَ الفَتْحَ الجَليلَ فإنّمَا *** مَفاتِيحُهُ البِيضُ الخِفافُ الصّوَارِمُ

وأمّا ابن هانئ فقد اقترن عنده مدح المعزّ بالمعاني الدينيّة كأوضح ما يكون حيث يقول فيه:

هذا المعزّ إبن النبي المصطفى *** سيذبّ عن حرم النبي المصطفى

ومن الانجازات التي مجّدها شعراء الحماسة تصدّي القادة لهجمات الروم وردّ اعتداءاتهم المتكرّرة على ثغور المسلمين وفي ذلك يقول أبو تمام مادحا أبا سعيد الثغريّ:

لولا جلادُ أبي سعيدٍ لم يزلْ *** للثغرِ صدرٌ ما عليه صدارُ

أمّا المتنبّي فقد أثنى على حسن بلاء سيف الدّولة عندما استردّ قلعة الحدث وأعادها إلى حظيرة الإسلام بعد أن أصابها الكفر بالجنون.

طريدة دهر ساقــــــــها فرددتها *** على الدّين بالخطر والدّهر راغم

وكان بها مثل الجنون فأصبحت *** ومن جثث القتلى عليها تمائـــم

وأما ابن هانئ فقد عبّر عن ذلك في أكثر من موضع يقول:

إنّ التي رامَ الدُّمُستُقُ حَربَها *** للّهِ فِيها صارمٌ مسلول

ولم يفت شعراء الحماسة الإشادة بدور القادة في إخماد الفتن الداخلية وإخضاع المتمردين سواء على دولة الخلافة أو على بعض الإمارات. وقد كان لأبي تمام في هذا الباب صولات شعرية تركّزت بالأساس على مدح دور بعض القادة في التصدّي للمنشقين فاحتفى أيّما احتفاء بما قام به أمثال الأفشين وأبي سعيد الثغري في صيانة وحدة الخلافة من ثورة حيث يقول مادحا الأخير ومعتبرا انجازه عملا جهاديّا مقدّسا:

أليست بأرشق كنت المحامي *** عن الإسلام ذا بأس شديد

 

رآك الخرّمي عليه نــــــــــار *** تلهّب غير خامدة الوقـــود

 

والمتنبّي ذاته لم يغفل عمّا قام به سيف الدّولة في عمليات التصدّي لتمرد بعض القبائل العربيّة على سلطته حيث يقول في تصدّي الأمير لما أحدثه بنو كلاب من قلاقل:

بِغَيرِكَ رَاعِياً عَبِثَ الذّئَابُ *** وَغَيرَكَ صَارِماً ثَلَمَ الضِّرَابُ

 

وَتَمْلِكُ أنْفُسَ الثّقَلَينِ طُرّاً *** فكَيفَ تَحُوزُ أنفُسَــــها كِلابُ

تلك كانت بعض أهمّ معاني الحماسة عند شعرائنا الثلاثة ولسنا نزعم الإتيان عليها كلّها فذلك أمر لا تدعيه هذه الدّراسة في حدودها المدرسية فمعاني الحماسة تفيض على الحصر والمعول في استنباطها وقف على دراسة النصوص دراسة متأنية وشاملة. 


وظائف الشعر الحماسي:

يعمل شعر الحماسة على خلق نماذج بطولية عليا عبر تحويل الممدوحين من قادة الحرب وأمرائها إلى مثل عليا عسكرية لعلّها مطلوبة أكثر مما هي موجودة. ويراد لهذه المثل أن تترسخ في الذّاكرة الجماعيّة للمجموعة المحاربة التي يتغذّى وجدانها من خلال أعمال هؤلاء البطولية بمشاعر العزّة والكرامة والنّخوة والشّرف فيتعمّق شعورها بالانتماء إلى هويّة لها حضورها في التاريخ على صعيد المنجزات الحربية.
كما يلعب شعر الحماسة وظيفة تعبوية تهدف إلى جلب الأنصار والمتطوعين للقتال وتحريضهم عليه وهي وظيفة سياسية بالأساس تنضاف إلى الوظيفة النفسيّة المقترنة بالتحميس وإثارة الحميّة الدّينيّة أو القبلية أو حتى النعرات الطائفيّة مثلما هو الشأن لدى ابن هانئ ومن شأن هذه الوظيفة أن تساعد المحاربين على مغالبة مشاعر الخوف والرهبة المحايثة لأجواء الحروب وأهوالها.
وفي مقام أخير لشعر الحماسة مزيّة تسجيل الوقائع الحربية التي قد تغفل عنها كتب التاريخ وهو ما يبرز من خلال حضور الوظيفة المرجعية في كثير من شعر الحرب لدى كلّ من ابن تمام والمتنبّي وابن هانئ.

