الجمعة، 29 أبريل 2022

الرواية العربيّة: حدّث أبو هريرة قال.. الدرس الرابع: خصب الكثرة

 التمهيد:كان حديث الطين إرهاصا قدّم لملمح من ملامح التحوّل في مسيرة البطل الوجوديّة فقد استفاق فيها أبو هريرة في شدّة عزلته ووحدته على رؤيا "فرأيت في منامي رؤيا لم أر قطّ مثلها رأيت بلدا غريبا أهله حينا كالنمل وحينا كالفيلة وهم يعجنون طينا ويجعلونه حجرا على الحجر فيتّخذون صروحا.." وتمثّل هذه الرؤيا تشكيلا جماليّا لتجربة العمل والتي ستدفع أبا هرؤيرة لخوض مغامرة الجماعة ( تجربة الععد وتجربة العمل).

-نظام النصّ: قدّم المسعدي لتجربة الجماعة (العمل) بحديثين "حديث الكلب" و"حديث العدد" واتفق الرّاوي في الحديثين (كهلان) "وكان من صعاليك العرب وشداد لصوصها" وقد خصّ المسعدي تجربة الجماعة ببناء حدثيّ مخصوص فقد كانت النهاية ومآلات التجربة (الفشل) هي نواة البدء في خبر أبي هريرة ففي حديث الكلب تيه آخر وبحث عن موطن رحلة جديدة بعد أن تذوّق أبو هريرة مرارة الفشل مرّتين (تجربة الحسّ وتجربة الجماعة) فكان النصّ مراوحة فنيّة بين الإجمال والتفصيل والإلغاز والتفسير على نحو من نسج الحبكة وتعقيد المغامرة فقد أوقع الراوي بطل الرواية في متاهة الفعل مراوحة بين اتصاله بالجماعة وانكفائه عنهم (الفشل باعتباره أسلوبا روائيّا ورؤية وجوديّة).

- في مستوى بناء الأحداث: يقوم بناء الأحدث وترتيبها على جمع من الثنائيّات تشكّل في المغامرة عناصر الصّراع والصّراع في الرواية الذهنيّة عنصر فني أساسي في تشكيل شخصيّة البطل الوجودي وفي بناء المغامرة الوجوديّة حيث يتعلّق مبدأ الصراع بشخصيّة أبي هريرة من خلال تعدّد علاقاتها وتنوّع رغباتها وتناقض أفكارها ومعتقداتها واختلاف مساعيها فقد كانت شخصيّة أبي هريرة مزيجا من نقيض تغويه الرغبة فتدفعه إلى الفعل فإذا بلغه أو كاد انثنى عنه يطلب بعدا آخر من أبعاد الذات والوجود فإذا اقترب من تحقّقا أفناه كان دائم الرحلة كثير الترحال لا يستقرّ في أرض ولا يطمئنّ بمكان قلق مريد لا تقنعه صورته ولا تؤنسه فكلّما استوت حرّكتها حيرته وسؤاله فتغيّرت طلبا لمعنى آخر وتجربة جديدة وهذا دأب البطل الوجودي يرتاد المعنى والفعل فإذا بلغه أدرك زيفه وانجذب إلى وجه آخر من وجوه الوجود والحياة ..كانت الحقيقة ظالّته (غايته) فأضّلته وشرّدته في متاهات المعاني وتناقضات الكيان وفي تجربة الجماعة كانت الشخصيّات صورة للمجتمع الذي يصهر الفرد ويذيبه فيتخلّى عن كيانه المفرد ووحدانيّته المميّزة.

- الصّراع بين الشخصيّات: تكتسب الشخصيّات في رواية حدّث أبو هريرة قال..أبعاد ذهنيّة رمزيّة فهى علامات للمغامرة وعناوين للتجارب على اختلافها وتنوّعها وبذلك تكون الشخصيّات في الرواية وجوها مختلفة لذات أبي هريرة وهي أبعادة المتصارعة المتناقضة المتعدّدة فكأنّها المرايا المتعاكسة كلّما واجهتها ذات البطل إلا وكشفت بعدا خفيّا من أبعادها..كما تكتسب الشخصيّات في الرواية أبعادا فنيّة روائيّة تكون فيها الشخصيّات أدوات أسلوبيّة لتأكيد عنصر الصراع وتحقيق التوتّر السردي وخلق نواة سرديّة للعقدة ولذلك تختصّ الشخصيات في هذا الإطار بواقع روائي منفصل عن الشخصيّة الرئيسية فلكل شخصيّة في الرواية مغامرة تؤكّد حضورها بعيدا عن حضور بطل الرواية.

- للصراع في رواية حدّث أبو هريرة قال وجهان:صراع داخلي يمزّق الذات أشتاتا حين تدرك تردّدها بين العدم والوجود والخواء والامتلاء والحيرة والاطمئنان والجهد والسكون وصراع خارجيّ بين بطل المغامرة وبقية شخصيّات الرواية ويجسّد هذا الصراع البعد المأساوي في شخصيّة أبي هريرة ( مرض الرّحيل).

* ملامح الفشل في تجربة الجماعة: استعاد أبو هريرة صلته بالناس وأقبل عليهم إقبال النبيّ على قومه حاملا رسالة العمل " خرجت أريدهم على البناء وأن يتعاونوا ويطلبوا الشدّة والبأس.." ولقد غيّر أبو هريرة مجتمعه وألغى نزوع النّاس إلى الشرّ وأنشأ الحضارة فإذا هي كالجنّة يردها الناس لا يبتغون الآخرة." فدعوتهم إلى نخيل معاجيل كارعات وأنهار جارياتوأفنان وظلال وإطلاق حال وخيرات جذال.."غير أنّ طبع الإنسان لا يتغيّر ونوازعه لا تمحى وغريزته لا تفنى فصاروا إلى القتل كما كانوا وانتهى أبو هريرة يائسا من الناس كارها للجماعة " أيّها الملأ اسمعوا إنّي وجدتكم كالكلاب على جثّة عفنة.."

