المشاركات

عرض المشاركات من أكتوبر, 2021
  العيد كان ذلك آخر ما تبقى ..وأشارت إلى واحدة يتبعها خروفان في ركن من زريبة اجتهدت في رصّ أخشابها وملء ثغراتها بأشواك شجر السدر حتى لا تجوزها الذئاب من الناس والحيوان..دخل التاجر ومعه   ثلاثة من أبنائها وأحاطوا بأحد الخروفين حتى تمكّنوا من مسكه ثمّ ألقوا به في عربة السيّارة وقبل أن يأخذ التاجر مقعده   سألها أن تبيع له الثاني ولكنّها رفضت وهي تقول "ذلك هو عيد أبنائي".. ..ما تبقى هو كلّ ما ترك زوجها الرّاحل منذ خمس سنين ..عشرة أغنام أو يزيد قليلا أكلتها السنوات الخمس كما أكلت من عمرها حتى لم يعرفها الناس وكانت إذا سئلت عن تغيّر حالها وذهاب شبابها نظرت مزهوّة إلى أبنائها الثلاثة وفي صوت يملؤه الفخر أجابت "هؤلائي جنّتي وشبابي وفرحتي.." ترك لها ثلاثة من الأبناء وبيتا صغيرا في أقصى القرية اجتهدا معا في جمع حجارته وبنائه وكان جنّتهم إلى حين..ترك لها كثيرا من الذكرى والأحلام الشاردة كالغيوم تسوقها الريح بلا وجهة فهي كالأقدار تسوق النّاس والأعمار.. كانت تشتغل طول يومها في البساتين المنتشرة في السهول وتجمع في عملها قليلا من عشب فإذا كان الغروب سارت حيث ذلك البيت القص...
  في المدرسة - أحيانا الجروح الصغيرة تترك ندوبا عميقة وظلالا من الأحزان لا تخفى.   رفعت بصري متأملا وجه صديقي القديم وهمست - لم تكن جروحا صغيرة..فقط كنّا صغارا. كنا صديقين متلازمين لا نفترقان إلا ليلا أو حين المبيت ..صباحا تأخذنا الطريق إلى المدرسة متعرّجة متثائبة ككل صباحات القرى..نشقّ معا سهولا وهضابا نتّبع سطور الصبّار حتّى إذا بلغنا المدرسة وسمعنا صيحات الحارس نندسّ في جموع التلاميذ التي جاءت بهم دروب القرية البعيدة وفجاجها.يصفّق الحارس بيديه من بعيد فيجتمع كلّ التلاميذ في صفين أمام قسمين تطوّع الرجال في تلك القرية ببنائهما فقد خيّر أبناؤهم ممن سبقوا هذا الجيل الانقطاع بسبب البعد ومشقّة السير إلى المدارس .. حين يصطفّ التلاميذ متباعدين إناثا وذكورا يسير المدير محاذيا للصفوف فتنحبس الأنفاس في الصدور فإذا رأى إعوجاجا قوّمه بصفعة يتبعها تأوّه مكتوم ثمّ يختار فتاة وفنى من الصفيّن يرسلهما لدائرة اسمنتيّة يتوسّطها عمود حديدي ثمّ يأمر الجميع بالنشيد وعيونه لا تغادر الوجوه تبحث عمّن يتعلثم في القراءة..يرفع التلميذان العلم فإذا استوى في أعلى العمود صفّق الحارس مرّتين فيبست...