 

الجمعة، 29 أبريل 2022

لدرس العاشر: هذا ما كنت أطلب

https://docs.google.com/document/d/1DY8U9stSniwsp0BjIjSlfuhBouSgSpt2fBUpAvdPCfU/editا

التمهيد: صعودا إلى جبل حزيز كانت رحلة أبي هريرة في حديث البعث الآخر شوقا للمطلق وتوقا للغيب والأبد وفي الرحلة يطلب البطل التعالي والتسامي هروبا من المادّة والأرض وعتقا للروح وتكتسب النهاية في أعمال محمود المسعدي الأدبيّة الوجوديّة ميسما خاصّا يميّزها عن الكتابات الوجوديّة في الغرب حيث ينتهي البطل عدما منسيّا فالنهاية في كتابات المسعدي شكلّ من أشكال التطّهر عبر الالتحام بالغيب وإدراك المطلق ولذلك استوحى المسعدي في حديث البعث الآخر الأبعاد الصوفية (التصوّف) لغة وإشارة ورمزا وتجربة فكان النصّ احتفالا بالموت أو إشراقا صوفيّا في لحظة حلول في ذات أسمى وفي النصّ مفارقة بين موجود يتشكّل في المغامرة عناصر روائيّة كالفضاء المكاني أو الزمانيّ (الجبل الحزيز,شدّة الظلام,الأفق الغربي, بقايا نور تائهة..) وهي عناصر روائيّة تؤكّد فشل البطل في كلّ تجاربه أو تردّده بين التجربة والخيبة والرغبة والمحنة والفعل والفشل والاختبار والانكسار والإمكان والمستحيل وهذا من صميم مأساته أمّا منشود البطل في نهاية المغامرة فإطلالة على المطلق الغيبي وإكساب للموت معنى الحياة أو الحقيقة الكليّة واليقين الثابت.

+استلهم محمود المسعدي في حديث البعث الآخر الخطاب الصوفي (خطاب المتصوّفة) وله في النصّ بعدان:

1- البعد الإيقاعيّ الاحتفالي:كان حديث البعث الآخر مزيجا من النثر والشعر فكان الشعر صوت الغيب يتلقاه أبو هريرة هاتفا من السّماء فيردّده على نحو من ترجيع الصّدى للصوت كترجيع الأنبياء للوحي وكان كتلبية المؤمن المقبل على الحقّ واليقين.

2- كان النصّ الشعريّ في حديث البعث الآخر زاخرا بالعبارات الصوفيّة (الحبّ,الحقّ ,الشوق,الضياء,سرّي,ستري,الغيب,خفايا الرّوح,شواطئ الأزل..).

          يكتسب هذا النصّ (حديث البعث الآخر) بعدا احتفاليّا يحتفي فيه بطل المغامرة الوجوديّة بالموت والغيب فيستحيل (يتحوّل) الموت من حدث عدمي يمثّل نهاية الوجود أو الفناء (العدم) إلى فعل وجوديّ يشكّل دائرة الحياة ويعيدها إلى بداياتها (دورة الحياة والموت والبعث) ويرسم علامات اليقين الكلي والحقيقة المطلقة وفي نهاية أبي هريرة رؤى ومواقف متعدّدة تعدّد القراءات والتأويلات (تقييم النهاية):

1- هل كانت النهاية في رواية حدّث أبو هريرة قال تأكيدا لفشل البطل في كلّ مغامرته الوجودية وإقرارا بعجزه عن نحت كيانه وإدراك معنى وجوده وسرّ حياته وهل كانت النهاية انهزاما أمام سطوة الوجود وتحقيقا للعب والعدم (الحياة عبث).

2- هل كانت النهاية (المأساة) انتصارا بلغ به البطل منتهى الرّحلة ومبلغ المعرفة الإنسانيّة وأدرك من خلالها يقينه وحقيقة وجوده ومعنى حياته (الحقّ) ولذلك كانت صورة النهاية معبّرة عن تفاعل كونيّ( فأسمع حوافره على الصخور كالرعد,وغاب عني في الليل, وصيحة كصيحة الفرح..)

