الجمعة، 29 أبريل 2022

المسرحيّة: مغامرة رأس المملوك جابر لسعد الله ونوّس. الدرس السابع: الرّسالة

 

التمهيد: لا يمثّل هذا النصّ خاتمة المسرحيّة بقدر ما يمثّل انفتاحا على فضاء القراءة والدلالة ولم يكن الكشف عن محتوى الرسالة عبر خطاب الحكواتي إلاّ إشارة خفيّة لرسالة أخرى خطّت على امتداد المسرحيّة إلى حدّ تتحوّل فيه المغامرة إلى مغامرتين:

-       مغامرة المملوك جابر باعتباره حدثا تاريخيّا يستلهمه الكاتب ويستثمره .

-       مغامرة الكتابة عند سعد الله ونّوس باعتبارها فعلا تجريبيّا اختطّ لنفسه مسلكا عجيبا في الكتابة المسرحيّة أخذ من الغرب مسرحه الملحمي ومن التراث المادّة التاريخيّة وشخصيّة الحكواتي .

وضمن هذا الإطار كانت خاتمة المسرحيّة تأكيدا لتلك النزعة الملحميّة وتعبيرا عن رؤية ونّوس الفنيّة والفكريّة فكان الجمهور في خاتمة المسرحيّة شاهدا وشريكا كما كان الحكواتي فعل إمتاع وإيجاع يوقظ وجدان الجمهور وينير عقله لا على وجع بغداد وحدها في متن الحكاية بل على أوجاعهم ويرثي بغداد كما يرثي حالهم وفي المشهد الأخير تتداخل الأصوات وتمتزج الأزمنة في مشهد يوحي بأنّ اللحظة لم تغادر زمانها فنحن هنا وإن ضللّتنا متاهات الحكاية والتّاريخ .إنّ استعارة المغامرة لم تكن إلاّ فعلا تغريبيّا فهو الرّاهن وإن لم ندركه وهو الحاضرّ وقد غيّر الكاتب في ملامحه وبدّل في صوره خلقا لمسافة وعي يدرك من خلالها الجمهور مساحة التشابة بين الليلة والبارحة فالعجم هم العجم فعل دمويّ وحضور همجيّ قاتم وقاتل في الفضاء العربيّ والنّاس هم النّاس أموات في صراع لم يدركوا شروطه ولا أهدافه والسّاسة هم السّاسة يبيعون الأوطان والخيانة هي الخيانة شهوة السلطة وقسوة النهاية.

كان المشهد الأخير اعتصارا للحكاية كما كان اعتصارا للدلالة فالمكان متداخل فلا حيّز يفصل بين ركح التاريخ وركح المقهى وكذلك الشخصيّات أمّا الحكواتي فله في النهاية شأن إذ زال عنه الهدوء وغاب عنه الحياد وخطب في الناس خطابا لعلّه يوقظ وعيا ويثير وجدانا.

الموضوع: الكشف عن موضوع الرّسالة ورثاء بغداد.

المقاطع: ينقسم النصّ إلى مقطعين:

-       خطاب الحكواتي.

-       خطاب بقيّة الشخصيّات.

1-    خطاب الحكواتي: تميّز خطاب الحكواتي بسمتين فقد كان خطابا حكائيّا سرديّا ثمّ تحوّل إلى صوت جماعيّ يحرّض ويدفع الجمهور من خلال مصير جابر ومصير بغداد إلى إدراك مواضع الخلل ومواطن الفساد... (الكشف عن أسباب الهزيمة )

·        الخطاب الحكائي: انتقل فيه الحكواتي من الكشف عن مضمون الرّسالة إذ يعبّر فعل الكشف عن أمرين أمّا الأوّل فمن صميم الفعل الدّرامي إذ مرّت مغامرة المملوك جابر في بنائها الحكائي ( الفعل الدّرامي ) عبر ثنائيّة الغموض والكشف وعبر فعل الغموض تتأكّد عناصر التشويق وشدّ الجمهور إلى مسار الحكاية ومسيرة الشخصيّة ولم تكن نهاية المملوك جابر الحكواتي  حلاّ لغامض المغامرة بل إنّ مضمون الرّسالة هو الّذي دفع بالشخصيّة إلى نهايتها كما دفع بالدلالة إلى أشدّ معانيها وأعمقها في مسرحيّة ونّوس إذ تؤكّد الرّسالة وجها نقيضا لما تعوّده الجمهور من شخصيّة جابر .لقد كان القاتل الحقيقي هو جابر وكانت النهاية محاكمة لفعل الخيانة وتوجيها للجمهور إلى الجريمة الحقيقيّة.

·        الحكواتي ورثاء بغداد: كان من أكثرها إطالة وشدّها إيغالا في البعد التأثيري ولم يكن خطابا محايدا كما كان الحكواتي في كل خطاباته ( الحياد البارد).كان خطابا رثائيّا متفجّعا ( كان يوما مروّعا لم تشهد بغداد مثله , عمّ الحزن وانتشر الموت كالهباء , ذلك اليوم هبط الليل على بغداد مبكرا) لقد عمّقت الإشارة الركحيّة تلك النبرة الرثائيّة ففي فضاء الرّكح صوت خبب الخيل وصليل السيوف والتداخل بين المحكيّ والمرئيّ يعمّق أبعاد المأساة وينقل الجمهور عبر حدّة الفعل وقسوة المشهد من نهاية إلى نهاية , من نهاية المملوك جابر إلى نهاية أهل بغداد لقد أراد الحكواتي كما سعد الله ونّوس أن يؤكّد أنّ المأساة الحقيقيّة هي مأساة أهل بغداد التي على الجمهور أن يرتاع لمصيرها ويلتاع لخرابها وهذا على نحو ما هو فعل تغريبي أراد من خلاله سعد الله ونّوس أنّ يغيّر في منظور التلقّي من نهاية الفرد الطامح إلى تحقيق أحلامه إلى نهاية الجماعة.

