الجمعة، 29 أبريل 2022

المسرحيّة: مغامرة رأس المملوك جابر لسعد الله ونوّس. النصّ الثاني: سرّ الأمان

 

التمهيد: مثّلت "مغامرة رأس المملوك جابر" مغامرة مسرحيّة عبّرت عن تجربة فنيّة لامست الشكل المسرحيّ ومضامينه وكانت استلهاما فنيّا لخصائص المسرح الملحمي واستحضارا جماليّا للتراث العربي شكلا حكائيّا ومادّة تاريخيّة وفي هذه التجربة (تجربة مسرح التسييس) ميّز سعد الله ونوّس بين المسرح السياسي ومسرح التسييس إذ كان المسرح السياسي تزييفا للوعي وتغييبا للجمهور أما مسرح التسييس فيقوم أساسا على تشريك الجمهور وتوريطه في العمل المسرحي في إطار رؤية فنيّة تلغي حياد المتلقي وتقحمه في صميم الفعل السياسي وهو بذلك دعوة إلى التفكير والتغيير ولئن أكّد سعد الله ونوّس في أعماله المسرحية التي كوّنت تجربة مسرح التسييس على ضرورة تشريك الجمهور وإيقاظ الذهنيّة النقديّة لديه فإنّ صورة "الرعيّة" كانت معبّرة عن صورة المجتمع العربي المأزوم والمهزوم والفاقد لإرادة التحرّر أو التغيير.

الموضوع: تصوير الواقع السياسي والاجتماعي في بغداد زمن الخليفة المنتصر بالله

المقاطع: ينقسم النصّ إلى ثلاثة مقاطع (الشخصيّات).

1- من البداية ---------- الأمان: الحكواتي

2- عندما:------------ س 40: أهل بغداد.

3- البقيذة: الزبائن.

 

الخصائص الفنيّة

المضامين

 الشخصيّات:

1- الحكواتي

خصائص الحكي (السرد)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

2- أهل بغداد

 

 

 

 

 

 

 

 

العلاقات بين الشخصيّات

 

 

3- الزبائن

 

 

 

 

 

 

الخطاب المسرحي:

1- الحوار.

 

 

 

 

 

 

 


2- الإشارات الركحيّة:

 

 

 

 

التأليف:

 

 

 

 

 

هي شخصيّة تراثيّة استلهمها ونوّس من فضاءات التراث المشرقي غير أنّها تمثّل خيارا جماليّا (فنيّا) مناسبا لاتجاهات المسرح الملحمي من خلال ذلك الجمع بين المحيّ (السرد) والمرئيّ (الفعل).

كان الحكي مستجيبا لكثير من خصائص السرد القديم من حيث نسبة فعل الرواية إلى راو مضمّن في الحكاية "قال الراوي" على نحو يستجيب لثنائيّة السند والمتن في الخبر القديم كما أنّ تعيين الزّمان ( قديم الزمان وسالف العصر والأوان..) يوحي بملمح الحكاية التراثيّة ( حكايات ألف ليلة وليلة) غير أنّ هذا التعميم سرعان ما يرتدّ إلى بعده التاريخيّ مكانا وشخصيّات وأحداثا (بغداد ,الخليفة المنتصر بالله, وزيره محمد العبدلي, زمن الاضطرابات السياسيّة..) ويمكن أن نستنتج جمعا من الملاحظات:

-       تمثّل شخصيّة الحكواتي شخصيّة واصلة بين مكانين وزمانين أي بين المقهى فضاء للعرض وبغداد فضاء للحكاية وبين زمن الحاضر وزمن الماضي.

-       إنّ هذا التناوب والمراوحة بين فعل الحكي وفعل العرض (المحكي والمرئي) أسلوب فنيّ اختاره سعد الله قصد كسر الإيهام واستعادة وعي المتلقي وتعطيل التفاعل الوجداني وتحقيق التفاعل العقلي .

-       إنّ فعل الحكي (السرد) يبقي على مساحة فاصلة بين المتلقي وأحداث الحكاية وهنا يغيب دور المحاكاة وينتهي فعل الإيهام على عكس ما يقوم عليه المسرح القديم..