- التحم أبو هريرة بالجماعة ودفعهم إلى الفعل والخلق إلاّ أنّه اكتشف فيهم أسباب العلّة وزيف العمل وخوائه فإذا هم إلى العدم أقرب وأيقن منهم الخيبة والفشل ينتظرون أن يطعموا ويدعون إلى الفعل فلا يستجيببون " تكتفون بالصدقات وتنامون والنعمة لا تدوم بالعطاء..".

- مظاهر فشل أبي هريرة في تجربة الجماعة (العمل): للجماعة (العدد) في رؤية المسعدي الوجودية صورة سلبيّة استلهمها من الوقع التونسي زمن كتابة الرواية فالجماعة مثل للخضوع والاستسلام والتهاون لا يقدرون على شيء ولهذه الصورة خلفيّة فلسفيّة فكريّة مرتبطة بالفلسفة الوجودية الغربية فهي تمثيل لصورة القطيع (فلسفة القوّة) وهي صورة الجحيم (الآخر هو الجحيم) فلا يتحقّق كيان الإنسان في فلسفة المسعدي إلاّ حين يرتدّ إلى ذاته ويلغي الآخر فالجماعة عقبة أمام مسيرة الفرد وإرادة تأصيل الكيان ولم تكن رغبة التغيير التي قادته إلى النّاس إلاّ رغبة ميته قبل أن تخلق ذلك أنّ أبا هريرة حملهم على الفعل ولم يعلّمهم طرائقه وألقى لهم بالجنّة ولم يعلّمهم خلقها فكان فشله في تجربة الجماعة كفشل الأنبياء يأتون الناس الرّساتلة بلا وحي ولا كتاب.

- مرض الرّحيل أو استئنا المسير ومعاودة المغامرة: كلّما تيقّن أبو هريرة أنّ القرار وهم والاطمئنان زيف ووهن عاوده هاجس الرّحيل واستبدّ به سؤال المعنى ولذلك غادر القوم وانفضّ عن الجماعة وتاه في الصحراء يطلب الفكرة والحقيقة وأبو هريرة في الرواية صورة للبطل الوجودي يأبى البقاء فيستأنف المسير في إطار مغامرة لا تفنى وحركة لا تلين ولا تسكن هي مغامرة الذات تبحث عن كيانها أو عن حقيقتها أو عن معنى الوجود.

الرواية العربيّة: حدّث أبو هريرة قال.. الدرس الثالث: إنّي راحل عنك.

 

التمهيد: يمثّل "حديث الوضع" انعراجا في المغامرة الوجوديّة لأبي هريرة حيث انتهت تجربة الحسّ وأفضت إلى معاودة سؤال المعني وتبدّت في المغامرة نوازع الحيرة من جديد وذهب عنه الاطمئنان فقد جرّب الجسد فأدرك زيفه فليست اللذّة إلاّ بابا من أبواب الخداع وزيف يظنّه الإنسان حقّا فإذا جرّبه كان أوهى من الوهم وأهون من الظلّ لا يبقى ..استفاقة جديد يتجدّد فيها سؤال الوجود وتتجدّد فيها رحلة البحث عن المعنى فألقى ريحانة بعد حملها تخفّفا وتحرّرا من سطوة الجسد وسلطة الشهوة وكذلك دأب أبي هريرة في الرواية ما إن يطمئنّ إلى المعنى يدركه حتى يكتشف زيف ما بلغ فيعاوده ذلك السؤال وتدعوه سبل التجارب إلى ارتيادها على نحو من المغامرة الدائمة والمجاهدة الدائبة والرحلة المستمرّة التي لا ينقطع فيها الرّحيل ولا ينتهي فيها البحث إلى معنى ينقضي به سؤال الوجود وفي كلّ تجربة تظلّ الشخصيّات والأماكن والأزمنة والأحداث تحمل أثاره وتدلّ على مروره شواهد في النصّ والمغامرة كان أبو هريرة في الرواية بطلا يرتاد المكان ولا ينزله ويشرع في التجربة ولا يتمّها ويسلك السبيل ولا ينهيها وذلك دأبه وأمره يرى في الوجود نيّة فعل لا يرغب في انتهائها حتى لا تذهب بلذّة المحاولة " إنّك أذا أتممت الفعل فقد قتلته..".

الموضوع: انفصال أبي هريرة عن ريحانة والشروع في تجربة جديدة.

المقاطع: النصّ وحدة تامّة.

 

 

حديث الوضع:

 

 

 

 

 

 

 


 

أسباب الرّحيل:

"فلمّا تغيّر أبو هريرة ورأيته يتجمّع وأصبح مستحيلا عليّ واختلفنا.."

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نظام الزّمن في الرّواية:

- هو حديث يتلو حديث الحسّ حين اكتشف أبو هريرة خواء الجسد وفناء الشهوة وأدرك أنّه علّة الإنسان وداؤه وانتهى إلى حكمة الوجود "فلا تكون الحياة أبدع ممّا تكون بين العدم والكيان.." وقال أيضا " وددت من زمن بعيد لو أنّي علّقت بين السّماء والأرض أو أنّي حبست على قمّة الجبل وقد طلّقته الأرض فطار..".

أجمل هذا الحديث رؤية المسعدي الوجوديّة فلا يكون الوجود إلاّ تردّدا بين بعدين وسفرا بين كيانين فالحياة كون واستحالة ومأساة.