إنّ التداخل بين الرّكحين والفضاءين  والحكايتين تحيين للتاريخ وتأكيد على أنّ فهم التاريخ وإخلالاته وهزائمة شرط من شروط الوعي .

2-    خطاب بقيّة الشخصيّات:  من فضاء التاريخ ينتقي ونّوس شخصيّاته ومن عمق المأساة وخراب بغداد يبعث بعض شخصيّاته فعلا عجائبيّا ( ينهض الرّجل الرّابع من بين القتلى ويقف قرب الحكواتي ,بعد قليل تظهر زمرّد في الطرف الآخر يتقدّم ثلاثة من الزّبائن تتوسّطهم زمرّد التي تحمل الرّأس بين يديها ووراءهم كوم من الجثث ). على نحو من المشهد الفاجع يتسرّب الخطاب وتتحوّل الرّسالة من حكاية تاريخيّة إلى رسالة إلى كلّ العصر .كان الرّجل الرابع على امتداد الحكاية في فضاء التاريخ صورة للمثقّف الذي أنهكته السلطة وامتحنت فيه مواضع قمعها كان صوتا خفيّا يدرك محدوديّة مداه فأخرجه الحكواتي من موته وبعثه من بين القتلى لعلّه يبلغ ويبلّغ أمّا زمرّد فصورة للحبّ والصفاء والقيم العربيّة الأصيلة هي تلك المرأة التي أشارت على امتداد الحكاية إلى مواطن الجمال في الحضارة العربيّة الإسلاميّة وهو من مدلول اسمها جوهر نفيس وأصيل ولعلّها على نحو ما حضارة العرب خانها أهلها عبر فعل لم يدركوا مآلاته وأمّا امتداد الصوت الجماعي من فضاء الحكاية إلى فضاء الواقع فيشير إلى أمرين :

-       ما كان ميسما للمسرح الملحمي من خلال كسر الإيهام وفعل التغريب وتشريك الجمهور .

-       ما يتعلّق بمسرح التسييس ففيه دعوة للجمهور ليدرك مكامن الأزمة ومواطن الفساد

                                                                                  

المسرحيّة: مغامرة رأس المملوك جابر لسعد الله ونوّس. النصّ السادس: المصير الفاجع :

 

التمهيد:

يصل المملوك جابر إلى بلاد العجم ويستعجل العودة إلى بغداد للفوز بالمكافأة بعد لقاء ملك العجم "منكتم" الذي اطّلع على الرسالة وما فيها فاستودعه السيّاف استجابة لتوصية الوزير "اقتل حامل الرّسالة من غير إطالة" وبهذا التجسيد المسرحي للنهاية تتحرّك ردود فعل الزبائن ( تداخل الركحين والحكايتين).

النهاية المأساويّة سمة أسايّة من سمات المسرج التراجيدي حيث ينتهي بطل المغامرة نهاية فاجعة ويكون مآل البطل التراجيدي في المسرح الكلاسيكي قدرا محتوما تفرضه القوى الغيبيّة (الآلهة) باعتبارها عنصرا من عناصر الصّراع أمّا في المسرح الملحمي فالنهاية حتميّة تارخيّة تخضع لضرورات التاريخ شروطه وفي مسرحيّة "مغامرة رأس المملوك جابر" كانت النهاية الفاجعة بعضا من اختياراته أو كانت لعبة لم يحسن فهم قواعدها أو التحكّم في مآلاتها ولذلك كانت النهاية كشفا لحقيقة شخصيّة جابر على نحو صادم وقاس يعيد طرح السؤال على الجمهور ويسقط ذلك القناع الذي أخفى ملامح الشخصيّة الانتهازيّة التي خانت بلدها وأهلها وسلّمت وطنها للأعداء قصد تحقيق أوهام الذات ونزواتها ولم تكن النهاية على قسوتها إلاّ اختيارا فنيّا يتجاوز البعد التراجيدي في المسرحيّة ليقع في صميم مسرح التسييس إنّ نهاية جابر سؤال ينضاف إلى مجموع الأسئلة التي شحنت بها المسرحيّة سياسيّا واجتماعيّا وحضاريّا لقد كانت النهاية مباغتة وشكلا من أشكال كسر أفق التوقّع وانحرافا بمسار الأحداث نحو الفاجعة وبذلك تستحثّ في المتفرّج رغبة التساؤل الواعي عن مواطن الخلل وموضع الخطأ..إنّ النهاية وقسوتها بداية لاكتشاف مناطق الخلل في الواقع.

الموضوع: نهاية جابر وموقف الزبائن منها.

المقاطع:ينقسم النصّ إلى ثلاثة مقاطع (المسرح داخل المسرح).

1- من بداية النصّ ---------- ما يحدث له: في الركح الخارجي (المقهى) :التمهيد للنهاية.

2- من السطر العاشر:--------الرحمة ,الرحمة: في الركح الداخلي (التاريخ): إعداد جابر لمصيره المفجع.

3- بقيّة النصّ: تداخل الركحين: تقييم النهاية.

 

الخصائص الفنيّة

المضامين

1- فضاء المقهى(الزبائن-الحكواتي)

 


 

 

وظائف الحوار:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


الإشارات الركحيّة:

 

 

 

 


تقديم شخصيّة لهب

 


شخصيّة جابر:

 

 

خطاب جابر (الهذيان)

- ورد هذا المقطع في شكل لوحة سرديّة محكيّة خالية من الإشارات الركحيّة وهو ما يجعلها تستجيب لفضاء السّمر والمؤانسة " باختصار إنّي أقترح شكل سهرة المنوّعهات لعرض المسرحيّة ولا شكّ أنّ جوّ المقهى يتيح لنا فرصة ممتازة لذلك"-سعد الله ونوس- فينجح الحكواتي في إثارة اهتمام الزبائن وتلهّفهم لمعرفة النهاية.