3- تمثّل النهاية اختيارا وجوديّا وتعبيرا عن إرادة البطل الذي اختطّ لذاته مسلكا وأصرّ على السير فيه لا يبالي بالعراقيل ولا تثنيه المصاعب ولذلك كانت النهاية في الرواية ميسما من مياسم البطل الوجودي المريد الذي يحمل قدره بيديه ويندفع في الوجود مغامرا تدفعه رغبة إدراك الحقيقة واكتساب المعنى لا ينثني حتى يدركه الموت أو اليقين وللموت في الرواية الوجودية صورتان:صورة الاستسلام للعادات والقيم الجماعية والخضوع لإرادة غير إرادة الذات ولذلك كانت مغامرة أبي هريرة وتمرّده وثورته في حديث البعث الأوّل شكلا من أشكال الانبعاث ومعاودة اكتشاف الوجود واستكناه معناه وله في حديث البعث الآخر صورة فلسفية دينية يمثّل فيها الموت استفاقة جديدة وإطلالة على عالم آخر لا يدركه الإنسان إلا صفاء مطلقا وتحرّرا كاملا من الأرض والجسد والناس هي إطلالة على عالم الغيب وضفة أخرى من ضفاف الوجود الإنساني (شواطئ الأزل) ولذلك كانت النهاية حدّا فاصلا بين رحلتين رحلة أولى اختطّها أبو هريرة وسلك مسالكها وطاف في أنحائها وجرّب ثناياها متردّدا بين الفعل والخيبة والإرادة والارتداد والإقبال والانكفاء والإمكان والاستحالة والوجود والعدم والحياة والعبث ورحلة ثانية كانت النهاية ملمحها في حديث البعث الآخر وشكّلت انعتاقا من سلطة الزمان وتحرّرا من سطوة المكان فكانت النهاية التحاما بالأبد والتقاء بالخلود على نحو من فعل المتصوّفة وعشّاق الحقيقة وأصحاب المقامات.

الغموض في النهاية:أساليبها ودلالاتها:

* الأساليب: العجائبي (ثنائيّة الصوت والصدى) كان دافع أبي هريرة إلى رحلة الفناء هاتف من هواتف السماء والغيب كأنّه صوت الكون أو دعوة الخلود وترجيع الأبد ولذلك كانت لغته من لغة الدهر والزمان في إيقاعها ومعحمها ثمّ سرعان ما يرتدّ الصوت صدى (فأسمع أبا هريرة يغنّي..) على نحو من التماهي والتعانق بين الذات والكون فيستحيل أبو هريرة طيفا من أطياف الوجود يغريه الأبد والغيب فيقبل عليه إقبال المريدين والعبّاد "وأرسله كالريح وغاب عني في الليل..".

* البنية التركيبيّة: وتقوم على التمثيل والتشبيه والاستعارة والرمز (أرسله كالريح,صهيل ألم, صيحة كصيحة الفرح, مأدبة شياطين..) وفي نهاية الحديث ما يختزل مغامرة أبي هريرة وتجاربه دعاء يفيض بالدلالات كما فاض أبو هريرة عن الحياة ووجود أراد أن يستقصي معانيه فتجاوزه منشدّا إلى المطلق وفي صيغة التفضيل (أعظم) ما يدلّ على أنّ مسيرة البطل رغم تردّدها بين أبعاد متنافرة ومآلاتها الفاشلة تمثيل رمزي وروائي لعظمة الإنسان يختطّ مسلكه في الوجود وينحت كيانه مجاهدة ومكابدة وفعلا مستمرّا لا ينقطع وفي مغامرة أبي هريرة ونهايته تتجلّى رؤية محمود المسعدي الوجوديّة فالحياة فعل دائم وجهد لا ينقطع وخلق مستمر وإرادة متجدّدة لا ينهيها فشل ولقد أجمل المسعدي هذه الرؤية والحكمة في قوله "وإنّ كلّ كيان لجهد وكسب منحوت".