- يمثّل حديث الوضع مرحلة الانفصال عن ريحانة وذلك دأب أبي هريرة في تجاربه اتّصال يعمّق التجربة ويبلغ بها منتهى الفعل وأقصاه ثمّ سرعان ما يستحيل فشلا يؤوول إلى انفصال ولم تكن الشخصيّات في الرواية إلا وجها من وجوه أبي هريرة في تعدّده وتقلّبه وهي كذلك ملمح من ملامح أبعاده المتناقضة وكلّما فني بعد من الأبعاد فيه كلّما فنيت في الرواية شخصيّة أو مكان له اتصال بالتجربة ودلالاتها الوجودية ولذلك غيّب المسعدي ريحانة عن فضاء المغامرة فقد صارت عبئا لا يقدر أبو هريرة على تحمّله فأسقطه وإن كان على عسر منه ومشقّة" فلم يكن أشدّ من وضعي لريحانة وضعتها كما تضع الحامل المعسر".

- الاختلاف في التجربة الوجوديّة انفصال عن شروط الفعل أو علاماته وكانت ريحانة في المغامرة علامة من علامات التجربة الحسيّة والاختلاف كذلك فعل مساءلة للتجربة ورهاناتها ونهاياتها وقد لاح لأبي هريرة خواء تجربة الحسّ فاستفاق أبو هريرة على زيف المعنى وخواء الكيان واختار سبيل الرّحيل مجدّدا وعلى نحو من أساليب البيان كانت ريحانة لأبي هريرة بيتا يسكنه فملأ كيانه سكونا حتّى ضاق به " ما الرّالحل بك؟ قال: كره البيوت".كانت ريحانة ثباتا يشدّ أبا هريرة فيثنيه عن المسير وكانت قرارا أفنى في وجدانه فتنة الترحال وهاجس السؤال " فأدركت أنّه قد عاوده الجوس "

           تحوّلت ريحانة في مسيرتها مع أبي هريرة جنّة خصيبة وصورة للمتعة يلقاها أبو هريرة بلا جهد ولا طلب فافتقدت قيمتها الوجوديّة ولاحت أسرارها وتجلّى غموضها واستوعبت كثيرا من صفات المرأة في صورتها التراثيّة (الفتنة والمتعة) والاختلاف بين أبي هريرة وريحانة اختلاف في الرؤى الوجوديّة فقد أيقن أبو هريرة أنّ ريحانة إلى زوال وفناء فانقطع عنها لكي لا ينقطع رحيله أو يتعطّل مسيره ( المسيرة الوجودية ورحلة البحث عن معنى الوجود..).

           يكتسب الوجود قيمته ويحوز معناه في رؤية المسعدي الوجوديّة من استمرار الفعل لا انقطاعه وفضل الإنسان في جهده الدائب ومجاهدته الدائمة وهو جهد مستمرّ لا تعنيه النهايات ولا يمنعه الفشل "لقد كان التوق إلى الشمس دائم الخوف من طلوعها..".

يقول أبو هريرة في حديث الوضع" دعيني يا هاته فقد كدت أن تقطعي عنّي سبيلي.." " أو كلّما تمرّد شيطان في إنسان قامت له إمرأة نبيّة أو كلمّا قامت في قلب أعاصير جعلته النّساء خطوطا مستقيمة.."

+ لئن تخيّر المسعدي شكلا تراثيّا أنزله الرواية مثل الخبر أو الحديث فقد كانت رواية حدّث أبو هريرة قال..نصّا روائّيا حديثا يختلف عن الخبر القديم اختلافا بيّنا (عدّة مظاهر):

* الرواية فعل متخيّل رغم جهد المسعدي للإيهام بالواقعيّة شخصيّات روائيّة وأمكنة وأحداث أمّا الخبر ففعل محاكاة لواقع متحقّق.

* وحدة البطل: فقد كان أبو هريرة بطل الرواية ومحور المغامرة تنشدّ إليه الأحاديت وتتّصل به الأخبار وتحيط به الشخصيّات وهو في الرواية أصل ثابت تتعدّد ظلاله (الشخصيّات) وكان صوتا مفردا تتنوّعد أصداؤه وكان خيطا ناظما لكل الأحاديث على اختلافها وتنوّعها.

* الرّاوي المضمر أو الرّاوي الخفيّ: رغم عودة المسعدي إلى الأشكال التراثيّة القديمة (الخبر والحديث) فقد كان فعل الرواية متعلّقا براو خفيّ يخرج عن متن النصّ ويقع في هوامشه وهو ذلك الصوت الجامع ما بين فعل الحكاية (الكتابة) وفعل القراءة وهو حلقة أفناها المسعدي وألغى أثارها تمويها على القارئ وإيقاعا له في شرك القراءة عبر تداخل الأجناس وتعدّد الأصوات.

* كسر خطيّة الزمن الروائي عبر أسلوب الرجع والسّبق: فالأحاديث لم تتّبع خطّا زمنيّا متتابعا بل لقد خضعت في ترتيبها لنظام روائيّ أفقدها تتابعها كما في زمن المغامرة (الخطيّة الزمنيّة) فقد ورد في حديث المزح والجدّ ما يشير إلى معرفة ريحانة لأبي هريرة قبل حديث التعارف في الخمر وحديث القيامة كما استبق الراوي (السبق) كل المآلات وكشف معالم النهاية ( وهي يومئذ قد ضرب الشيب في رأسها..) أمّا نهايات الأحاديث فعلامة من علامات السبق (رحم الله أبا هريرة..) وهذا ضرب من كشف النهايات فإذا أبو هريرة في الرواية صورة عن حيّ هو أقدر ما يكون عن الفعل وصورة ةعن ميّت هو أعجز ما يكون عليه. بعدان من أبعاد الإنسان يتناظران في الرواية على نحو من صنيع الحبكة الروائيّة وخلق توتّر سردي يتجاوز رتابة البناء الخطّي للأحداث" فتظهر الحركة السرديّة المتحكّمة في نصّ "حدّث أبو هريرة قال.." وجه آخر من وجوه اتصاله بطبيعة النصوص الروائيّة إذ طوّر الراوي المضمر الأحداث بالنزوع إلى تفريعها وإثارة قضايا أساسية وقضايا ثانويّة موصولة بها ونسج حبكات متوازية حينا ومتشابكة أحيانا أخرى وتلك الخصيصة هي التي تمكّن الرواية من قطع مراحل حاسمة والتدرج بها حتى تبلغ النهاية المرصودة من دون أن تباغت القراء ويمكن لنا أن نثبت تحكّم ذلك العنصر الروائي في متن كتاب المسعدي بالإشارة إلى أطوار علاقات أبي هريرة بريحانة وظلمة وأبي رغال ورصد مظاهر اليأس بعد فشل كل تجربة من التجارب الوجوديّة .."