- يمثّل القسم الثاني من السرحيّة تسريعا لإيقاع الحكي عبر تكثيف حضور الحكواتي (تسريع النهاية).

- المقابلة بين تدخّلات الزبائن وخطاب الحكواتي فالأولى مخاطبات قصيرة وإنشائيّة (التعجّب والاستفهام) والثانية مطوّلة تقريريّة مزجت بين السّرد والوصف وهذه المقابلة في مستوى أسلوب الخطاب مهّدت لمقابلة في مستوى المواقف من النهاية الفاجعة. (موقف حيادي مقابل موقف انفعالي وجداني)

+ الوظيفة الدراميّة: فخطاب الحكواتي يقع في صميم لحظة فارقة من مغامرة شخصيّة جابر ( الوصول إلى بلاد العجم وانتظار المكافأة) ومن خلال الجمع بين شخصيّة جابر وشخصيّة السيّاف تتكشّف ملامح النهاية ( النهاية الفاجعة).

+ اختزال الأحداث وانحدار الفعل نحو النهاية المفجعة.

+ بناء العرض الختامي على مشاركة الجمهور تحقيقا لرؤية سعد الله ونوس المسرحيّة (تجاوز التلقّي السلبي عبر المشاركة الإيجابيّة من خلال التداخل بين المساحتين وكسر الإيهام).

+ تشكيل لوحة مسرحيّة قائمة على عنصر القسوة والنهاية الصادمة (مسرح القسوة) قصد إيقاظ وعي المتلقي فالنهاية القاسية تعيد رسم التوقّعات وتطرح أكثر من سؤال (إنّ واقعا متأزّما يحتاج إلى صورة صادمة توقظ في المتلقّي وعيا جديدا بالأحداث والوقائع)

+ تغيير بعضا من ملامح شخصيّة جابر من شخصيّة ذكيّة مغامرة إلى شخصيّة منفعلة ومنهارة وضمن هذا التقابل ينشأ حيّز (فضاء) للتفكير واكتساب وعي جديد.

- تعلّقت الإشارة الركحيّة بالفضاء المكاني (غرفة لهب) وتمثّل الغرفة شكلا من أشكال حضور السلطة السياسيّة من خلال رمزين من رموزها وهما السجن أو غرفة الإعدام والسّياف كفعل سلطوي قمعي وعلى هذا النحو من الحضور كانت شخصيّة جابر شخصيّة شاهدة على آثار السلطة (ديوان الوزير-السجن-غلرفة الإعدام..).

      يؤكّد ونوس من خلال هذا الفضاء الركحي على أشدّ أشكال السلطة حضورا في الواقع السياسي العربي ماضيا وحاضرا (السجن وغرفة الإعدام) ويتعلّق الفعل السياسي بالقمع والظلم والاستبداد.

- "لهب صامت جامد وجهه معدن بارد ويبدو شديد اللامبالاة" وعلى هذا النحو يكتسب السيّاف بعدا ترميزيّا إذ يشير إلى دلالة الزمن وفعله :إنّ الزمن هو الذي ينهي الأشياء عبر سيرورة تاريخيّة تخضع لإرادة الأفراد وأفعالهم وفي مغامرة جابر كانت النهاية التارخيّة حتميّة (محكومة بالضرورة).

- كشفت الإشارة الركحيّة منحى التحوّل الدرامي في شخصيّة جابر " يجول جابر في أنحاء الغرفة ويبدأ في التعرّق" وضمن أسلوب التغريب تكتسب شخصيّة جابر ملامح مغايرة لما ألفه المتفرّج ( جابر الواثق من نفسه والمعتدّ بحيلته والذكيّ المغامر..)ومن خلال التباعد بين الصورتين يفتح سعد الله ونوس للمتلقي مساحة للاكتشاف.

+ كان حوار جابر شكلا من أشكال الطرادة ( المخاطبة المطوّلة المسهبة)ىوهو خطاب مطوّل قائم على الاسترسال الانفعالي ويعبّر عن حالة الخوف والاضطراب التي تعيشها الشخصيّة.

+ ثنائيّة الكلام والصمت: يتحوّل خطاب جابرإلى مايشبه الحوار الباطني.

+ التداخل بين الواقع والوهم من خلال التداخل بين الحوارات والإشارات الركحيّة (أنا الآن رجل رجل رفيع المقام ولي زوجة وثروة)) لهب يطرح جابر أرضا ويجبره على الركوع ويوثق رجليه أيضا)

+ كان الحوار أحاديّا جعل من حديث جابر ضربا من ضروب الهذيان وخضع نظامه لمنطق الاسترسال والتداعي ومن خلال رسم ملامح النهاية القاسية وتكثيف مشاعر الخوف التي استبدّت بجابر " الاستعطاف والخوف" تنفير للمتفرّجين وإنقاذ لوعيهم من أجل إعادة تقييم شخصيّة جابر انطلاقا من بعدها السلبيّ (الخوف والحيرة والتوسّل).

+ أثار جابر في خطابه مسألة أساسيّة تمثّل محورا دلاليا من محار المغامرة وهي مسألة السعادة والشّرف فجابر يفاخر بحيلته على أنّها شرف يستحقّ المكافأة غير أنّ ونوس يجعل من هذا التقييم للمغامرة شكلا من أشكال التزييف ويدفع المتفرّجين نحو إدانة جابر فنهاية القاسية مستحقّة لأنّ حيلته وأفعاله خيانة وغدر ( الاستعانة بالأعداء لتخريب الأوطان).

