الثلاثاء، 19 أكتوبر 2021

 

العيد

كان ذلك آخر ما تبقى ..وأشارت إلى واحدة يتبعها خروفان في ركن من زريبة اجتهدت في رصّ أخشابها وملء ثغراتها بأشواك شجر السدر حتى لا تجوزها الذئاب من الناس والحيوان..دخل التاجر ومعه  ثلاثة من أبنائها وأحاطوا بأحد الخروفين حتى تمكّنوا من مسكه ثمّ ألقوا به في عربة السيّارة وقبل أن يأخذ التاجر مقعده  سألها أن تبيع له الثاني ولكنّها رفضت وهي تقول "ذلك هو عيد أبنائي"..

..ما تبقى هو كلّ ما ترك زوجها الرّاحل منذ خمس سنين ..عشرة أغنام أو يزيد قليلا أكلتها السنوات الخمس كما أكلت من عمرها حتى لم يعرفها الناس وكانت إذا سئلت عن تغيّر حالها وذهاب شبابها نظرت مزهوّة إلى أبنائها الثلاثة وفي صوت يملؤه الفخر أجابت "هؤلائي جنّتي وشبابي وفرحتي.."

ترك لها ثلاثة من الأبناء وبيتا صغيرا في أقصى القرية اجتهدا معا في جمع حجارته وبنائه وكان جنّتهم إلى حين..ترك لها كثيرا من الذكرى والأحلام الشاردة كالغيوم تسوقها الريح بلا وجهة فهي كالأقدار تسوق النّاس والأعمار..

كانت تشتغل طول يومها في البساتين المنتشرة في السهول وتجمع في عملها قليلا من عشب فإذا كان الغروب سارت حيث ذلك البيت القصيّ من القرية فتلقي بما حملت  إلى أغنامها وتأتي صغارها تعدّ عشاءها وتسألهم عمّا صنعوا في المدرسة..كانوا كلّ عالمها وكلّ أحلامها ولا ترضى أن ترى  في وجوهم علامة الفقر أو اليتم وكانت تجتهد في إرضائهم وتنظر إلى صغار الأهل في لباسهم وتأتي لأبنائها بما يماثله أو يزيد وإنّها لتحزن كثيرا إن سألها أبناؤها شيئا لا تقدر عليه..تتوالى أيّامها متشابهات وينمو الحلم في الصغار مع نموّ أجسادهم وتكبر الأمّ ولكن لا تهزمها الأيام ولا تعجزها الحياة وكانت إذا اشتدّ بها التعب أياما أعانتها ابنتها البكر في ما كانت تعمل باقي أيّامها وقد يجود بعض الخيرين من أهل زوجها ببعض مال أو طعام ولكنّها ترفض فإذا ألحّوا في الطلب نهرتهم ..

الكبرياء بعض من قليل ورثته عن زوجها وتأبى إلاّ أن تورّثه إلى أبنائه فنلك وصيّته وإنّها تحملها حمل الآمانات فلا تنسى..

السنوات تأكل من جسدها ومن أغنامها فكلمّا اشتدّ بها الحال باعت بعضا من خرافها أو شياهها وإنّها لتدخل بيتها حزينة مذعورة تخشى القادم من الأيّام ولا تريد أنّ تحدّث أبناءها بحديث الجوع والحاجة..

كان ذلك قبل العيد بيومين وكانت ليلة مظلمة قاسية البرد ريحها شديدة عاوية ..أغلقت الباب والنافذة جيّدا وألقت ما في البيت من أغطية على صغارها حتى لا يتسرّب إلىهم البرد وأحذنها غفوة النوم حتّى كان الفجر..سارعت إلى تفقّد الزريبة فلم تر ذلك الخروف الذي أبقته لعيد أبنائها..فقط شاة واحدة جفلة في ذلك الركن ..دخلت الزريبة فزاد يقينها وعوت في صدرها الأوجاع..عادت إلى بيتها تترقّب نور الشمس الأوّل حتّى كان فسارت في كلّ سبيل واتّبعت آثار الأقدام لا تدلّها على وجهة وابتعدت في مسالك الرّعاة في الهضاب البعيدة فلا أثر..