-       قامت مسرحيّة مغامرة رأس المملوك جابر على بنية ثنائيّة من حيث الشخصيّات والمكان والزمان وهو ما يمكّن سعد الله ونوّس من تحقيق أسلوب التناوب والتداخل ولئن كان هذا التداخل أسلوبا فنيّا من أساليب مسرح التسييس (المسرح الملحمي) فإنّه (التداخل) كان محمّلا بمضامين سياسيّة واجتماعيّة تقوم على بنية التماثل بين المكانين والزمانين فالتاريخ انعكاس للحاضر وما تميّز به زمن الخليفة في بغداد من فتن سياسية واضطرابات اجتماعية يتميّز به حاضر العرب .

-       كانت شخصيّات متنوّعة على قلّة عددها (5 ممثلين /3 رجال وإمرأتان)

ويمكن أن نستفيد بعض الملاحظات في دراسة الشخصيّات:

-       المراوحة بين الشخصية الجماعيّة والشخصيّة الفرديّة والمراوحة بين الرجال والنساء.

-       غياب الهويّات الخاصّة والإشارة إلى الممثّلين على أنّهم مجموعة أرقام (رجل1/..).

-       إنّ تحويل الشخصيّة المسرحيّة إلى مجرّد ممثّل يؤدي دورا أمام الجمهور سرعان ما يتخلّى عنه هو شكل من أشكال التغريب وتقنية من تقنيات كسر الإيهام فالممثّل لا يتقمّص الدور على نحو من المحاكاة التامّة وإنّما هو شخصيّة تمثّل وتدرك أنّها تمثّل (خلق مسافة فاصلة بين الممثّل والدور هو أحد أشكال التغريب..)

هي علاقة محكومة بالتواصل المكاني (أهل بغداد ) والزماني (الإطار التاريخي للأحداث) وهو تواصل معبّر عن صورة نمطيّة (نموذج) لمجتمع يتّفق في بنيته الفكريّة وواقعه الاجتماعي .

-       يمثّل حضور الزبائن عودة إلى فضاء المقهى والحاضر ولئن كان الحضور تعليقا فإنّه يؤكّد أمرين:

-       تشريك الجمهور في صياغة المسرحيّة وصناعة العرض وهو مبدأ من مبادئ المسرح الملحمي .

-       كسر الإيهام عبر قطع العرض والعودة إلى الحكي أو التعليق .

-       تأكيد عناصر التماثل بيا الواقع التاريخي (واقع أهل بغداد) والواقع الراهن الذي يعانيه الزبائن (ثنائية الزمن والتاريخ).

 

- كان مجموعة من المخاطبات وكان حوارا متعدّدا اتّخذ نسقا تصاعديّا من التعبير عن الواقع إلى الشعور بالأزمة ومعاناتها ولقد مكّن تنوّع الشخصيّات وتداخل مخاطباتها وردودها من التعبير عن موقف جماعيّ ( وطأة الأزمة السياسيو وأثارها الاجتماعيّة).

كما كان الحوار في بنيته الأسلوبية والتركيبية مزيجا جامعا بين الجملة التقريرية والإنشائيّة ويمثّل الإنشاء الأسلوب الغالب على القسم الأخير منه (الجمل الاستفهامية..)

وبذلك يكتسب الحوار وظيفة الاستبطان أي التعبير عن العوالم النفسية للشخصيّات ويحدّد العناصر الأساسية للبناء الدرامي (الفعل المسرحي) عبر الدفع بالحكاية التاريخية في بنية ثنائية تشكّل العناصر الأولى للصراع السياسي والاجتماعي (ثنائيّة الخوف والجوع والقمع والطاعة..)

      يكشف الحوار علاقة الراعي بالرعيّة وهي علاقة محكومة بمشاعر الخوف والطاعة والقمع فالراعي (السلطة السياسيّة) أداة استبدا وقمع وأمّا الرعيّة (الشعب) فصورة للاستسلام والخضوع.