* في الرواية مغامرة وجود ومغامرة كتابة فقد سلك المسعدي في الرواية مسالك فنيّة فريدة طريفة ومبدعة ففاضت عن حدود الجنس الروائي وتعريفات الكتابة واتجاهاتها واستوحت كلّ فنّ واستوعب كلّ نصّ وامتدّت في آفاق الإبداع زمانا ومكانا عودا إلى التراث العربي وانفتاحا على التجارب الروائيّة الغربيّة الحديثة فكانت نصّا جامعا فيه الحديث والخبر والسيرة والرواية والملحمة والحكاية والشعر والآية والحكمة والأسطورة والقرآن والإنجيل والمقامة والرحلة وعجيب نصّ المسعدي غوامضه وتعدّد روافدة وتنوّع أصوله واختلاف منابته وطريف النصّ معنى يتجدّد بتجدّد القراءة فكأنّه بعث جديد. 

الرواية العربيّة: حدّث أبو هريرة قال... محمود المسعدي الدرس التاسع: إلى مغرب الشمس


تمهيد:عود على بدء كانت رواية حدّث أبو هريرة قال..وكأنّها تحاكي قصّة خلق الإنسان وتعيد سيرته وقد ولد ولادتين من عالم الغيب يأتي وإليه يمضي وكذلك كانت رواية المسعدي فمن عالم العبث والعدم والسكينة والاطمئنان الزائف كان انعباث أبي هريرة في النصّ وفي المغامرة ومن الوجود إلى العدم كان منتهى الرحلة والعجيب في الرواية عناصر التماثل بين البداية والنهاية فأبو هريرة يفتح أبواب الحديث ويغلقها  فكان مستهلّ الرواية ومنطلق المغامرة بعثا أوّل ومنتهاها بعثا آخر وتمثّل النهاية في كتابات المسعدي شكلا من أشكال الخروج عن الروايات الوجوديّة التي ظهرت في الغرب فليست نهاية البطل الوجودي عبثا خالصا ولا فناء محضا ولا عدما دائما بل هي استفاقة أخرى على وجود غيبي لا نراه عيانا وإنّما ندركه يقينا فكأنّ البطل في المغامرة يترقّى درجات الوجود الإنساني حتى إذا بلغ عتبات المطلق انفتحت له آفاق الغيب حيث لا يفنى.

الحوار ووظائفه: الحوار في رواية حدّث أبو هريرة قال أسلوب روائيّ له خصائصه الفنيّة وأبعاده الدلاليّة إذ كانت الرواية الوجوديّة مغامرة الشخصيّة الرئيسيّة (البطل) وهو ينحت كيانه ويسأل عن معنى وجوده في مدارات من التجارب يأتيها البطل باحثا وينتهي حائرا ولذلك كانت لغة الحوار مزيجا من الإيحاء والتكثيف والتقريرية والإنشائيّة الممتلئة سؤالا وحيرة أو رمزا وإشارة إذا كان الحوار في الرواية محملا أسلوبيا يكشف عن مواقف الشخصيّات من القضايا الوجوديّة الذهنيّة وفي هذا النصّ كان حوار أبي المدائن وأبي هريرة مؤذنا بالنهاية معبّرا عن ذلك الشوق إلى معانقة المطلق وتجريبه ولذك كانت عبارات أبي هريرة مكتنزة رمزا وإيحاء مستحضرة لخطاب صوفي يرى قيمة الوجود في منتهاه أمّا الزمن فغروب يعيد إلى النصّ ذلك التعبير الرمزي الذي وسم الرواية بميسم ذهني فلسفي فالرواية مغامرة البطل وهي كذلك مغامرة الفكرة التي امتدّت في مداها يوما أو بعض يوم (من الفجر إلى غروب الشمس) وكأنّها ترسم دورة الحياة والكون يسيران في فلك الوجود والزمان ومع غروب الشمس ترسو مراسي الرحلة وينقطع المسير ويتأهّب البطل إلى الرّحيل الأخير مندفعا نحن الغيب أو اللانهائيّ الذي لا يرى والأبديّ الذي لا يفنى.

الرواية العربيّة: حدّث أبو هريرة قال... محمود المسعدي 

الرواية العربيّة: حدّث أبو هريرة قال... محمود المسعدي الدرس الثامن: الحكمة الاعتدال

التمهيد: أبو رغال شخصيّة أسطوريّة تختلف عن بقيّة شخصيّات الرّواية في إغرابها وغموضها فليست شخصيّة واقعيّة أو تاريخيّة وهذا ما يجعلها محملا مناسبا للدلالات الرمزيّة فقد بعثت في الحكاية مرتين فكأنّها بذلك تستعيد قصص الأنبياء ووأساطير الإنسان حين يغالب الفناء وينشد الخلود والبقاء وهي في الأثر الديني فعل تناصّ يستحضر قصّة النبيّ موسى عليه السّلام مع الخضر وأبو رغال في تجربته اختزال عجيب لمسيرة الإنسان في وجوده فقد أراد مطلق القوّة ومنتهى الفعل وأورد قومه ذلك حتى يئس منهم ثمّ نشد مطلق الخير وأورده قومه ثمّ طلب الوحي ومنزلة الآله فاستحال عليه طلبه فطلب الحكمة وأدرك يقينا أنّ"الحكمة الاعتدال" (التعادليّة).