إنّ ترتيب الأحاديث قد دلّ على أنّ الراوي قد أعرض عن إخضاع الوحدات السرديّة لنظام زمنيّ تعاقبيّ حرصا منه على بثّ التوتّر في حركة السرد وضبط العوامل الفاعلة في مواقف الشخصيّات ( حديث المزح والجدّ ,حديث الحاجة ويعود فيه الراوي إلى طفولة أبي هريرة وصباه وهو الحديث رقم عشرة..)

* وجود شبكة من العلاقات بين الشخصيّات متداخلة ومترابطة وفق ثنائيّة الاتصال والانفصال وضمن تنوّع العلاقات بين الشخصيّات يتجلّى البرنامج السردي لشخصيّة البطل في مغامرته الوجوديّة.

 

 

 

الرواية العربيّة: حدّث أبو هريرة قال.. الدرس الثاني: وأكلنا الرّوح حسّا

 

التمهيد:كانت مسيرة أبي هريرة على امتداد المغامرة رحلة من خواء الكيان وفراغ الوجود إلى محاولة امتلائه وبلوغ اكتمال معناه غير أنّ التجربة كلّما استغرقها أبو هريرة كلّما أفناها وكلّما تراءى له اكتمالها كلّما أفضت إلى عدم جديد وعلى نحو من البناء الثلاثي كانت تجارب إبي هريرة معبّرة عن مغامرة الإنسان يتّبع المعنى علّه يدركه فإذا كاد يستوي يقينا استحال زيفا وفي التجربة مراحل ثلاث تعرّف ونيّة ثمّ إغراق في الفعل ثمّ انقطاع يجدّد من خلاله بطل المغامرة رحلة البحث عن المعنى في سفر لا يكاد ينتهي (الشروع في المغامرة-الاستغراق-الانقطاع) وتمثّل تجربة "الحسّ" (الجسد) أولى تجارب أبي هريرة بعد انبعاثه الأوّل واستفاقته الوجوديّة وفي هذه التجربة احتفاء بالجسد واحتفال بالشهوة على نحو وثنيّ أسطوري يعود بالنصّ إلى مغامرة الإنسان الأولى حيث يكتب الجسد قيمة الوجود ومعناه ضمن أفق جمالي فلسفي يؤكّد صلة المعنى الوجودي بالجسد.

الموضوع: مغامرة أبي هريرة مع ريحانة (التجربة الحسيّة).

المقاطع: ينقسم النصّ إلى قسمين (ثنائيّة النثر والشعر).

1- من بداية النصّ ------ البرق: النثر (السرد +الوصف).

2- بقيّة النصّ :الشعر البعد الاحتفالي بالجسد).

 

 

* تنزيل النصّ في مغامرة البطل الوجودي (التجربة الحسيّة)

 

 

 

ريحانة: الخصائص والصّفات

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


1- النّثر:

السّند" حدّث أبو المدائن وكان من خاصّة أبي هريرة قال.."

 

 

 

 

 


المكان "ضيعة أبي هريرة" وكانت بنجد لا تصلح لزرع..

 

الزمان: ليل "ظلام الليل.."

 

الشخصيّات:أشباح..نفر جلوس..ريحانة..أبو هريرة وصاحبه..

 

 

 

 

 

 

الحوار:

 

 

 

 


2- الشعر:

 

 

- يرد هذا النصّ بعد حديث البعث ثمّ حدجيث المزح والجدّ فحديث التعارف في الخمر وهي أحاديث خصّها الرّاوي لريحانة وعلاقتها بأبي هريرة وتمثّل ريحانة في الرواية قطبا من أقطاب التجربة الحسيّة ومحورا من محاور المغامرة فيها.

يدلّ الاسم (ريحانة) عمّا تستغرقه تجربة الحسّ من لذّة أو متعة وشهوة كما تشير إلى ذلك البعد الجمالي الحسي المادي ولقد تخيّر المسعدي في أغلب كتاباته أسلوبا من أساليب الترميز حيث تكتسب أسماء الأعلام مداليل هي من صميم التجربة (ريحانة في تجربة الحسّ وظلمة في تجربة الرّوح أو الإيمان).

- ريحانة هي آخر من تبقّى من أهلها حين أكلتهم النّار وهي من سبايا الأنمار سباها رجل يقال له لبيد وهي من قوم أساف ونائلة ولها منذ صباها ميل نحو التمرّد والخروج عن مألوف العادات والقطع مع قيم الجماعة وفي امتدادها الأسطوري الوثنيّ (أسطورة أساف ونائلة) تتحوّل إلى رمز للحبّ والمعصية أو الخطيئة بل إنّ الخطيئة تتحوّل عندها إلى شكل من أشكال الطقوس الوثنيّة فقد كانت تنزل مكانا وسطا بين مكّة والمدينة تطلب المتعة واللذّة (استحضار وثني لصورة الحجّ).