-وردت الإشارات الركحيّة في موضعين في هذا النصّ:

* تحويل الخطاب السردي إلى خطاب مسرحي أو تحويل الحكاية إلى عرض (الانتقال من المحكي إلى المرئيّ).

* استعادة الحكواتي لعمليّة الحكي (السرد) والعودة إلى فضاء المقهى وزمن الحاضر وبذلك تكتسب الإشارات الركحيّة وظيفة إخراجية توكّد أسلوب التناوب بين السرد والعرض وهذا التناوب أسلوب أصيل من أساليب المسرح الملحمي وتقنية من تقنيات التغريب.

البناء الفنّيّ:

- التناوب بين المحكيّ والمرئيّ عبر المراوحة بين فعل الحكي والعرض.

- التداخل بين فضاء المقهى وفضاء التاريخ (مسرح داخل المسرح).

- التداخل بين مساحة الجمهور ومساحة العرض.

- تعدّد تقنيات التغريب في هذا النصّ وتنوّع أساليب كسر الإيهام.

البناء الدلالي:

- يطرح هذا النصّ المسألة السياسية وعلاقتها بالمسألة الاجتماعيّة ضمن منظور فني يميّز بين المسرح السياسي بما هو فضاء للتزيف والخداع ومسرح التسييس باعتباره تجربة مسرحيّة تقوم أساسا على تصوّر جديد لدور الجمهور أو المتلّقي الذي تجاوز الحياد السلبي ليكون شريكا في صياغة المسرحية وصناعة العرض والجمهور في فضاء التاريخ لا يختلف عن الجمهور في فضاء الواقع من حيث الخصائص النفسيّة أو المعالم الاجتماعية فهور جمهور محبط ومأزوم في عصر غلبت عليه الفتن السياسية والموامرات والخيانات وغلبت عليه مشاعر الخوف والجوع والقمع..

إنّ كشف الواقع بما هو واقع مأزوم يشكّل بداية ضرورية للوعي باعتباره مقصدا من مقاصد الكتابة في مسرح التسييس فالمسرحيّة لا تكمن قيمتها في ذلك البعد الجمالي الممتع (الفرجة) وإنّما تكمن قيمتها في تحريض الجمهور على التغيير ودعوته إلى فهم عيوب الواقع واكتشافها.        

الخميس، 28 أبريل 2022

المسرحيّة: مغامرة رأس المملوك جابر لسعد الله ونوّس. النصّ الأوّل: في انتظار العمّ مؤنس.

 

المسرحيّة: مغامرة رأس المملوك جابر لسعد الله ونوّس.

النصّ الأوّل:                                                  في انتظار العمّ مؤنس.

التمهيد:

حمّل سعد الله ونوّس مسرحيّة رأس المملوك جابر بأشكال جديدة تتجاوز الرؤية المسرحيّة القديمة من حيث الأبعاد الفنيّة والطرح الفكريّ وتتنزّل هذه التجربة في إطار المسرح التجريبي ( التجريب أو البحث عن أشكال فنيّة جديدة تستوعب القديم وتتجاوزه في آن لتعبّر عن الاستجابة الفنيّة أو الفكريّة لتغيّرات الواقع وتحوّلاته فكلّ تحوّل اجتماعي أو سياسي أو ثقافي يقتضي من المبدع إعادة صياغة التجربة الفنيّة فلا يمكن التعبير عن واقع متغيّر بأساليب فنيّة تقليديّة فالمسرح التجريبي هو رحلة بحث دائمة عن أشكال فنيّة متغيّرة تغيّر الواقع ) وفي إطار هذه التجربة ظهر مشروع سعد الله ونوّس المسرحيّ عملا فنيّا وكتابة نقديّة من خلال تجربة "مسرح التسييس" ولئن استلهم المسرحيّ سعد الله ونوّس كثيرا من تقنيات المسرح الملحمي ورؤاه فإنّه استحضر كذلك أشكالا تراثيّة استمدّها من المروث التاريخي والشعبي ومن ذلك شخصيّة الحكواتي وأحداث المغامرة التاريخيّة في مسرحيّة "مغامرة رأس المملوك جابر" ويمثّل هذا النصّ مدخلا استهلاليّا لا يؤطّر الحكاية فقط وإنّما يشير إلى ذلك التداخل بين الفضائين :فضاء العرض وفضاء الجمهور وبذلك تتحوّل المسرحيّة إلى حكايتين حكاية أولى ( فضاء المقهى والزبائن) وحكاية ثانية تعود إلى التاريخ وأحداثه ومن خلال عمليّة التناوب تمكّن سعد الله ونوّس من تشريك المتفرّج وإذالة تلك الحدود الفاصلة بين المساحتين على نحو من المساهمة الفعلية والعقليّة.