- بنية التضمين: في حديث الحكمة قصّتان,قصّة أبي هريرة يحدّث عن نفسه في رحلة التيه والبحث عن الحقيقة وطلب اليقين وقصّة أبي رغال يحدّث بها أبا هريرة فكأنّما يهديه حكمة الدّهر.

- البعد الرمزي وأساليبه في النصّ:

+العبارة المرمّزة الموحية: وهذه من أشدّ خصائص الأسلوب في رواية "حدّث أبو هريرة قال.."بل إنّ المكان والزمان والشخصيّات تستحيل في الرواية إلى رموز يعبّر من خلالها المسعدي عن مواقفه الفلسفيّة ورؤيته الوجوديّة وكثيرا ما ترتبط هذه العناصر بالتجارب التي يخوضها بطل الرواية (الصحراء,الدير,البحر,الجبل,الفجر,الليل,الكهف,البيت,..).

+ التشبيه التمثيلي أو المثل: على نحو من صناعة المثل صاغ أبو رغال حكمته ومنتهى تأمّله في الحياة والكون وانتهى إلى أنّ الإنسان منشدّ إلى بعدين فيه يصطرعان بعد جسدي حسيّ وبعد روحي إيماني وهما يتغالبان ولا ينتهيان ولا ينفي أحدهما الآخر ولا ينهيه وهما في الإنسان "كالحوت في الماء" أي أنّ العلاقة بينهما تلازميّة تلازم الحياة والموت فالماء حين يمتلئ بالحوت يمتلك قيمته ومعنى وجوده ويتجاوز معاناة الخواء وقسوة الفراغ وكذلك حين يفيض وجود الحياة على الماء ينتهي إلى فناء وقيمة وجود الإثنين في كونهما متلازمين.

+في عمق أزمة أبي هريرة ومأساته مأسأة الإنسان في تردّده  بين أبعاد متنافرة وقيم متناقضة ومعان متخالفة ولا يكون المعنى باستخلاص بعد واحد يسكن له الإنسان ويطمئن وإنّما المعنى في الجمع بينها في كيان واحد على نحو من الاعتدال.

+تميّزت تجربة الحكمة (العقل) عن بقيّة تجارب أبي هريرة فقد استلهمها تعلّما لا عملا وفي النصّ إشارات إلى دور المعرفة في التجربة ولذلك تردّدت عبارات القلم والقرطاس في إشارة رمزيّة لقيمة المعرفة باعتبارها سبيلا من سبل إدراك الحقيقة وبلوغ اليقين.

+ كانت تجربة الحكمة آخر تجارب أبي هريرة وفيها امّحت تلك الفواصل التي أشقت أبا هريرة وأتعبته وفي هذه التجربة إدراك لقيمة الاعتدال (التعادليّة) بين الأبعاد فهو شرط الوجود وحقيقته ولا تمّحي الأبعاد في الإنسان ولا تخفى إلاّ إذا بلغ الإنسان عتبات المطلق " لم يبق إلاّ أن أطلب النّهاية".

+على سبيل التناصّ أمضى المسعدي عبارة المسرحي الإنقليزي شكسبير" أكون أو لا أكون" وفي هذا التضمين قيمتان:

- نصّ المسعدي تجميع للفكر الإنساني وتراثه الأدبي والفلسفي.

- تكمن مأساة الإنسان في تردّده بين خيارات متناقضة لا توسّط بينها. 