+ كانت نهاية جابر ضرورة تاريخيّة (حتميّة) لأنّه شخصيّة وصوليّة انتهازيّة استثمرت الصراع السياسي لتحقيق مطامع شخصيّة واستباحت المحرّم وتلاعبت بالمبادئ وخانت الوطن.

 

 

3- التداخل بين الركحين ( الحوار بين المساحتين).

الحوار : كان حوارا متعدّدا جمع بين الحكواتي والزبائن والسيّاف.

الزبائن: قام حوارهم على المرواحة بين الخبر( النفي – التأكيد) والإنشاء ( الاستفهام – التعجّب )

التعاطف والشفقة والإنكار .

ورد في المسرحيّة ما يثير الانتباه فقد مثّلت شخصيّة الزبون الرّابع تجاوزا للموقف الجماعيّ وكذلك شخصيّة الرّجل الرّابع الذي كان صوتا نشازا يختلف عن العامّة ولعلّ في هذا الاختلاف ما يوحي بوظيفة الفنّ المسرحي ( الفنّ الرّابع) فالفنّ المسرحي في رؤية سعد الله ونّوس له أن يضطلع بوظيفة التنوير والتثوير وإيقاظ العقول ومساءلة السائد ومحاكمة الواقع.

خطاب السيّاف:

يتحوّل السيّاف من الصمت والهدوء إلى مخاطبة الجمهور خطابا يختزل المغامرة ويجملها ويشير السيّاف في خطابه للزبائن إلى أشدّ مواطن المفارقة في مغامرة المملوك جابر( الوهم والحقيقة ) ومن تلك المفارقة تنشأ المأساة وخطاب السيّاف إنّما يجسّد فعل الزمن وحتميّة التاريخ ويوقظ في وعي الجمهور تلك الأسئلة التي تجاهلها المملوك جابر فبين الموت وهذه العودة المسافة سؤال ( الحكواتي : ولم يسأل السؤال )

لقد أشار السيّاف إلى تلك المناطق التي لم يتسرّب إليها سؤال الجمهور ولم ترتدها حيرته .فقد موّه الحكواتي كما سعد الله ونّوس شخصيّة جابر (الذكاء.الفطنة .المرح) فكانت النهاية صادمة وفاجعة وعلى عتبات النهاية يتوقّف الجمهور عند أسئلة الحكاية وتبدأ أسئلة القضايا والدلالات ولعلّ اهمّها:

-       لماذا تخيّر سعد الله ونوس مغامرة المملوك جابر مادّة دراميّة استلهمها من التراث أي لماذا التقط ونوس من ذلك المدى التاريخي المشبع بالانتصارات ,لماذا التقط مرحلة الهزيمة؟

-       يجيب سعد الله ونوس عن سبيب تخيّره لمغامرة راس المملوك جابر لانّه يتعمّد إثارة السلبيّة وتضخيم موضع الخلل في الواقع السياسي والاجتماعي فمسرح التسييس هو ذلك السؤال الجارح والمشهد المؤلم الفاجع الذي يتجاوز احتفالات النصر (دأب كثير من الكتّاب المسرحيين على انتقاء لحظات النصر التاريخي وترويجها لدى الجمهور كشكل من أشكال تعمية الواقع وتمويهه).

-       إنّ ما يخشاه ونوس هو أن يتحوّل مسرح التسييس إلى شكل من أشكال " الوعي الجاهز " أي ذلك المسرح الذي يقدّم الإجابة ويمتع الناس ويجيب عن حاجاتهم في حين أنّ جوهر مسرح التسييس هو الإشارة إلى مواضع الخلل والوجع ( إيقاظ عقول الناس وتنويرها).

-       الإيماء شكلا من أشكال التغريب: " يتمّ ذلك إيمائيّا وأمام المتفرّجين " في إطار الاستفادة من المسرح الملحمي وعبر تكثيف عناصر التغريب لجأ ونوس كشكل إخراجي إلى تجسيد بعض المشاهد إيمائيّا مثل حلق الرأس ,رحلة المملوك جابر إلى بلاد العجم, قطع الرأس, ثمّ خراب بغداد " ويمثّلون إيمائيّا أو هتك العرض" .

-       إدماج الجمهور في العرض المسرحي وكسر الجدار الرّابع : أشكال التغريب تساهم في تحقيق حلم ونوس في مسرح شعبي حيّ وفعّال.

-       تعميق البعد التراجيدي في نهاية المسرحيّة وفتح النهاية على مداليل المغامرة فشخصيّة جابر ضحيّة لاختياراتها الوصوليّة والانتهازيّة .فما لم يدركه جابر هو ذلك الحدّ الفاصل بين الشرف والخيانة والسعادة والفاجعة "بين الموت والعودة مسافة سؤال : ولم يسأل السؤال "

-       يقول سعد الله ونوس : " الصورة التي هزّتني وأثّرت فيّ وبالتالي انعكست في أعمالي هي صورة الانسان العربي المهزوم والمقهور الذي يلتمس إمكانيّة أن يتفتّح وأن يحمل قدره بنفسه ولكنّه لا يجد حوله إلاّ الصعوبات والعراقيل والآكاذيب ,عراقيل سببها بالدرجة الاولى الوضع السياسي الذي يعيش فيه سببها القمع المنظّم الطويل الذي خضع له سببه أيضا شراسة القوى الخارجيّة التي تحاول هزيمته ومنعه من أن يتفتّح ويحمل قدره بنفسه" ويشير سعد الله ونّوس إلى وجوه الاختلاف بين المسرح التقليدي ومسرح التسييس ( مسرح بناء الوعي ) " يأتي الجمهور وهو يحمل أحزان يومه وهموم حياته فنمتصّ نقمته على الواقع ونحوّلها إلى ضحكات تملأ فراغ الصّالة ولا يتجاوز تأثيرها عتبة النفس والمسرح ونفرغه من شحنة غضب كان يمكن أن نوجّه إليها سهاما ونفجّرها فيه نارا حارقة".