لم تخبر صغارها وأعدّت لهم ما كانت تعدّه من طعام ولاحقتهم بأعينها حتى غابوا عنها في مسارب المدارس وعادت إلى بيتها وحيدة تقول نحيبا وتروي لنفسها حكاية الأوجاع..في صباح ذلك العيد تهيّا الصغار لذبح الخروف واقتربوا من الزريبة يريدون إخراجه فأشارت عليهم الأم بإخراج الشاة ودعت صغيرها إلى دعوة أحد الرجال من أقرباء زوجها لذبحها..لم تعد تسمع ذلك الرّجل وهو يدعو ابنها إلى مساعدته في ذبح الشاة ..ولم تعد تسمع حركة الشاة تطلب الحياة بعد ذبحها..فقط وجيف الصدر يحدّثها عن أيّام الجوع القادم ..

 

في المدرسة

- أحيانا الجروح الصغيرة تترك ندوبا عميقة وظلالا من الأحزان لا تخفى.

 رفعت بصري متأملا وجه صديقي القديم وهمست

- لم تكن جروحا صغيرة..فقط كنّا صغارا.

كنا صديقين متلازمين لا نفترقان إلا ليلا أو حين المبيت ..صباحا تأخذنا الطريق إلى المدرسة متعرّجة متثائبة ككل صباحات القرى..نشقّ معا سهولا وهضابا نتّبع سطور الصبّار حتّى إذا بلغنا المدرسة وسمعنا صيحات الحارس نندسّ في جموع التلاميذ التي جاءت بهم دروب القرية البعيدة وفجاجها.يصفّق الحارس بيديه من بعيد فيجتمع كلّ التلاميذ في صفين أمام قسمين تطوّع الرجال في تلك القرية ببنائهما فقد خيّر أبناؤهم ممن سبقوا هذا الجيل الانقطاع بسبب البعد ومشقّة السير إلى المدارس ..

حين يصطفّ التلاميذ متباعدين إناثا وذكورا يسير المدير محاذيا للصفوف فتنحبس الأنفاس في الصدور فإذا رأى إعوجاجا قوّمه بصفعة يتبعها تأوّه مكتوم ثمّ يختار فتاة وفنى من الصفيّن يرسلهما لدائرة اسمنتيّة يتوسّطها عمود حديدي ثمّ يأمر الجميع بالنشيد وعيونه لا تغادر الوجوه تبحث عمّن يتعلثم في القراءة..يرفع التلميذان العلم فإذا استوى في أعلى العمود صفّق الحارس مرّتين فيبستقبل المعلّمان التلاميذ في كلّ قسم.

ندخل القسم ثمّ نتّجه إلى ركن فيه لنختار مقعدين في آخره ثم نجلس وقبل الانطلاق في الدرس يشرع المعلّم يطوف بين الصفوف فيرفع التلميذ قبضة يديه مبرزا أظافره وتمرّ قبضة يد المعلّم فوق رأسه فإذا سمعنا أزيز المقصّ فوق رأس أحدهم علمنا أنّ ضحيّة من ضحايا القسم وقعت بين يديه فتأخذهما رغبة في الضحك ولا يضحكان خوف بطشه..

كان الطقس في ذلك اليوم ممطرا غاضبا في شتاء بارد قاس وفي ذلك الصبّاح دفعتنا الأمهات إلى المدرسة دفعا ولم نكن نريدها فالطريق وحلة والسير شقيّ ..سرنا في الطريق نحاذي كروم الصبّار ونتجنّب البرك وخنادق الماء تسيل تغمر الحفر فلا نراها وكنّا إذا انزلق أحدنا تمتدّ له الآخر تنقذه..ابتلّت ثيابنا وأحذيتنا وكنّا نشعر بالماء والوحل يتسرّب بين أصابع أقدامنا واشتدّ معها البرد حتى لا نكاد نحسّ ..طالت الطّريق إلى المدرسة وقلّ الكلام بيننا وإن كان فهو ارتجاف لا يكاد يبين حتى بلغنا ..الحارس ينهر من قدم التلاميذ ويدفعهم إلى خلع أحذيتهم قبل دخول الأقسام فتقع الأرجل الصغيرة على أرضيّة اسمنتيّة مدبّبة لبروز الحصى جامدة باردة فنرفعها قليلا بعد الجلوس على جانبي الطاولة فنشعر ببرودة الحديد القاسية.. يدأ المعلّم في طوافه بين الصفوف يتأمّل الوجوه الشاردة والأجسام المتلحّفة في بعض من ثياب مبلّلة ما تزال تنزف ماء ..ارتفعت قبضات الأيدي الصغيرة المرتعشة لا يقدر التلاميذ على جمعها وتفحّصها المعلّم ثمّ هوت العصا تزيد من الأوجاع وكان صوت وقوعها على الأصابع مريعا مخيفا ترتجف له الأبدان المرتجفة في الثياب المبللّة..