- كانت الشخصيّات في رواية حدّث أبو هريرة قال.. صورا مختلفة لحقيقة واحدة فريحانة ليست إلا وجها من وجوه أبي هريرة (تمثّل ريحانة البعد الحسّي في ذات أبي هريرة) فالشخصيّات رموز وأقنة لشخصيّة أبي هريرة المتعدّدة  المنشدّة إلى أقطاب متناقضة المعبّرة عن حقيقة الإنسان متعدّد الأبعاد.

- شخصيّة أبي هريرة في الرواية شخصيّة استقطابيّة تسوعب كلّ الشخصيّات وتصهرها في ذات واحدة هي ذات البطل في المغامرة.

- رغم ارتباط كلّ الشخصيّات في الرواية بشخصيّة البطل في المغامرة واتصال وجودها بوجوده فقد كان لها حضور في المغامرة يحقّق لها بعض الوجود والمعنى بعيدا عن الشخصيّة القطب (شخصيّة أبي هريرة).

 

- تعود بنية السّند والمتن في رواية "حدّث أبو هريرة قال.."بالنصّ إلى أشكال تراثيّة قديمة (الخبر والحديث..)والملاحظ في الرواية هو تنوّع الرواة بتعدّد الأحاديث واختلاف مواقعهم من القصّة ويمثّل هذا التنوّع والتعدّد آليّة فنيّة تخيّرها المسعدي في كتابة الرواية ليجعل منها نصّا تتعدّد أصواته ويحوّل الشخصيّة المحوريّة (شخصيّة البطل) إلى حضور روائيّ تختلف مواقعه فهو يحدّث عن نفسه على نحو من الشّهادة والاعتراف وأحيانا يحدّث عنه بقيّة الرواة خبرا متواترا منقولا فتنكشف من أبي هريرة أبعاد خفيّة فيكشف تعدّد الرواة في الرواية عن زوايا مظلمة خفيّة وأركان معتمة لا تكاد تبين من ذات البطل فكأنّ أبا هريرة صوت واحد تتعدّد أصديته وكأنّه الذات المفردة تتجاذبها الأبعاد إلى حدّ يغريها بالتلاشي.

         تمثّل آليّة تعدّد الأصوات (الرواة) شكلا من أشكال الاستخدام الروائي الحديث عبر تعّد وجهات النظر والزوايا واختلاف الموقع الروائي والتحوّل في نقطة التبئير( موقع الراوي).

- يستخدم المسعدي مقوّمات الرواية (الشخصيّات المكان والزمان والأحداث) استخداما مخصوصا وله في رواية حدّث أبو هريرة قال.. بعدان:

1- يعود بالرواية إلى منابت التراث فيتجاوز هذا الحضور شكل الكتابة (الخبر والحديث) ليتعلّق ببناء الشخصيّات من حيث الهويّة والصفات أو ببناء المكان حيث معالم البيئة العربية (الصحراء.المدينة مكة نجيد..)

2- تتحوّل العناصر الروائيّة (الشخصيّات والأمكنة والأزمنة والأحداث..) إلى عناصر رمزيّة توحي بالفكرة وتشير إلى مضمون التجربة وفي تجربة الحسّ (الجسد) كان المكان رافدا من روافد بناء الدلاة فالصحراء رمز الانعتاق والانطلاق والامتداد وأمّا الكهف فرمز لبدائيّة فطريّة وفعل إنسانيّ عفويّ يزيل تراكمات الحضارة ومكتسبات الثقافة ويعود بالفعل الإنساني إلى لحظة البدء حيث لذّة الخلق ومتعة الوجود.

       يتنزّل نصّ المسعدي " حدّث أبو هريرة قال.." ضمن الأدب الرمزي والذهني حيث يتجاوز الكاتب الدلالة المباشرة ويحمّلها بأبعاد رمزيّة ولقد مثّل الرمز في الرواية مسلكا فنيّا طريفا نزّلها في منازل الأدب الحديث "أنا ملتزم الرمز اجتهادا..".

+ الحوار في الرواية مسلك فنيّ يؤكّد الخصائص الروائيّة للأثر وهو أسلوب حمّله المسعدي بمعان فكريّة وفلسفيّة تتجاوز مجرّد الكشف عن بواطن الشخصيّات أو العلاقات بينها " يتحوّل الحوار في رواية حدّث أبو هريرة قال..إلى مطّرحات فكريّة تجلو البعد الوجودي وتكشف مذهب المسعدي ورؤيته الفنيّة..".

- في الحوار طرح لقضيّة فلسفيّة وجوديّة تتعلّق بتلك العلاقة بين الماهية والوجود فالوجود في الفلسفة الوجوديّة هو الذي يحدّد الماهية ويكتسب معناه حين تحقّقه فلا معنى للأشياء قبل وجودها ولا ماهيّة لها تخصّصها أو تحدّدها " لقد كان حينئذ كالألحان قبل الضرب.." وبذلك كانت التجربة في الرواية الوجوديّة مغامرة اكتساب المعنى أو اختباره " وليس أبدع من الأوتار تجسّ..".

         تكمن قيمة الوجود الإنساني في محاولة اكتساب المعنى عبر التجربة أو الفعل وليس الغاية في التجربة بلوغ الغاية وإنّما في اختبار الفعل.

- يتلو مقطع الشعر مشهدا احتفاليّا ("هتف مزمار همسا رقيقا ثمّ تعالى ..قامت إليه مزامير ودفوف وصوت مغنية..").

-حضور الشعر في حدّث أبو هريرة قال..:كانت كتابات المسعدي عصيّة على التصنيف أبيّة على التجنيس إذ كان المسعدي يدرك أنّ ثراء النصّ وطرافته تكمن في الاحتفاء بأكثر من نصّ فيكون نصّ المسعدي ذاكرة النصوص وجمّاعها وفي امتزاج الشعر بالنثر عود إلى خصائص الكتابة التراثيّة (النصّ الجامع..).