الرواية العربيّة: حدّث أبو هريرة قال... محمود المسعدي الدرس السابع: واقتضاني الصّفاء

 

* لئن كانت الشخصيّات في حدّث " أبو هريرة قال..." أبعادا لشخصيّة البطل في الرّواية تشير كلّ منها إلى عناصر الانسان حسّا (ريحانة ) وروحا ( ظلمة ) وحضورا اجتماعيّا وعملا ( الجماعة ) وعقلا ( أبو رغال) فإنّها في نصّ الرواية شخصيّات لها حضورها وتجربتها ورؤاها بعيدا عن شخصيّة أبي هريرة ومغامراته فلريحانة وجود نصّيّ ولها رؤية وجوديّة قبل أن يلتقيها أبو هريرة فتعلّمه الجسد ومتعته وكذلك شخصيّة ظلمة لها تجربتها ( التخلّص من الجسد وطلب المطلق ) أمّا أبو رغال فكان في النصّ أشدّ الشخصيّات أثرا في ذات أبي هريرة وإلى حدّ ما كانت التجربتان متماثلتين في طلب الحقيقة وفي الرحلة الدائمة بحثا عن جوهر الإنسان وحقيقة كيانه.

- تردّد ما بين العدم والوجود أو الفعل والعبث كانت مسيرة أبي هريرة أو مغامرته الوجوديّة فما إن يدرك بعدا من أبعاد الإنسان حتى يختبره ويجرّبه استقصاء لمضمونه وبحثا عن مدلوله الوجودي ونحتا لكيانه الباحث عن معناه حتّى يرتدّ إلى ذاته خائبا مهزوما وقد أدرك يقين الوجود وحقيقة الحياة فهي عبث وفناء غير إنّ إدراك ذلك اليقين لا يثني بطل المغامرة عن المضيّ في رحتله والاستمرار في مسيره ليدرك المنتهى ويبلغ المطلق الأبدي الذي لا يفنى فقد كان به شوق دائم إلى الحقيقة وتوق متجدّد لبلوغ اليقين " فإذا عينيه أشدّ ما رأيت شوقا إلى ما تراه غيرها من العيون..".

- حديث الحكمة من الأحاديث التي اختارها المسعدي لبطل المغامرة محطّة من محطّات تجاربه وهو في نصّ رواية "حدّث أبو هريرة قال.." جماع للمتناقضات ولئن كانت خوضا لتجربة العقل فقد كانت إطلالة على الجنون وعوالمه ومن خلال حديث الحكمة يعيد المسعدي من خلال بطل الرواية رسم تجربة الشكّ والحيرة الوجوديّة تلك التي استقاها من التراث الإنساني (تجربة الشك في الفلسفة الإغريقيّة ثم الغزالي في الفلسفة الإسلامية ثم ديكارت في الفلسفة الغربيّة) " تهت في بعض حياتي وضللت السّبيل وكان قد بدأني الشكّ.."

- كان أبو هريرة يدرك أنّ مأساة الإنسان في تقلّبه بين أشتات متفارقة وأبعاد متناقضة وكانت رحلته على امتداد الرواية استخلاصا للمعنى واستقصاء لليقين أو حقيقة الوجود وما به يكتمل الكيان ويشتدّ اطمئنان الإنسان له فأدرك في حديث الحكمة أنّ الكلّ ثاو في جوهر الإنسان وطبعه لا يفارقه ولا يستطيع أن يفنيه أو يتفيه ( فشل تجربة الحسّ وتجربة الجماعة وتجربة الروح...) ولذلك كانت تجربة الحكمة (العقل) منتهى رحلة أبي هريرة ومبلغ تأمّلاته الوجوديّة ومستقرّ سؤاله وحيرته وكان على امتداد المغامرة كالطالب للمستحيل ( وقلت لم يبق إلاّ أن أطلب ذاتي مطلقا وماهيتي وأعرض عن المحمول واللاحق والعارض..).

* دلالات المكان في حديث الحكمة:

- تتردّد في نصوص " حدّث أبو هريرة قال .." عبارات تشير إلى معنى الرّحلة (السبيل..الطريق..السفر..الرحيل..الخروج..) وتكتسب هذه العبارات معان رمزيّة ذهنيّة تتصّل بالرؤى الفكريّة الفلسفيّة فليست السبيل في الرواية إلا إشارة رمزيّة لتلك المسيرةو الوجوديّة التي خاضها أبو هريرة عند استفاقته الأولى في حديث البعث الأوّل أمّا البحر فهو فضاء التجربة في حديث الحكمة والبحر رمز من رموز الرواية حيث تتشكّل معاني الامتداد والانعتاق والغموض وحيث تلغى النهايات وتتّسع الأفاق أفاق الوجود والفكرة والمعنى وهو الإطلالة على المطلق وهو توحّد الجوهر الإنساني مع أعراضه وصفاته وهو العمق الذي لا يحدّ والصفاء والنقاء وهو كذلك تيقّظ العقل..