كنّا نجلس في ذلك الركن في المقعد الأخير توقّف قرب صديقي واخترق بيده شعره وهمهم بكلام لا يكاد يسمع ثمّ سمعنا صوت المقصّ يحفر أخدودا غائرا في رأسه ..تساقط الشعر على أرضيّة القسم وبعض منه على يديّ ثمّ سمعنا صوته هائجا يأمره بالوقوف..كانت ساقاه ترتجفان وصوته غائب في دموعه ..ما تزال ثيابه تنزف ماء ومايزال جسده الصّغير يرتجف بردا وخوفا ..وقف يكاد يسقط حين التفت إليه كلّ التلاميذ ورأى في أعينهم إشفاقا كبيرا ..أمره بالتقدّم إلى المصطبة الاسمنيّة في أوّل القسم ..تعثّرت خطواته وأقدامه الحافية ترسم أشكالا باكية ..نظر إليه ثمّ نظر إلينا جميعا وقال "هذا هو الدرس لهذا اليوم.." ثمّ دفعه نحو الباب يأمره بالخروج..

لا أعلم كيف جمعت قبضتي يدي وألقيت بهما على الطاولة فاهتزّ لصوتهما القسم واستدار نحوي مندهشا مستغربا وسار نحوي مسرعا فأسرعت نحو الباب وامتلأ القسم ضجيجا وأطلّ المدير من مكتبه وصار جميع من في المدرسة خارجا واقتفى الحارس آثارنا ملوّحا بعصاه يتوعّدنا بإعلام عائلتينا..

سرنا في كلّ المسالك نتحاشى النّاس ثمّ جلسنا في مكان بعيد نرقب المدرسة حتى إذا خرج التلاميذ وساروا في طرق العودة إلى ديارهم عدنا نطلب المغيب ولم يكن صديقي يحدّثني حديثه وإنّما شغله الصمت عن الكلام ..كان بيتهم وسطا في القرية وحين بلغناه ودّعته ثمّ أكملت المسير ..في طريقي إلى بيتنا كنت أسمع كلاما وصراخا يرتفع من بيت صديقي وكنت في خلوة من الطريق فآذنت لوجعي بالبكاء..

صباحا لم أجده كعادته في كلّ يوم ..ناديته ثمّ رفعت الصوت بالنداء..صوت أمّه الخافت يتعالى من البيت " إنّه مريض لا يقدر على المسير.."

أضحى ذلك الأمر عادة من عاداتي ..أتوقف قليلا عند بيته فتجيبني أمّه كعادتها "إنّه مريض لا يقدر على المسير.."

الآن..أعدت النّظر إلى صديقي القديم ..تأمّلت كرسيّه المتحرّك ..رفعت بصري نحو رأسه..الشعر أبيض خفيف والوجه مملوء بالندوب الصّغيرة..

احتضنه كثيرا كثيرا ..

أحيانا الجروح الصغيرة تترك ندوبا عميقة وظلالا من الأحزان لا تخفى.

محمد المولدي الداودي.

 

السبت، 1 مايو 2021

 

في رفض "العسكر السياسي" ودفاعا عن مدنيّة الدولة.

في فرضيّة الحرب الأهليّة ونتائجها وانعكساتها.