الموضوع: انتظار الزبائن لقدوم الحكواتي "العم مؤنس".

المقاطع: ينقسم النصّ إلى مقطعين (ثنائيّة الغياب والحضور).

1-   من بداية النصّ                   س 46: الغياب.

2-   بقيّة النصّ : الحضور.

 

الأساليب

المضامين

1- المقهى فضاء مسرحيّا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الزّمان الركحي: الليل.

 

البناء الدرامي للشخصيّات:

* الزّبائن:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أبو إبراهيم:

 

 

الخادم:

 

الحكواتي:

 

 

 

 

 

 

عبارة "العمّ مونس"

 

 

العلاقات بين الشخصيّات:

أ- الزبائن


ب- الزبائن /أبو إبراهيم:

 

ج- الزبائن/ الحكواتي:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخطاب المسرحي:

 

الحوار:

أ- أصنافه.

 

ب- لغته

 

ج- سجلاّت الحوار:

 

 

 

 

 


الإشارات الركحيّة:

أ- موقعها.

 

 

ب- وظائف الإشارات الركحيّة:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التأليف:

الملامح الفنيّة لمسرح التسييس

 

 

 

 

 

 

 

 

 

- المكان في النصّ المسرحي مكانان :مكان ركحيّ (هنا) ويشير إلى مكان العرض المسرحيّ ومكان درامي حكائيّ تختلف إحالاته المرجعيّة والزمانيّة ..وفي التقاليد المسرحيّة الغربيّة منذ المسرح الإغريقي إلى حدود تجربة المسرح الملحمي كان الفضاء الركحيّ مكانا معلوما له هندسته ونظامه وهو بذلك فضاء رسميّ (المسرح) وفي المسرح الملحمي أضحى المكان جزءا من تقنيات التغريب فهو فضاء متحرّك ومتغيّر وشعبي ويمثّل فضاء المقهى في مسرحيّة "مغامرة رأس المملوك جابر" اختيارا فنيّا مناسبا لرؤية سعد الله ونّوس الفنيّة والفكريّة "يمكن تقديم هذه المسرحيّة في أي مكان وفي أي مساحة أنا أضعها الآن في مقهى ولكن يمكن تقديمها في أي مكان ..".

- يحقّق اختيار المقهى فضاء مسرحيّا بعدين:

* كسر الحاجز بين المتفرّج والعرض لما في هذا الفضاء المكاني من تداخل وفوضى .

* يمثّل فضاء المقهى فضاء اجتماعيّا عامّا خارجا عن حضور المؤسسة الرسميّة (الدولة) باعتباره مؤسسة إشراف وتسيير ومراقبة كما يمثّل ملتقى لفئات اجتماعيّة مهمّشة وكادحة ومسحوقة ويمثّل هذا الفضاء المكانيّ انفتاحا على المجتمع وطبقاته العامّة والبسيطة كما يعبذر هذا الفضاء عن رؤية إيديولوجيّة وفكريّة تجسّدت في أعمال سعد الله ونّوس بعيد هزيمة 1967 حيث تغيّرت طبيعة المتلقّي من "المثقّف" أو " السياسيّ" إلى " الشعب" بكلّ فئاته البسيطة (يجمع مسرح التسييس بين المتعة كرؤية جمالية "الفرجة" وبين تعميق الوعي كرؤية إيديولوجيّة).

 

- هو زمن المسامرة في التراث الشعبي حيث يتحرّر الناس في أثقال واقعهم المعيشي ويخفون آمالهم وأحلامهم بين أستار الليل وستائر الرّكح .