المسرحيّة: مغامرة رأس المملوك جابر لسعد الله ونوّس. النصّ الخامس: جابر وزمرّد

 

التمهيد: يمثّل هذا النصّ شكلا من أشكال الوقف المسرحي عبر قطع مسار الحكاية والانحراف بها نحو مشهد جانبي يمكّن المسرحيّ من وظيفتين أمّا الأولى فوظيفة الإرجاء (تأجيل النهاية) فيتحقّق التشويق وأمّا الثاني فيتعلّق بكسر الإيهام فما إن ينشدّ المتفرّج إلى مسارات الحكاية حتذى يوقظه الرّاوي عبر مشهد يخفّف من تسارع المسار الدرامي (إبطاء الإيقاع الدرامي)( يقوم الإيقاع الدرامي في مسرحيّة مغامرة رأس المملوك جابر على تناوب المشاهد وتجاورها وفق عمليّة إرجاء متواصلة تبعد النهاية وتتجاوز أفق انتظار المتفرّج عبر كسر خطّ الحكاية والانحاء بمسارها من خلال تضمين حكايات فرعيّة.

- الصّراع في المسرحيّة من أوثق الأساليب الفنيّة ارتباطا ببناء الشخصيّات من ناحية وبناء الفعل الدرامي من جهة ثانية حيث يتنامى المسار الدرامي من خلال الصّراع .

الصّراع في مسرحيّة مغامرة رأس المملوك جابر ذو دوائر متداخلة ( سياسي واجتماعي ووجداني وحضاري) وأمّا ما يتعلّق بشخصيّة جابر فقد كان الصّراع ملمحا من ملامح البطل التراجيدي الذي يخوض صراعا تتعدّد فيه الواجهات (صراع مع الواقع الاجتماعي والمنزلة الوضيعة "مملوك" وصراع مع الواقع السياسي والبحث عن المكانة والنفوذ وصراع وجداني علامته حالة عشق متردّدة بين الحب واستحالة الوصال..) ولئن سعى ونوس عبر هذه التشكيلات المختلفة من ألوان الصراع إلى تكثيف البعد الملحمي المغامر في شخصيّة جابر فإنّه كشف بعض مواطن الخلل في مشروع المملوك إذ ينتهي الصّراع جهدا خاويا ومغامرة زائفة فهو تشكيل متعدّد لأوهام الذات في واقع متأزّم لم تدرك فعليّا آليّات تغييره أو التعامل معه ولئن بدا جابر (بالنسبة للمتفرّجين) شخصيّة متميّزة ومغامرة فقد حرص سعد الله ونوس عبر مسارات الحكاية على كشف أوهامها عبر إيقاعها في الفشل (قسوة النهاية) لأنّ المشروع الفردي والأناني والانتهازي لا يغيّر الواقع وإنّما المشروع الجماعي الجماهيري الواعي بالشروط التاريخيّة للتغير.

الموضوع: النصّ لوحة عشق ترسم مظاهر التباين بين أحلام جابر وهواجس (مخاوف) زمرّد.

المقاطع: ينقسم النصّ إلى مقطعين (التناوب بين المحكيّ والمرئيّ).

1- من بداية النصّ ------------ القلق الذي يطلي سوادهما: المحكيّ.

2- بقيّة النصّ : المرئيّ.

الخصائص الفنيّة

المضامين

المحكيّ (خطاب الحكواتي)

 

 

 

 

 

 

الإشارات الركحيّة:

 

 

 

 

 

 

 

الحوار:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خطاب جابر:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خطاب زمرّد

( العاطفة والخوف,أفق المغامرة..)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

- كشف خطاب الحكواتي عن حياة جابر وراء القضبان (السجن) حيث تتجلّى خصوصيّة المكان في علاقته بالشخصيّات (الغرفة المظلمة..كفتحة العين..من محبسه..) ويحاول الحكواتي من خلال صورة المكان رسم أبعاد متناقضة تتّصل بالشخصيات إذا يمثّل المكان على ضيقه أفقا من أفق الحلم وفيه تتسع رؤى جابر وتتكثّف الأحلام وهو مرحلة من مراحل تحقيق مشروع المملوك جابر ( تبليغ الرسالة إلى ملك العجم ثمّ نيل المكافأة).

- لا تخرج علاقة الوزير بالمكان (السجن) عن بعدها السياسي فالسجن بعد سلطوي يروم من خلاله الوزير إلى إخضاع المملوك جابر وتحقيق مشروعه ( الاستعانة بالعجم للتخلّص من الخليفة) ولئن كان الترقّب سمة جامعة بين الشخصيّتين فإنّ الاختلاف في المقاصد والغايات مثّل حدّا فاصلا بين مشروعين مختلفين رغم التداخل بينهما (مشروع جابر ومشروع الوزير).

- تركيب الغرفة على المسرح وهي إشارة ذات وظيفة إخراجيّة تتجاوز البعد المسرحي التقليدي لتعبّر عن حضور العناصر الفنيّة للمسرح الملحمي ( تقنية من تقنيات التغريب وكسر الإيهام).

- نقل حركة الممثلين على الرّكح " الحارس ينحني ويخرج الوزير"

         التضافر بين المحكيّ والمرئيّ أسلوب فنّي ميّز أعمل سعد الله ونوس المسرحيّة وخاصّة تلك التي تتنزّل في إطار تجربة مسرح التسييس ويمثّل هذا التداخل بين المحكي والفرجويّ (المرئيّ) أو بين السموع والمنظور تقنية من تقنيات المسرح الملحمي فكان الجمع بينهما جمعا بين رافدين الرافد التراثيّ من خلال شخصيّة الحكواتي والمادّة الدراميّة التاريخيّة والرافد المعاصر من خلال الاستفادة من تجربة المسرح الملحمي.