* البعد الروائيّ في امتزاج النثر بالشعر:

- إذكاء البعد الاحتفالي: إذ يمثّل الشعر عنصرا من عناصر احتفاليّة النصّ عبر الغناء والإيقاع وبذلك يؤكّد المسعدي ذلك الانصهار بين الشكل والدلالة ( يحوّل المسعدي الأسلوب إلى حامل من حوامل المعنى).

- تأكيد البعد الطقوسيّ الوثنيّ في إطار تجربة الحسّ ففي الشعر استحضار للأسطورة وبعث لها في متن النصّ على نحو من المناجاة أو التهجّد كفعل أصحاب الديانات القديمة ويمثّل الشعر علامة الاحتفال وأساف ونائلة في التراث الأسطوري العربي رمزان للحب والذنب والشهوة والخطيئة المقدّسة ومن خلالهما يعيد المسعدي بناء الأسطورة ويحوّلها من فعل مدنّس مذموم إلى فعل تعبّدي يحاكي المقدّس ضمن تجربة احتفالية تحتفي بالجسد وتتغنى بباللّذة والمتعة (مذهب اللذّة).

- شعريّة الرواية : سلك المسعدي في كتاباته مسالك فنيّة أوقعت الرواية في مواقع "الشعريّة" من خلال تمازج النصّين (النثر والشعر) المكوّنين للأدب العربي القديم فيمتدّ نصّ الرواية على كلّ أقطاب اللذّة الفنيّة كما تتشكّل الشعريّة الروائيّة في حدّث أبو هريرة قال..عبر عناصر فنيّة حديثة من خلال أسلوب الإيحاء والتكثيف والمز والاستعارة والتشبيه .." إذ هتف المزمار همسا رقيقا كأنّه الذكرى..".

 

 

 

الرّواية العربيّة ( حدّث أبو هريرة قال..) لمحمود المسعدي.

 

المحور الخامس : الرّواية العربيّة ( حدّث أبو هريرة قال..) لمحمود المسعدي.

الأهداف:

1- تبيّن الخصائص الفنيّة في الرّواية:

- بنية كامل الأثر.

- بنية الخير ( السند والمتن في كلّ حديث )

- الرّاوي: أنواعه ,وظائفه ,مواقعه.

- الشخصيّات: صفاتها, أصنافها , علاقاتها , أدوارها.

- بنية الأزمنة: السبق والرّجع.

- الحركات السرديّة: الوصف والسرد.

- الأبعاد الرّمزيّة للأماكن والأزمنة والشخصيّات والأحداث.

- مظاهر الأصالة والمعاصرة في الأثر : في اللغة . في بنية الحديث. في دعائم الحكاية ( الشخصيّات , الأحداث , المكان والزّمان ) في الشكل الفنّي.

يتمّ الاهتمام أيضا بــــ:

·        مسيرة البطل وتحليل أبعادها الرمزيّة والوجوديّة .

·        الرّوافد الثقافيّة التي أثّرت في النصّ وأغنته : الإسلام , المسيحية , الأسطورة.

2- يتمّ الاهتمام في استجلاء القضايا المعروضة بـــــ:

-       تجربة الحس ( الجسد ).

-       تجربة الجماعة ( العمل ).

-       تجربة الروح (الإيمان )

-       تجربة الحكمة ( العقل)

 

تمهيد عامّ:  أسئلة الوجود أسئلة الكتابة.

الوجودية تيار أدبي ومذهب فلسفي نشأ في الغرب ككل الاتجاهات الأدبّية المعاصرة التي عالجت أزمة الإنسان ومنزلته في الكون وأثارت أسئلة الوجود في عمق فلسفي لامسته متعة الأدب وتتزّل رواية محمود المسعدي   " "حدّث أبو هريرة قال ..." في إطار هذه التجربة الأدبيّة والفكريّة ..وهي ككل كتاباته تجربة طريفة لها بدعتها ولها فتنتها من حيث ارتياد الكاتب لمسالك في الكتابة لم يرتدها الأدب العربيّ من قبله ومن حيث تعامله مع اللغة والأجناس الأدبيّة تعاملا استوعب من خلاله المسعدي عسر التجربة الفنيّة وعسر الفكرة الفلسفيّة فكان ككل أثاره يكابد مشقّتين :

-       " وجود الرّواية" أو تأصيلها كجنس أدبيّ له خصائصه الفنيّة.

-       " رواية الوجود" باعتبارها مذهبا أدبيّا ساءل الإنسان وبحث في منزلته الوجوديّة .

ومحور الكتابة في الرواية الوجوديّة منشدّ إلى سؤال فلسفي ذي أفق غيبي يبحث عن هويّة الإنسان منذ خلقه وعن علاقته بوجوده والكون الذي أنزل فيه , هو سؤال القدرة والفعل والهويّة والكيان والموت والحياة والوجود والعدم والمصير والمسؤوليّة هو سؤال عن ذلك التردّد بين الإمكان والمستحيل والفعل والزيف والحقيقة والوهم والجوهر والعرض فكانت الوجوديّة تيّارا أدبيّا استوعب الحيرة وفكّر في الإنسان وبحث في الوجود عن سرّ الحياة ومعناها .

 

دعوة الدنيّا دعوة الكون: محمود المسعدي " حدّث أبو هريرة قال..."

 

التمهيد: استهلّ المسعدي نصوص روايته بإهداء وتمهيد وفاتحة وفي مقدّمة الكتاب إشارة إلى أنّ تجربة الكتابة في حدّ ذاتها تجربة وجوديّة تفتح الذات على آفاق الكون والإنسان وتحقّق ما عجز عنه من فعل وإرادة وخلود" هذا الكتاب كتبته منذ أحقاب حين كنت أروم أن أفتح لي مسلكا إلى كيان الإنسان" .