 

- كانت شخصيّات الزبائن غائمة غير محدّدة الملامح والهويّات ولم تحضر في النصّ المسرحيّ أسماء أعلام وإنّما حضرت أرقاما وفي التنكير والترقيم تعميم يلغي السّمات المميّزة ويدفع بهذ التنوّع والكثرة ( خمسة زبائن) إلى بؤرة الشخصيّة الجماعيّة ويمكن أن نستفيد من هذا الاختيار الفني بعض الملاحظات:

* إنّ تنكير الشخصيّات وتغييب الهويّات يجعل منها أنموذجا إنسانيّا يمكن ملؤه بما يناسبه حسب تغيّر المكان أو الزّمان أو الطّبيعة الاجتماعيّة للمتفرّج وهذا ينسجم فنيّا مع تصوّر " المسرح الحيّ" الذي تتغيّر شروط عرضه حسب تغيّر بنية المكان والطبيعة الاجتماعيّة والفكريّة والثقافيّة للجمهور.

* حمّل سعد الله ونّوس شخصيّات المقهى (الزبائن) بأبعاد اجتماعيّة فالهويّة الأساسيّة غائبة والحاضر الأقوى هو الهويّة الاجتماعيّة (روّاد مقهى شعبي من فئات اجتماعيّة مهمّشة) وتتأكّد الهويّة الاجتماعيّة من خلال حوار الشخصيّات الذي عبّر عن معاناة الوقت وهموم الواقع والإحباط (والله نعيش لقلّة الموت..ومن منّا خال من الهمّ؟)

            تتشكّل العلاقة بين المكان (المقهى) والشخصيّات (الزبائن) من خلال الرغبة في الهروب من أزمات الواقع وهمومه ومعاناته..

- هو شخصيّة محكيّة على عكس بقيّة الشخصيّات (شخصيّة غائبة) غير أن استحضارها في ذلك المقام يحدّ من فاعليّة الفضاء المكاني المغلق ويلقي بالمشغل الاجتماعي خارج فضاء المقهى فالمقهى رغم انغلاقه هو امتداد لكلّ فضاءات الواقع المأزوم.

- هو شخصيّة متحرّكة في الفضاء المكاني وهو عنصر الترابط بين الزبائن من جهة والفضاء الركحي من جهة أخرى .

- كانت شخصيّة الحكواتي الأكثر تدقيقا وتخصيصا في مستوى بيان الصورة الجسديّة والنفسيّة ( رجل تجاوز الخمسين..ملامحه ممحوّة..عيناه جامدتا النظرة..) وانتقال الرّاوي من التنكير إلى التخصيص يؤكّد ميزة هذه الشخصيّة التي شكّلت في المسرحيّة تقنية من تقنيات الكتابة في المسرح الملحمي إذ تمثّل شخصيّة الحكواني شكلا فنيّا استلهمه سعد الله ونّوس من التراث الشرقيّ وهو شخصيّة واصلة جامعة بين فضاء المقهى وعوالمه وفضاء الحكاية وأحداثها .

- تجسّد شخصيّة الحكواتي الرّافد التاريخي الذي استوحى منه سعد الله ونّوس حكاياته وشخصيّاته كما تجسّد شخصيّة المثقّف الذي يعلّم الجمهور ويمتعه ويدفعه إلى تأمّل مصيره عبر تأمّل أحداث الحكاية أمّا ذلك الكتاب فرمز للتاريخ وأمّا صفة الحياد البارد فيمثّل مظهرا من مظاهر تعامل المثقّف مع التاريخ والتراث وهو تعامل موضوعي وعقلي يتجاوز ذلك التعامل الوجداني والانفعالي (الزبائن).

- تشير هذه العبارة " العمّ مونس" إلى مرجعيّتها الشعبيّة والاجتماعيّة (عبارة احترام وتوقير) أمّا عبارة "مونس" فدليل أنس وإمتاع (الإمتاع والمؤانسة) وبذلك يتحدّد فضاء المقهى باعتباره فضاء للألفة بين روّاده .