          أحسن سعد الله ونّوس توظيف الوسائط الفنيّة للجمع بين المحكيّ والمرئيّ .

          تمثّل شخصيّة الحكواتي شخصيّة واصلة تتحكّم في مسارات الحكاية وانعراجاتها وتحوّلاتها كما تتحكّم في انفعالات المتفرّجين وتحويل مدارات اهتماماتهم .

قدّمت الإشارة الركحيّة في نهاية المقطع الأوّل الجارية زمرّد على أنّها استثناء جميل في عالم مليئ بالسكون والموت والعزلة فهي الجمال في عالم السياسة ومؤامراتها وهي الحبّ في عالم الحقد والكره والدسائس وهي صوت طافح بالحيتة في عالم كلّ مؤشّراته توحي بالموت والخراب والفناء ولذلك كان هذا المشهد انتقالا بالمتفرّج من واقع السياسة ودسائسها وصراعاتها إلى فضاء وجدانيّ تعود فيه الذات الإنسانيّة لتختبر نقاء الوجدان وبراءة الحلم وصفاء المشاعر ولهذا كان صوت زمرّد في المسرحيّة صوتا نشازا لا تستهويه أحلام العشق بقدر ما تفزعه قسوة الواقع ولقد حقّق سعد الله ونوس عبر حضور شخصيّة زمرّد أمرين:

* إبطاء إيقاع الحكاية وإرجاء النهاية عبر تشعّب المسارات وتنوّع الحكايات.

* تأكيد البعد التراجيدي في شخصيّة جابر من خلال تكثيف البعد الوجداني باعتباره موطنا من مواطن الصراع في المسرحية ( الصراع الداخلي بين اندفاع العاشق وهواجس الحبيبة).

- كشفت الإشارة الركحيّة عن بعض ملامح شخصيّة وهي ملامح تتجاوز صورة المملوك المغامر إلى صورة العاشق ولذلك كان خطابه مشحونا بلغة شعريّة وجدانيّة تكثّف هذا البعد العاطفي ولذلك كان الخطاب وجدانيّا غنائيّا ( الغنائيّة هي خطاب الذات حين تنعزل عن واقعها وتعود إلى ذاتها وتبوح بأحلامها أو أوجاعها وفي المسرحيّة موضعان من مواضع الخطاب الغنائي:1- لقاء جابر بزمرّد 2-رحلة جابر إلى بلاد العجم بعد خروجه من بغداد حاملا الرسالة".)

- كان خطاب جابر رغم غنائيّته خطابا حالما (س+ فعل في صيغة المضارع"سأكون أسرع من الطير..")

- من خلال مخاطبات جابر تمتزج صورتان لهذه الشخصيّة صورة جابر المغامر المدفوع بأحلامه وصورة جابر العاشق ولئن كان الخطاب مشحونا بأبعاد وجدانيّة فإنّه لا يخلو من موقف سياسيّ يعكس رؤية المملوك جابر للصراع السياسي ومآلاته إذ لا يرى جابر في صراع الخليفة مع الوزير إلا لعبة سياسية أتقن استثمارها قصد تحقيق طموحاته دون أن يدرك مخاطر هذا الصراع على الناس والأوطان "فخّار يكسّر بعضه يا زمرّد المهمّ أن نبلّغ الرسالة وأنال مكافأتي ..لن نحمل همومهم أيضا مستقبلنا أهمّ".

- سلطة الشهوة أو الإيحاء الجنسي: لئن كانت شخصيّة جابر ذات ملمح تراجيدي (مشروعا ومصيرا) فإنّها اكتسبت من خلال خطابها ملمحا كوميديا عبر أشكال الهزل والإضحاك والمفارقة والإيحاءات الجنسية ومخالفة القواعد العامّة والسلوك الماجن الشهوانيّ وفي هذا المسلك إمتاع للمتفرّج وتخفيف من البعد الإشفاقي (التعاطف أو الشفقة) عبر ألوان الهزل والتسلية كما يعبّر هذا الجمع بين البعد التراجيدي والبعد الكوميدي في البناء الدرامي لشخصيّة جابر مظهرا من مظاهر التغريب وشكلا فنيّا من أشكال كسر الإيهام.

 

- التماثل الطبقي بين شخصيّة المملوك جابر وشخصيّة الجارية زمرّد فكلاهما ينتميان إلى نفس الطبقة الاجتماعيّة.

- تمثّل لونا من ألوان الصّراع في المغامرة (المبالغة في الحلم # المبالغة في الواقعيّة /التفاؤل#الهواجس/جهل بالنهاية#توقّع النهاية الفاجعة)

- كان البعد الحجاجي ظاهر في خطاب زمرّد إلى حدّ أضحى فيه خطابها عنصرا معرقلا (الحذر وإدراك المخاطر والوعي بالمؤامرات..)

      كشف خطاب زمرّد عن محدوديّة مشروع جابر وتهافته فجابر لم يحمل في مشروعه رؤية  تهدف إلى تغيير الواقع الاجتماعي أو السياسيوإنّما كان مشروعا ذاتيّا محكوم بالأنانيّة والانتهازيّة والوصوليّة ولذلك كان مشروعه محكوما بالفشل ( المصير الفاجع).

- يتناقض مشروع جابر مع رؤية سعد الله ونوس للتغيير الاجتماعي والسياسي فالتغيير في منظور ونوس لابدّ أن يكون جماعيّا وشعبيّا وواعيا بالشروط التاريخيّة للتغيير.