في موجة الانقلابات العسكريّة التي اجتاحت البلدان العربيّة "المستقلّة " مطلع الخميسنات والستينات كان نظام بورقيبة الميّال إلى بناء "الدولة الأمّة" بعيدا عن أعين الجيش وبرعاية فرنسيّة حذرا متوجّسا من تقريب المؤسسة العسكريّة لمناطق الحكم المدني ومواقع القرار السياسي وامتيازاته ورغم محاولة 1962 وأحداث قفصة 1980 فإنّ الجيش التونسي ظلّ بعيدا عن الصراعات السياسية غير منجذب للخوض فيها.

عمل نظام ابن علي على إضعاف المؤسسة العسكريّة من حيث التجهيزات والتدريب والامتيازات ودفع في اتجاه تقوية النظام الأمني "البوليسي" وبذلك بسط سيطرته على كلّ مناحي الحياة طيلة حكم النظام حتّى كانت الثورة التونسيّة.

يبدو أنّ المؤسسة العسكريّة حسمت أمرها بعدم التدخّل لقمع الثورة ومواجهة المحتجين ويبدو أنّ هذا الأمر كان عاملا حاسما في إسقاط رأس النظام وهروبه إلى السعودية مساء 14 جانفي 2011 وماتزال ذاكرة التونسيين تحتفظ بمشاهد كثيرة تظهر احتضان الشعب للجيش في حين سعت المؤسسة الأمنية إلى المصالحة مع الشعب والتأكيد في كل أزمة سياسيّة على العقيدة " الجمهوريّة الوطنيّة " للأمن رغم بعض السلوك السياسي للنقابات الأمنية ..

كانت الثورة التونسيّة ديسمبر 2010/جانفي 2011 الشرارة التي ألهبت المنطقة العربيّة وتوالى سقوط الأنظمة وانتفاض الشعوب وتغيّرت مسارات الثورات بتغيّر البلدان والأنظمة التي نشأت في سياقات الانقلابات العسكريّة مثل ليبيا وسوريا واليمن وبدرجة أقلّ مصر.

إنّ استقراء تلك التجارب ينتهي بنا إلى استنتاج عام يفسّر سلوك الجيوش ذات العقيدة "المعسكرة الملتزمة بحماية النظام لا الشعب" حيث تؤول الانتفاضات أو "الثورات" إلى حروب أهليّة (اليمن/سوريا/ليبيا/ العراق ومن الممكن مصر والسودان..) وفي الحروب الأهليّة تنقسم الجيوش وتتحوّل المؤسسة العسكريّة في حدّ ذاتها إلى علامة من علامات الصراع عبر انشقاق الجنود والضبّاط عن المؤسسة العسكريّة النظامية ثمّ تتشّكل بعد ذلك "المليشيات العسكريّة" وفق توزّع مناطقي جغرافي أو قبلي وأحيانا حزبي سياسي.

إنّ القراءة الظاهرة لخطاب السيّد رئيس الجمهوريّة التونسيّة قيس سعيّد منذ توليه الرئاسة ومنذ ظهور بوادر الأزمة السياسية الحادّة بعيد سقوط حكومة الفخفاخ تنتهي إلى تأكيد رغبة الرئيس في إقحام المؤسسة العسكريّة ثم الأمنيّة في الصراع السياسي والمتأمّل في خطاباته مقاما وسجلاّ لغويّا وإيحاءات بيانيّة وخطابيّة تنشدّ للحقل الدّلالي (القتال والانتصار أو الشهادة) وهذه الرغبة الجامحة في جرّ المؤسسة العسكرية ثم الأمنيّة إلى مربّع المعركة السياسيّة لها تكاليفها وأثمانها..

إنّ إغراء الرئيس بانتهاج هذا النهج في معالجة الصراع السياسي الحاد في تونس له عواقبه على الوحدة الوطنيّة والنسيج المجتمعي ومستقبل البلد واستقراره ولئن حاول البعض التأكيد إعلاميّا ومن خلال المنشورات الفايسبوكيّة أو التصريحات الإذاعيّة على جاذبيّة النموذج المصري (انقلاب 2013) باعتباره الشكل الوحيد الممكن للإجهاز على خصم سياسي وإيديولوجي ثبّتت الممارسة الديمقراطيّة حضوره الشعبي نسبيّا فإنّ هذا الإغراء مميت ومكلف وطنيّا

الإسراع في استكمال عناصر المغامرة قد يعصف بكلّ التجربة وقد يعصف بكلّ البلد وأيّا كانت المداخل لخوض مثل هذه المغامرة سواء كان المدخل محاربة الفساد أو إعداد ملفات قضائية أو غيرها من المداخل التي تعطي بعدا "شعبيا" للمغامرة الانقلابيّة..