رغم التعدّد فإنّ شخصيّات الزبائن محكومة بعلاقات التواصل ( تواصل في المكان "المقهى" وتواصل في المشغل الاجتماعي " الشعور بالمعاناة" وتواصل في المشاعر " الانتظار")

-رغم ثنائيّة الغياب والحضور ظلّت العلاقة معبّرة عن تواصل وجداني محكوم بالتماثل الاجتماعي حيث جسّدت هذه الشخصية انفتاح فضاء المقهى ( فضاء مغلق) على فضاء الواقع (فضاء مفتوح)..

- تظلّ العلاقة بين الزبائن وشخصيّة الحكواتي محكومة بمظهرين :

* علاقة تواصل: يعبّر حضور الحكواتي في فضاء المقهى عن تواصل ظاهر محكوم برغبة الزبائن في الاستمتاع بحكاياته والهروب من جحيم الواقع وأزماته إلى نعيم الحكايا وإمتاعها فالحكواتي يشكّل ملاذا " نفسيّا" لشخصيّات مأزومة ومألومة.

* علاقة انفصال غير ظاهر: حيث امتنع الحكواتي عن تحقيق رغبة الزبائن في الاستماع لحكاية الظاهر بيبرس (خيبة الانتظار).

      ترمز خصيّة الحكواتي في مسرحيّة سعد الله ونّوس " مغامرة رأس المملوك جابر" للمثقّف (المعرفة) أمّا صفة الحياد البارد التي بالغ الرّاوي في تأكيدها فتعبّر عن رؤية سعد الله ونّوس للمثقف في علاقته بمسائل التراث والتاريخ من ناحية ومطالب الشعب والناس (الجمهور) من ناحية أخرى وقد حاول المسرحيّ سعد الله ونّوس القطع من صورة المثقّف " المزيّف" الذي يستجيب لرغبات النّاس عبر خداهم أو تزييف وعيهم (مثقّف الهزيمة) ولذلك كان إصرار الحكواتي (المثقّف) على تأجيل حكايات الانتصارات (الظاهر بيبرس) وسرد حكايات الهزائم والخيانات والمؤامرات إثارة لانتباه الجهور وإيقاظا مؤلما لوعيهم ودفعا لهو للتفكير في مشكلات الواقع المأزوم والمهزوم ومحاولة تغييره..فزمن النصر لم تتحقّق شروطه أو قواعده أو جمهوره..

       إنّ الإرجاء (تأجيل حكاية الظاهر بيبرس) محكوم لدي الحكواتي ظاهريّا بترتيب حكايات السيرة أمّا دلاليا فمحكوم بانعدام الشرط التاريخي والاجتماعي والسياسي والفكري لتقبّل فكرة الانتصار فالمجتمع العربي لم يكن حسب سعد الله ونّوس مهيّئا بعْدُ لحمل فكرة الانتصار والقدرة على التغيير وتجاوز مشكلات الواقع وانكساراته.

   يتكوّن الخطاب المسرحيّ من نصّين: نصّ رئيسّ وهو الحوار ونصّ ثانويّ وهو الإشارات الركحيّة . 

-كان الحوار في هذا النصّ مجموعة من المخاطبات المتماثلة في المدى والكميّة كما كان حوار مباشرا :

- كان حوارا ثنائيّا في بعض مواضع النصّ ثم استحال حوارا متعدّدا

- قام الحوار في النصّ على المراوحة بين التقريريّة والإنشائيّة فقد تعدّدت الأساليب الإنشائيّة مثل الاستفهام والأمر كما غلبت على بنيته التركيبية صيغ الحذف والاختزال وهو ما يكشف عن تسريع في نسق الحوار بما يوحي بحالة الانتظار والترقّب والفوضى.

- اعتمد سعد الله ونّوس المزج بين العبارة الفصيحة والعاميّة وهذا التداخل لا يعبّر عن رؤية فقط ولإنّما عبّر عن رؤية سعد الله ونّوس للمسرح الحيّ والشعبيّ الذي تقترن فيه اللغة والتعبير الخطابي بطبيعة الشخصيّة الاجتماعيّة والفكريّة وخطاب االشخصيّات بذلك إنّما هو وسيلة فنيّة تؤكّد حضور المتفرّج ومشاركته في صياغة العرض المسرحيّ وإنتاجه فيكون حوار الشخصيّات عفويّا وارتجاليّا ومتغيّرا بتغيّر الفضاء والجمهور.