وفي التمهيد يخاطب المسعدي القارئ على نحو من وحي يطلب التنزيل أو رسالة تطلب الناس . وفي الفاتحة استحضر المسعدي بيتا الأبي العتاهية يختزل التجربة الوجوديّة في محنة الرّحيل وقسوة القرار.

طلبت المستقرّ بكلّ أرض .... فلم أر لي بأرض مستقرّ

لقد أوجد المسعدي فيما كتب من آثار نمطا في الكتابة عجيبا يأبى التصنيف ويندّ عن التجنيس ( إشكاليّة الجنس الأدبي في كتابات المسعدي ) ففي الأثر عودة إلى الخبر إلى حدّ يتوهّم فيه القارئ أنّه أمام مصنّف قديم ككتاب الأغاني أو ككتب الحديث وآثار السيرة .وهو أيضا نصّ روائيّ بما حمّله المسعدي من تقنيات الرّواية الحديثة وأساليبها وهو تأمّل فلسفي ومقالة وجوديّة وهو انفتاح على الشعر لغة وأسلوبا ورمزا وإيحاء .ونصّ المسعدي نصّ يبدع فرادته من التقاء النصوص وينسج وحدته من اجتماع الرّوافد وهو على نحو من استعارة عبارة الشاعر أدونيس " مفرد في صيغة الجمع " .

لقد أنزل المسعدي كلّ نصوصه المسألة الوجوديّة فكانت آثاره محمّلة بمضامين الوجود وأسئلة الكيان والبحث عن معنى الحياة في ركام الزيف والوهم ( كتاب السدّ أو مولد النسيان أو حدّث أبو هريرة قال ...)

لقد عبر أبو هريرة ككل أبطال المسعدي في كتاباته من أفق الطمأنينة والسّكينة إلى حيرة الوجود وقلقه ( القلق الوجودي وأزمة البحث عن معنى الوجود ). ويجسّد هذا النصّ ( حديث البعث ) مرحلة الاستفاقة الوجوديّة وهي مرحلة يعيد فيها الإنسان ترتيب علاقته مع الوجود وهو لحظة إعادة الخلق عبر القطيعة مع الماضي وتهيئة الذات للمغامرة.

الموضوع: انقطاع أبي هريرة عن عوالم الماضي والشروع في المغامرة.

المقاطع :( ثنائيّة السند والمتن ).

-       1- حدّث أبو هريرة قال.. : السّند

-       2 – يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أقسام:

-       1- ثمّ التفت إلى صديقي ............. لشغفا إلى ذلك: القصّة الإطار ( الدعوة والاستجابة ).

-       2- فقال ...............................بين الأموات: القصّة المضمنة ( الاستفاقة على الوجود ).

-       بقيّة النصّ: الفراق ثمّ البعث.

 

 

 

 

 

- التصدير :

" سنعلم يوم نبعث من بين الأموات"

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

السند

 

 

 

 


الرّواة:

 

 

 

 

المتن

-       الشخصيّات.

-       الصّديق

 


        - أبو هريرة :

 

 

 


 الزمن : الفجر

 

 

 

 المكان : الصحراء.

 

 

 

 

 

 

 الحوار :

 -أطرافه: ( أبو هريرة / الصّديق).

- موضوعه :موقف الصّديق من أمر الفتى والفتاة.

 

الملاحظ في حدّث أبو هريرة قال ... تصدير الأحاديث بأقوال لكتّاب غربيين أو فلاسفة او شعراء من العرب والمسلمين والتوقّف عند ظاهرة التصدير في كتاب " حدّث أبو هريرة قال...." يدعونا إلى النظر في جمع من الملاحظات:

- يمثّل التصدير نصّا له مراجعه الفكريّة وله مؤلّفه وله مضامينه فالتصدير شكل من أشكال التناصّ حيث يلتقي النصّ بالنصّ نصّ يكتبه المسعدي ونصّ يستعيره ولا تكون القراءة إلاّ مراوحة بين النصين.

- أشار الناقد التونسي توفيق بكّار إلى أنّ ظاهرة التصدير في كتابات المسعدي مظهر من مظاهر حوار الشرق بالغرب أي تلك الثنائيّة التي أنزلها المسعدي في كتاباته , تجذير النصّ في بيئة أدبيّة عربيّة تراثيّة وتنزيله في فضاء روائيّ معاصر ( ثنائيّة الأصالة والمعاصرة ).

- علاقة التصدير بالنصّ : علاقة احتوائيّة إيحائيّة فالتصدير يختزل النصّ ويعتصره اعتصارا ومن عباراته تتشكّل الفكرة أو المضمون فيتحوّل التصدير إلى نواة الحدث أو الفعل أو الفكرة ولا شكّ أنّ التصدير الذي صدّر به المسعدي الحديث وهو للشاعر والمسرحي النرويجي"إبسان" يحقق في النصّ ثلاثة محاور:

* محور المعرفة ( سنعلم ) بما يؤكّد أن التجربة الوجوديّة إعادة اكتشاف الوجود وأنّ البعث هو إعادة خلق على نحو من تصحيح معرفة الذات للكون وأمّا الأموات فإشارة إلى ما كان عليه أبو هريرة في سكينته وخضوعه واطمئنانه فتكون الرحلة أي رحلة أبي هريرة في الحديث الأول بعثا وتجدّدا واستعادة للحياة فهي الخلق الآخر والولادة الثانية بعد الاستفاقة من واقع الموت الذي كان يحياه.

 

السند " حدّث أبو هريرة قال ..." يعود النصّ في بنيته العامّة إلى بنية الخبر أو الحديث كما ترسّخت في التراث العربي القديم وهذا الملح الأساسي الذي يؤكّد تجذّر النصّ في بيئة تراثيّة كثيرا ما تستهوي المسعدي وتغريه بالكتابة في قوالبها وأشكالها الأسلوبيّة . والسّند في النصّ الأوّل شخصيّة تراثيّة (أبو هريرة ) يستعيدها المسعدي من كتب السيرة ومصنّفات الحديث ثمّ يحييها في نصّ روائيّ بل ويحمّلها رسالة الوجود وتجاربه فأبو هريرة بطل الرّواية وبطل الرحلة الوجوديّة يمتدّ في نصّ المسعدي من عصره إلى حدود البعثة المحمديّة فإذا هما شخصيّتان لتراث واحد ألهم المسعدي في كلّ كتاباته.