- الحب والسياسة باعتبارهما مسارين ينتهيان بالبطل إلى نهايته.

- لا يحمل جابر مشروعا أصيلا للتغيير وإنّما كان مشروعا انتهازيّا تحكمه رغبة الفوز بالمكافأة (الفوز بزمرّد والمنصب السياسي والثروة).

- يغامر جابر من أجل هدف زائف يسير به نحو النهاية الفاجعة.

 

 

المسرحيّة: مغامرة رأس المملوك جابر لسعد الله ونوّس. النصّ الرّابع: المناورة أساس الحكم

 

التمهيد: انقسمت مسرحيّة " مغامرة رأس المملوك جابر " إلى قسمين فصلت بينهما استراحة أعلن عنها الحكواتي وكانت تبعا لمشهد حلق الرأس وكتابة الرسالة عليه وتمثّل الاستراحة مسلكا فنيّا غيّر في طبيعة المسرحيّة القديمة ( تقسيم النصّ إلى فصول يعلن إسدال الستار عن نهايتها ) كما كانت الاستراحة أسلوبا من أساليب التغريب وكسر الإيهام ومنع الاندماج ذلك أنّها غيّرت في مسار الفعل الدرامي ( تقع الاستراحة فاصلا حاسما في المغامرة ما قبل الرحلة ثمّ الشروع في الرحلة )والمسرحيّة جمع من المشاهد ومزيج متداخل من اللوحات المسرحيّة فلا تلتزم ببنية الفعل الدرامي بقدر ما تلتزم ببنية الموضوع (المسرحي(السياسي/الاجتماعي /الوجداني ..).

مسرح التسييس باعتباره مشروعا مسرحيّا حاول من خلاله " ونّوس " إثارة المسألة السياسية بعد الهزيمة وأعاد طرح أسئلة الواقع على نحو مختلف لم تألفه الكتابة المسرحيّة العربيّة قبل الهزيمة وضمن هذا الإطار كانت المسألة السياسيّة ملحّة في حضورها عبر رموز السلطة مكانا ( ديوان الحاكم ) وشخصيّات ( الخليفة والوزير ) وعلى نحو تغريبيّ يحوّل سعد الله ونّوس مسألة السلطة والسياسة من موضوع مسرحي إلى محور يدين الواقع ويكشف مواطن الخلل فيه فالخلل في البنية السياسيّة لا يكمن في فساد السلطة أو قمعها أو استبدادها بل يكمن في عجز الجماهير عن إدراك مواطن الخلل فيها ولذلك كان أسلوب التغريب شكلا من أشكال إعادة مساءلة المألوف السياسي وأسلوبا من أساليب محاكمة الواقع ويعتقد "ونّوس" أنّ إثارة السؤال وتعميق مداه حتى يجتاح كلّ أبعاد الواقع العربي سياسة وثقافة واجتماعا هو المقصد الأساسي من مقاصد مسرح التسييس فهو مسرح يسأل ولا يجيب ومسرح يدين ويحاكم ولا يقترح الحلول .وفي هذا النصّ يعود " ونّوس" إلى مشهد من مشاهد السياسة في بعدها الحكائي وفي هذه العودة مقصد فنيّ يؤكّد عنصر الصراع باعتباره ضرورة فنيّة وأسلوبا من أساليب بناء الفعل الدرامي .

الموضوع: خطّة الأمير والخليفة للقضاء على الوزير والانفراد بالحكم .

المقاطع:

ينقسم النصّ إلى مقطعين ( أسلوب التضمين)

-       من بداية النصّ ....... مشيئة المولى: الركح الحكائي ( الركح الداخلي) الحوار بين الخليفة والامير.

-       بقيّة النصّ: فضاء المقهى ( الركح الخارجي )موقف الزبون من تدبير الأمير.

الخصائص الفنيّة

المضامين

 

1-   الإشارة الركحيّة

* الخصائص

 

  

2- الحوار :

* التوزّع الكمّي بين الشخصيّات

 

* أسلوبه


3- خطاب الخليفة

 

4- خطاب شخصيّة الأمير عبد الله

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الرؤية السياسيّة للأمير:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الركح الخارجي: (فضاء المقهى)

 

 

 

 

 

 

 

التاليف:

 

 

 

 

- تمثّل الإشارة الركحيّة تصديرا لمشهد من مشاهد المغامرة ( الخليفة + عبد الله) وهو شكل من أشكال التغريب إذ تسهم في نقل الجمهور من مشهد إلى مشهد فيتعطّل مسار الحكاية ( مغامرة جابر ) ويتمكّن المسرحيّ من كسر الإيهام.

- التداخل بين الحكي والعرض ( أثناء الكلام يدخل ممثّلان)

- تداخل الفضاءين ( يتّخذان مكانيهما وينتظران سكوت الحكواتي ..بعد لحظات)


- هيمنة شخصيّة عبد الله على كمّ الحوار ممّا يشير إلى هيمنة الحاشية على التدبير السياسي ( أثر الحاشية في الدسائس السياسيّة )

- أسلوب حجاجي قام على ثنائيّة الإرجاء والتعجيل.

- سيطرة الأساليب الإنشائيّة كالاستفهام والنهي والتعجّب والأمر ( التردد والحيرة ).

- يتحوّل إلى ما يشبة الطّرادة ( تخويف الخليفة من ذهاب ملكه إن هو تأخّر في الفتك بالوزير ) " أصبحت اللحظة مناسبة – المناورة أساس الحكم – الفتك مسألة بسيطة للغاية"

- يتحوّل أحيانا إلى ما يشبه الطّرادة (المخاطبة المسهبة /Tirade) كما يشير إلى تحكّم الأمير في الوضعيّة الحجاجيّة عبر تخويف الخليفة من ذهاب ملكه إن هو تأخّر في الفتك بالوزير (أصبحت اللحظة مناسبة..المناورة أساس الحكم..الفتك مسألة بسيطة للغاية..)