الرواية العربيّة: حدّث أبو هريرة قال... محمود المسعدي الدرس السادس: انتهى اليوم جهادي

 

التمهيد: " ما تناسى المرء الجسد إلاّ أكلته الخيالات" والغريب في تجربة الروح والإيمان أنّ أبا هريرة قد أحيا في ظلمة ما افتقدته من عالم الإنسان وأعاد إليها وجودها فكأنّها الحياة تبعث من جديد : عودة إلى الجسد واتصال بالإنسان في بعده الأرضي وانفصال عن وهم التشبّه بالإله ومن عجيب أبي هريرة في رحلته أنّه صعد الجبل تبرّؤا من عالم النّاس فإذا عالم النّاس في أعلى الجبل كأنه لم يبرحه .

الجهاد في كتابات المسعدي عبارة من صميم رؤيته الوجوديّة تلتقي مع معاني الثورة والتمرّد والفعل والإرادة والخلق وهو في ذلك يصيب دلالة تخرجه من معنى الخضوع والاستسلام وتلقي به في مغامرة الوجود . والجهاد مكابدة النفس ومغالبتها وترفّع عن منزلة الإنسان وعلوّ بها . والجهاد فعل متجدّد وجهد دائب وخلق مستمرّ لا تثنيه عقبة ولا ينهيه فشل .لقد أدرك أبو هريرة من خلال تجربة الرّوح أنّ للانسان أبعادا لا تلغى وأنّ الجسد صنو الرّوح وحضنها إذا فني فنيت معه الرّوح بعدان متلازمان متعايشان على قلق يكدّ بعضهما كدّا وفي تجربة الروح رفعت حجب الإيمان وكان اليقين .

لئن كانت رواية أبي هريرة " حدّث أبو هريرة قال..." رواية وجوديّة فإنّها لا تلغي بعض الأبعاد الحافّة لمسألة الوجود والكيان ففي تجربة الجماعة أشار المسعدي إلى واقع المجتمع التونسي زمن الاستعمار وواقع المثقّف وعجزه عن التغيير الاجتماعي. وفي تجربة الرّوح أشار المسعدي إلى بعض المتصوّفة الذين ألغوا الجسد والحياة .

الرواية العربيّة: حدّث أبو هريرة قال.. الدرس الخامس: ثمّ لبس الصّوف

 

التمهيد: حديث الغيبة تطلب فلا تدرك هو الحديث السّابع عشر من أحاديث رواية " حدّث أبو هريرة قال..." وكان إطلالة على تجربة أخرى من تجارب أبي هريرة في مغامرته الوجوديّة وكان استعادة لهوس الترحال بعد أن سكن هاجس السؤال في" حديث العمى "و "حديث الحمل "  والبيّن في مسيرة البطل توقه إلى التسامي فمسار الرحلة اتّباع للعلوّ ورقيّ ينأى عن الأرض ويتحرّر من الجسد في حركة تطلب الرّوح أو الغيب والمطلق وهذا من شأن فلسفة المسعدي ورؤيته الوجوديّة والفلسفيّة حيث يتردّد الإنسان في مأساته بين الحيوانيّة والألوهيّة إذ تقع منزلته وسطا بين حاجة الجسد ومقتضى عالم الأرض وحاجة الرّوح ومقتضى عالم السّماء ولعلّ قسوة الوجود ومأساة الإنسان في أدب المسعدي هو ذلك التردّد بين قطبين متعارضين.

- كان نصّ المسعدي "حدّث أبو هريرة قال ..." نصّا مفردا في صيغته طريفا في أساليبه ولكنّه على وحدانيّته وبدعته كان نصّا جمعا اجتمعت فيه الرّوافد ففيه بعض من أصول التراث وبعض من صميم الديانة الإسلاميّة وشيء من روافد الفلسفة والحكمة القديمة وبعض من العود إلى الديانة المسيحيّة. وبعض روافده الفلسفة الوجوديّة المعاصرة ولعلّ طرافة النصّ في هذا التعدّد الذي أفرد أثرا أدبيّا اختصر رحلة الإنسان فكرا وكتابة ففيه إحياء لمسالك الحكاية في التراث العربي وفيه انفتاح على مشاغل الكتابة الروائيّة المعاصرة وفي صميمه فكرة الوجود الإنساني ومنزلته.