          ساهم الحوار في الكشف عن المرجعيّة الاجتماعيّة للشخصيّات ( فئة مهمّشة وطبقة مسحوقة) كما كشف عن العوالم النفسيّة لها ( معاناة وترقّب) كما اضطلع الحوار بوظيفة تأطيريّة تتناسب من وضع الاستهلال في المسرحيّة. 

 

أغلب الإشارات الركحيّة كانت سابقة للحوار مقدّمة له بالإضافة إلى تواترها وكثافتها وهو ما يشير إلى السمات الفنيّة المميّزة للنصّ الافتتاحي (الاستهلالي) حيث تكتسب الإشارات الركحيّة ظيفة تأطيرية (تقديم المكان والزمان والشخصيّات والأحداث).

الوظيفة الركحيّة: الإشارة إلى عناصر الفضاء الركحي(المقاعد..النرجيلة..المذياع..ضوضاء المقهى).

* الوظيفة الإيقاعيّة: وترتبط بحركة الشخصيّات على الرّكح ( حركة الخادم في فضاء المقهى).

* الوظيفة الاستبطانيّة: فقد مكّنت الإشارات الركحيّة من التعرّف على الملامح النفسيّة للشخصيّات ( ثنائيّة الاضطراب والهدوء).

           تحدّد الإشارات الركحيّة في هذا النصّ مستويات ثلاثة:

1- المقهى فضاء مسرحيّا: وبذلك ترسم الإشارات الركحيّة المرجعيّة الاجتماعيّة للشخصيّات والفضاء المكاني (المقهى) .

2- الاضطراب والفوضى والانتظار: حيث كانت عناصر المكان ومؤثّراته الركحيّة مناقضة لمشاعر الشخصيّات وهو ما يؤكّد ذلك التناقض بين المكان والشخصيّات باعتباره مظهرا من مظاهر الاغتراب والاستلاب.

3- الحكواتي أو الشخصيّة الواصلة:تظلّ علاقة الحكواتي بفضاء المقهى محكومة برغبة الزبائن في متابعة الاستماع لحكاياته الممتعة وهي محكومة كذلك بالتناقض والاختلاف ( فوضى المكان/هدوء الحكواتي) وهو تناقض جوهري يتعلّق بالاختلاف عن الزبائن في فهم الواقع وآليات تغييره (الفعل /الانفعال).

 

- إنّ اختيار المقهى فضاء مسرحيّا تجاوز للمسرح التقليدي القديم (المسرح الأرسطي) شكلا فنيّا ومضمونا فكريّا وهو اختيار فنّي يستوعب كثيرا من رؤى سعد الله ونّوس المسرحيّة التي أجملها في تجربة "مسرح التسييس" فالمقهى فضاء شعبيّ وحي يحقّق الحميميّة والألفة ويساعد المتفرّج على أن يكون مشاركا فعّالا.

- الحكواتي: مرجعيّة تراثيّة ووظيفة تغريبيّة: كان الحكواتي في المسرحيّة شخصيّة واصلة تحقّق ذلك الربط ما بين عالم الزبائن وواقعهم وعالم الحكاية ومعانيها وهذا التوظيف الجمالي الفنيّ لشخصيّة الحكواتي كان سمة من سمات المسرح الملحمي وهو شخصيّة استوحى سعد الله ونوس ملامحها من التراث الشعبي الشرقيّ ( توظيف الموارد التراثيّة في تجربة مسرح التسييس).

- تكتسب شخصيّة الحكواتي أبعادا رمزيّة في المسرحيّة فهو صورة للمثقّف الذي يسعى إلى تغيير الواقع السياسي والاجتماعي عبر تجذير الوعي الشعبي بضرورة ذلك التغيير قصد تجاوز مشكلات الواقع وأزماته.