     يشير الأسلوب الحجاجيّ الغالب على حوار الشخصيّات إلى مسألة المؤامرات السياسيّة كتعبير عن عن خلل في الفعل السياسي يتجاوز موضوع الحكم إلى مسألة العلاقة بين الرّاعي والرعيّة حيث ينشغل أهل السياسة والحكم بحفظ مصالحهم وإدامة ملكهم والتخلّص من خصومهم ولا ينشغلون برعاية مصالح النّاس وردّ حقوقهم.

-       تدرّج الخليفة من الاعتراض إلى الموافقة ومن التردّد إلى القبول ..

-       لا يبدو الخليفة مدركا لمعاناة الرعيّة محيطا بما يعيشه النّاس في واقعهم من خوف وجوع أمّا خطاب الأمير فيقوم على التأكيد على ضرورة حفظ الملك .

 

- الانفراد بالحكم والتخلّص من خصوم السياسة وإثارة الفتن بين الولاة وتحويل الخلاف السياسي إلى مسألة دينيّة تستهوي العامّة وتدفع بهم في أتون ذلك الصّراع السياسي (حماية الخليفة واجب على كلّ مسلم..)

      اضطلع الحوار والإشارات الركحيّة بوظيفة الاستبطان وكشف العلاقات بين الشخصيّات كما اضطلع بوظيفة دراميّة (تنامي الفعل الدرامي والدفع بالصراع إلى منتهاه..) ولئن كان الخليفة متردّدا حائرا عاجزا عن اتخاذ القرارات والحسم في موضوع صراعه مع الوزير فإنّ الأمير يضاهي الوزير دهاء ومكرا وخداعا فيتحوّل الخليفة إلى مجرّد صورة جوفاء لسائس محكوم لا يقدر على شيء .

لقد طرح هذا النصّ مشكلات الواقع السياسي ( من صميم مسرح التسييس) حيث فجّر من خلالها ونوس أسئلة السياسة والحكم (من هو صاحب السلطة الفعليّة؟) وهل يتحوّل الفعل السياسي من تدبير أمور النّاس ورعاية مصالحهم إلى تدبير المؤامرات؟ وهل دور الحاشية هو إذكاء الفتنة على نحو انتهازي أم النصح؟ ثمّ يتبدّى السؤال الأشدّ عمقا في كتابات سعد الله ونّوس المسرحيّة :ايّ دور للرعيّة في مسألة السياسة والحكم؟

    تدرّج خطاب الأمير عبد الله من إقرار مبدأ المناورة السياسيّة إلى تشريع حماية الخليفة وفي هذا المستوى يتداخل السياسيّ والدينيّ في إطار عمليّة توظيف الدين في الصراع السياسي على نحو يستهوي العامّة ويغيّب وعيهم بالمشكلات الحقيقيّة (تزييف الوعي..).

- كثيرا ما تنتهي المشاهد المسرحيّة في مغامرة رأس المملوك جابر بالعودة إلى فضاء المقهى عبر تعليقات الزبائن أو ردود أفعالهم وفي تلك العودة إشارة إلى اخيارات ونوس الفنيّة القائمة أساسا على استحضار تجربة المسرح الملحمي ( تشريك المتفرّج في عمليّة إنتاج العرض..).

- انغلق النصّ بوصل الركحين الخارجي والداخلي عبر خطاب الزبون (التعجّب) ويمثّل علامة انفعاليّة تجمع بين الحيرة والتساؤل وهو مزيج من الانفعال والتعقّل وفي مسرح التسييس تحريض على الفهم ودعوة إلى التساؤل وسعي إلى إرباك المتفرّج وتفجير طاقات الفعل والعقل فيه وهو مسرح يتجاوز مقاصد الإمتاع (الفرجة) إلى مقاصد تعليميّة توعويّة.

 

بناء النصّ:

كان النصّ مشهدا رسميّا (ديوان الخليفة)

- حضور شخصيّات ذات رمزيّة سياسيّة وتحديد عناصر الصّراع الدرامي (الخليفة والوزير).

- اكتسب الحوار بعدا حجاجيّا.

- حققت الإشارات الركحيّة وظائف تغريبيّة (القيام بأكثر من دور..والتماثل بين الفضاءات الركحيّة..)

المضامين:

- كشف النصّ عن علاقة الراعي بالحاشية ( علاقة تآمر وتحريض وفتنة)

- هذا النصّ ككلّ نصوص "مغامرة رأس المملوك جابر" مليئ بالرمز يشير إلى الواقع العربي بعيد الهزيمة (1967) وفي النصّ تتبدّد أوهام الحكاية وتنجلي حقائق الدلالة ليتطابق الماضي (التاريخ) مع الحاضر (الزمن) في شكل يصبح فيه التاريخ مرآة اعكس خلل الواقع وهزائمه وانكساراته وعالم الحكاية في المغامرة (المؤامرات والخيانات) هو نفسه عالم الواقع وكأنّ ذلك المسار التاريخيّ لم يتبدّل وكأنّ الحكاية تعيد نسخ ذاتها فبغداد زمن الخليفة العبّاسيّ في القرن السّابع للهجرة هي ذاتها بغداد اليوم .

ظلّ مشروع سعد الله ونوس الطامح إلى استنهاض الوعي الجماعي ودفع الجماهير إلى تغيير واقعها متردّدا بين الإمكان والخيبة وليست سلبيّة الزبائن في فضاء المقهى إلا تعبيرا رمزيّا عن سلبيّة الإنسان العربي العاجز عن التغيير.