التحرّك في أرضيّة عسكريّة كاستعمال القضاء العسكري أو كالتأكيد الدائم على أنّ الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلّحة مع تأويل دستوري ألحق من خلاله الرئيس القوات الأمنية إلى قيادته له مخاطره المرعبة وهذا الهوس من طرف الرئيس باستعمال العسكر أو مغازلته لحسم المعركة السياسية سيجرّ البلد إلى دائرة العنف التي ستنتهي إلى حرب أهلية ..

فرضيّة الحرب الأهلية في تونس "ممكنة جدّا" لوجود مجموعة من العناصر المغذية لها ومنها:

-         انقسام مجتمعي حاد سبّبه الانقسام السياسي وكلّ طرف يقدّم قراءة للمسؤول عن تعفّن الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي فأنصار الرئيس من السياسيين والمواطنين يرون في خصومهم الشرّ المطلق الذي يستوجب الاستئصال ولذلك تتردّد في منشورات الصفحة الرسميّة لرئاسة الجمهوريّة وفي التعليقات عبارات من قبيل "اضرب والشعب معاك..قيس سعيد قاهر الجرذان والخوانجيّة..جاكم النهار يا خوانجيّة ..)وهي عبارات تحريضيّة لم يلغها المشرف على الصفحة وكأنّها رسالة من الرئيس إلى أنصاره وخصومه..

-         خطابات الرئيس المملوءة تحريضا واستعارات حربيّة عبر استحضار القيم الدينيّة للحرب والاستشهاد وعبر الزيارات المتعدّدة للثكنات والمقرّات الأمنيّة.

-         خطاب الاستعداد بالنسبة لخصوم الرئيس والتصعيد المنذر ببداية المواجهة ويقين جميع الأطراف أن الحسم عبر المواجهة أضحى ضروريّا بعيدا عن الحوار .

-         وجود محاور إقليميّة تغذّي الصراع وتتحكّم في مساراته ونتائجه

إنّ هذه العناصر مجتمعة هي مقدّمات ممكنة لبداية صراع عنيف قد يتحوّل إلى حرب أهليّة وفي هذه الحالة قد تتوجّه الأمور نحو الانقسام الحادّ مجتمعيّا وعسكريّا ومناطقيّا حيث يكتسب الصراع السياسي على نحو ما بعدا جهويّا (ساحل/جنوب) وهذا أمر خطير سيكون نتيجة حتميّة لأي صراع سياسي عنيف .

إنّ أيّ مغامرة تقود إلى حرب أهليّة في تونس ستؤدّي حتما إلى انقسام المؤسسة العسكريّة والأمنيّة وهذا أبلغ الخوف وأخطر الهواجس.

في الحروب الأهلية يفقد المتحاربون السيطرة على مسارات الحرب ويفقدون القدرة على الحسم أو الانتصار وتنتهي دائما بتدخّل الطرف الخارجي المتحكّم منذ البداية في اللعبة والقادر على إيقافها وفق شروط يراها مناسبة لفرض خياراته ومصالحه.

ولذلك من الضروري أن يتوقف الجميع على تجربة مغامرة الحرب أو التسلّي بإمكانيّة حدوثها ترهيبا لخصوم السياسة وشركاء الوطن.

من الضروري أن يتوقف الجميع عن خطاب استمالة المؤسسة العسكريّة والأمنيّة والزجّ بها في أتون صراع عبثّي لا يعني الشعب ولا يغنيه عن مشاكله اليوميّة والحياتيّة.

من الضروريّ أن تستعيد كل الأطراف المتصارعة ما تبقى لها من عقل فمحاورة خصوم السياسة وشركاء الوطن أفضل من محاربتهم وأجدى..