- لئن كان التيّار الوجودي فلسفة أو كتابة أدبيّة نزيل رؤى الغرب في نشأته وإبداعه فقد حرّك فيه المسعدي هواجس الإنسان العربي المسلم فلم يكن الوجود في أدب المسعدي عبثا محضا أو خواء دائما أو زيفا متحقّقا أو فناء خالصا وإنّما كان الوجود توقا متجّددا إلى الفعل وإرادة متعاودة تتجاوز الفشل وتستهويها المغامرة وتغريها غواية التجراب فكانت رحلة بطل الرواية شوقا إلى المطلق. هكذا كانت نهايات أبطال المسعدي في أغلب رواياته مزيجا عجيبا جمع بين شوق الصوفيّ إلى الحلول في ذات المطلق  واعتقاد المؤمن من أنّ الحقيقة تقع في حيّز يتجاوز الجسد والمكان والزمان .

 

 

 

 

1- تجربة الرّوح:

- في دلالة المكان والشخصيّات

" الدير كان في منعة من الجبل كما كان منفصلا عن الأرض "

-       في دلالة المكان:

 

 

 

 

-       في دلالة الشخصيّات

* ظلمة

 

- يوحي المكان بالرّافد المسيحيّ فهو مكان تعبّد وتزهّد ونسك ينقطع فيه النسّاك والعبّاد عن عالم الأرض والنّاس ويتّخذون من الجبل مكانا عليّا لعلّهم يطّلعون على عالم الغيب .ومن خلال صورة المكان تتراءى بعض معالم تجربة الروح في مسيرة أبي هريرة الوجوديّة فهي انفصال عن الناس وانقطاع عن الدنيا ولذائذها ومتاعها ومتاعبها ويمثّل العلوّ توقا إلى السمّوّ حيث يعلو أبو هريرة ويرفع ذاته بعيدا عن رذائل الوجود فكانّ صعود أبي هريرة إلى مكان عليّ في جبل إنّما يشير إلى إرادة التطّهّر ونقاء الذات وصفاء الرّوح فهي رحلة البحث عن وجود بلا ذنب ولا خطيئة  

( النقاء) حيث يتحرّر الإنسان من بعده الحيواني ويلغي بعده الجسدي

 ...( البعد الغريزي ) فهو في تجربة الرّوح داء الإنسان وعلّته ولذلك كان الانفصال عن الأرض.

 

 

لئن انتهت تجربة الحسّ (الجسد ) بالانفصال عن ريحانة رمز الحياة وطيبها فقد التقى أبو هريرة المرأة الثانية في عالم غير عالم الأرض ومتعته هو مكان في موضع تستهويه السّماء وتطرده الأرض ( قمّة الجبل ). أمّا دلالة الاسم فتوحي على نحو من تلك الرّموز التي أشاعها المسعدي في ثنايا الكتابة ومن وحدة الجذر يلتقي الظلام والظلم وفي الظلام موت واستكانة فلا نور, زمن يقع نقيضا لذلك الفجر الذي أغوى أبا هريرة بالحياة ( حديث البعث الأول ) وأمّا لظلم ففيه انقطاع عن الحياة واستقصاء للموت وظلم للجسد وقتل لنوازعه .

كان مثار رحلة أبي هريرة سؤال يطلب جوابه (" فقلت ما بك ؟ قال : سؤال أطلب جوابه أريد أن أعرف أيّهما أصدق وجودا الله أم الشيطان ؟) وهنا يتكثّف الرمز محيطا بعبارتي الله والشيطان فالله رمز للخير المطلق والنقاء الجوهري وأما الشيطان فرمز للشرّ المطلق حيث الإثم والخطيئة .اختار أبو هريرة في رحلته تجربة الرّوح سفرا إلى الله أو سفرا إلى الخير المطلق فاعتلى الجبل على مشقّة منه وارتاد مكانا عليّا متطّهرا من ثقل الأرض وانشداد الجسد إليها لعلّه يظفر بحقيقة طالما ترحّل في الوجود يستقصيها ويطلبها وفي سؤاله قتل أبو هريرة ماضيه ( تجربة الحسّ وتجربة الجماعة ) فهل يتمكّن أبو هريرة من فناء الحسّ وهل يتمّكن من قتل الإنسان فيه وإحياء الإله؟