- الراوي في حدّث أبو هريرة قال ... متنوّع الحضور ومتعدّد المواقع فهو أحيانا شخصيّة يحتويها النصّ ( أبو هريرة .ريحانة ) وهو أحيانا شخصيّة تلقي بالخبر من خارج الحكاية وبهذا الآليّة الأسلوبيّة ( تعدّد الرواة واختلاف المواقع ) تمكّن المسعدي من تجاوز الخبر القديم وتحوّل فعل الرّواية إلى أصوات متداخلة وأصدية متجاوبة تحيط بشخصيّة أبي هريرة فتحدّث عنه وتخبر عن حاله وبالتالي تمكّن المسعدي عبر تعدّد الرّواة من تعدّد وجهات النظر فأحيانا يروي أبو هريرة تجاربه وأحيانا يستحيل خبرا مرويّا فهو في الرواية شخصيّة ثابتة تتعدّد صورها بتعدّد فعل الرواية ( الرواة ) فتمكّن المسعدي من إضاءة الشخصيّة على نحو يمكّن من تجميع كلّ عناصر اللوحة التي شتّتها الأحاديث فشخصيّة أبي هريرة شخصيّة نامية نموّ النصّ متحرّكة تحرّك الحكاية فما إن يغيب عنك صوته حتى يستعيده صدى الرّواية ( الحواريّة في الرواية وتعدّد الأصوات ).

-       حقّقت شخصيّة الصّديق في الحديث الأوّل دور الدافع أو الحافز إذ مثّلت دعوته " أحبّ أن أصرفك عن الدنيا عامّة يوم من أيّامك فهل لك في ذلك؟" وتتحقّق الدعوة عبر محور دلاليّ يحيط بعبارة الانصراف التي تستوعب معاني الرّحلة أو الرّحيل في أحاديث الرّواية ففي الانصراف انقطاع وقطيعة وكلّها معان متشابكة ترسم بوادر رحلة أبي هريرة ومغامرته الوجوديّة .

-       هو شخصيّة محوريّة في الرّوية وهو ذلك البطل الوجودي الذي خاض طيلة الرواية مغامرة الوجود ورحلة البحث عن المعنى فكانت له في الحديث الأوّل صورتان : صورة تأخذ في الامّحاء وصورة تسرع في الثبات والاستقرار داخل متن الأحاديث . والصورة الأولى ترسم سيرة أبي هريرة الأولى قبل أن يرحل عنها ( شخصيّة هي نموذج لكلّ أهل مكّة في اطمئنانها وسكونها وخضوعها وعبادتها لقد كان أبو هريرة صورة لكلّ أهل مكّة يحيا حياتهم وما يعلم من سرّ الحياة إلاّ ما علموا من عبادة تقضى وأمر يتّبع إلى أن كانت دعوة الصّديق ذات فجر وفي الصحراء ).

-       تعامل المسعدي مع جميع مقوّمات الرّواية ( الشخصيّات, المكان , الزّمان, الأحداث ) تعاملا إيحائيّا رمزيّا يكثّف من خلاله المعاني الحافّة فالفجر لم يكن مجرّد زمن للمغامرة بل لقد حمّله المسعدي بمعان ثانويّة رمزيّة فهو زمن الانبعاث والتجدّد وهو زمن الولادة والحياة وهو زمن الاستفاقة الوجوديّة يزيح ظلمة النفس ويطرق أبواب الوجود التي لم تطرق فيكشف عن غوامضه وأسراره وهو زمن بكر يختطّ من خلاله أبو هريرة مسار الرحلة ومسيرة التجربة.

الصحراء فضاء روائيّا: كانت بديلا لمكّة التي كانت في نصّ الرواية فضاء ضيّقا معبّرا عن انغلاق تجربة الذات وانشدادها إلى أواسر العادة أمّا الصحراء فلها معالم الامتداد والاتساع واللاتناهي والغموض والرحلة الدائمة والتيه ( إنّ للصحراء بعدا ساميا ينعتق معه الإنسان من كلّ الروابط والقيود والموانع ويتحرّر من الحدود ويشعر بالامتداد والرّحابة والانطلاق والأبد والخلود ).

للشخصيّات والأحداث والمكان والزّمان دلالتان :

-       العودة بنصّ الرّواية إلى مناهل التراث وروافده فالشخصيّات مغرقة في بعدها التراثي إسما أو سلوكا وكذلك المكان فهو عربيّ يعود بنا إلى عالم البادية والصحراء ( مكّة ) .

-       البعد الإيحائي الرمزي للفضاء المكاني والزماني وكذلك الشخصيّات والأحداث في رواية " حدّث أبو هريرة قال ..." .

- يؤسس الحوار بين أبي هريرة والصّديق مفارقة في الوعي بالأشياء والوجود أو في إدراك مدلولاتها إذ كان بكاء الصّديق تعبيرا عن وعي حادّ بتلك المفارقة بين معنى الحياة والموت إذ يمثّل بكاؤه استفاقة على روعة الحياة وفتنتها أو متعة الوجود ولذّته غير أنّ أبا هريرة لم يدرك ذلك التناقض بين حالين ما يحياه بين أهله في مكّة وما يراه في الصحراء الممتدّة ولم يدرك ما بينهما من بعد والمسافة بين الحالين هي مسافة وعي وإعادة اكتشاف للوجود ستتحوّل في المغامرة إلى تجارب.