نحن لا نحتاج إلى حرب تشرّد بعضنا وتقتل بعضنا وتترك ثارات لا تمحى وأحقادا لا تنتهي ثمّ يظهر الطرف الدولي تحقيقا للمصالحة كما يحدث في نهاية كلّ حرب أهلية..نحن نحتاج إلى روح وطنيّة جامعة وقادرة على البناء الوطني..نحن نحتاج إلى الحوار .



محمد المولدي الداودي

السبت، 10 أبريل 2021

 

                                    التطبيع خيانة: العبارة التي أكلها حمار الرئيس.



كانت عبارة ساحرة اهتزّت لها شوارع غزّة فرحا واستجاب لها الوجدان التونسي المملوء حبّا لفلسطين وتفاعل مع صاحب العبارة انتخابيّا وكان الانتصار ..

كانت العبارة بعد ذلك خادعة كاذبة غادرة كشفتها أفعال الرّئيس وفضحتها زيارته إلى البحرين كانت العبارة مجرّد تقنية انتخابيّة ألقى بها الرّئيس في وجدان شعب انفعالي ولكنّه منتصر للقضيّة الفلسطينيّة ولو نظر النّاس في ذلك الوقت نظر العقل في حدود هذه العبارة وإمكانات ملئها بمواقف سياسيّة أو ديبلوماسيّة تتنصر للحقّ الفلسطيني لأدركوا في حينها أنّ قوله كان مجرّد دعاية انتخابيّة لا غير فلم يعرف على الرئيس أي موقف من المسألة الفلسطينيّة أو قضيّة " التطبيع" ولم يعرف عنه إنكاره للمسار التطبيعي الذي بدأه نظام ابن علي منذ سنة الألفين عبر مكتب العلاقات الاقتصاديّة مع الكيان الصهيوني.

زيارة الرئيس إلى النظام المصري كانت الكاشفة لأنّها نزعت كلّ قناع وأظهرت عوراته وأبانت مواقفه التي وصفتها الصفحة الرسميّة لرئاسة الجمهوريّة بأنّها متطابقة مع الموقف المصري.

الموقف المصري مكشوف ومعلوم ووفق ما ذكر في الصفحة الرسميّة لرئاسة الجمهوريّة يمكن معرفة الموقف التونسي قياسا على مواقف النظام المصري من قضيّة التطبيع وحركات المقاومة في فلسطين ولبنان وإذا كانت المواقف متطابقة فهذا يفضي إلى نتيجة تؤكّد ميل الرّئيس إلى خطّ التطبيع ومحاصرة قوى المقاومة المسلّحة أو الشعبيّة.

الرئيس والمحيطون به يعلمون أنّ القبول بالتطبيع هو الخطوة الأولى في اتجاه تطبيع مواقفه مع المحور المصري الإماراتي السعودي الذي اختاره الرئيس أخيرا وهو كذلك الخطوة الأولى في اتجاه تطبيع العلاقة مع أمريكا ومن ورائها الكيان الصهيوني.

كان الكيان الصهيوني ومن وراءه من قوى دوليّة يدركون أنّ خطر الثورات العربيّة ليس في إسقاط أنظمة عربيّة قمعيّة عميلة دمّرت شعوبها فقط وإنّما كذلك في إعادة القضيّة الفلسطينيّة إلى عمقها الشعبي الثائر ..الشعوب الثائرة في موجة الثورات العربيّة هتفت للحريّة كما هتفت لفلسطين ولذلك كان الانقلاب في مصر وكانت الحرب الأهليّة في ليبيا وسوريا واليمن والدول التي دفعت إلى وأد الثورات وقتل أحلام الشعوب في المهد هي نفسها الدول التي تقود موجة التطبيع في نسختها الأمريكيّة الثانية زمن حكم "ترامب".

محيط الرئيس التونسي المملوء مواقف فرنسيّة يعلم ذلك ودفعه إلى اختيار محوره الداعم لخطّ " التطبيع " مع الكيان الصهيوني فكّا لعزلة الرئيس الديبلوماسيّة وكشفا لغموضه الغالب على موقف الدول الغربيّة وطمسا لارتدادات تلك العبارة التي قالها الرئيس ذات خريف انتخابي "التطبيع خيانة" .

طمس آثار العبارة الخادعة والكاذبة والغادرة سيمرّ حتما بمسارات كثيرة ومنها الانحياز الكلّي لمحور التطبيع العربي ( مصر والإمارات والسعوديّة والبحرين) وسيجعل من مسألة التطبيع التونسي مسألة وقت لا غير ويبدو أن سياسة الرئيس الداخليّة ودفعه إلى تعطيل كلّ مؤسسات الدولة لإنتاج أزمة اجتماعيّة واقتصاديّة خانقة سيكون السبيل الوحيد لذلك فالمجتمع الجائع والمنهك لا يبحث كثيرا عن لحظات النضال التاريخي لشعب مظلوم وإنّما سيكتفي بالبحث عن قوته وإن كان في التطبيع مع الكيان الصهيوني المحتلّ..فعلها النظام العسكري في السودان بعيد إسقاط نظام البشير ومن المحتمل أن يفعلها قيس سعيد بعيد إسقاط الدولة التونسيّة.

أسرار الزيارة ستنكشف وإن بعد وقت أو انتظار ولكنّ المعاني الظاهرة من المكتوب في الصفحة الرسميّة لرئاسة الجمهوريّة قالت كلّ شيء وكشفت كلّ سرّ وليس مستبعدا حضور من يمثّل الكيان الصهيوني في الجلسات المغلقة بين الرئيس وحاشيته والنظام المصري كما أنّه ليس مستبعدا حضور من يمثّل الإمارات والسعوديّة..الرسالة التي ستصل الإدارة الأمريكيّة والكيان الصهيوني ستكون مكشوفة "نحن مع سياسة مصر في إدارة المسألة الفلسطينية ولسنا بعيدين عن التطبيع فقط أمنحونا بعض الوقت وأعينونا على خصومنا في الدّاخل".

أسرار الزيارة ستكشف وإن طال الوقت وسيكشفها السلوك السياسي للرئيس داخليّا وإقليميّا من خلال ملف المقاومة والحركات الإسلاميّة كحركة حماس والجهاد الإسلامي أو حزب الله اللبناني ومن خلال ملفّ الصراع في اليمن والتسوية السياسيّة في ليبيا ومن خلال الموقف من الصراع في مياه البحر الأبيض المتوسّط والخلاف التركي الفرنسي اليوناني المصري..

سيعود الرئيس بملفّات استخباراتيّة هي من صميم صناعة المخابرات المصريّة والإماراتيّة والسعوديّة وسيقتبس الرئيس التونسي كثيرا من عبارات الانقلابي المصري عبد الفتّاح السيسي وستنكشف بعضا من ألغاز عبارات الرئيس التونسي الغامضة "كالغرف المظلمة والمتآمرين والخونة...".

سنشهد في المرحلة القادمة صناعة لملفّات أمنيّة محمّلة بمعطيات قدّمتها المخابرات المصريّة وسنشهد حلقة أخرى من حلقات الصراع بين الرئيس وخصوم السياسة في تونس.

نحن لا نعلم أين سيتّجه شراع السياسة في تونس وأين ستدفع به الرّياح ولكن هذه الزيارة إلى النظام المصري كشفت بعضا من وجهة وكثيرا من محنة وطن وهزيمة أمّة.

"التطبيع خيانة" العبارة التي أكلها حمار الرئيس.

محمد المولدي الداودي

تونس

الجمعة، 8 مايو 2020

النهضة وفقه المناورة السياسية

النهضة وفقه المناورة السياسيّة
الجزء الرّابع
محمد المولدي الداودي
الانتخابات: محنة الاختيار وبلوى الاختبار .
كان مؤكّدا فوز حزب حركة النهضة في الانتخابات التشريعيّة ليوم 23/10/2011 لأنّه الحزب الأكثر تنظيما والأقدر على تعويض القدرة الهيكليّة للحزب المنحلّ وأثبت الحزب عمقا شعبيّا ثاويا في المدائن والقرى والأحياء سرعان ما أظهرته الانتخابات  غير أنّ الفوز في الانتخابات التشريعيّة بتلك النسبة التي لم يتوقّعها كثير من محترفي السياسة في الدّاخل والخارج أعاد طرح أسئلة الحكم على حركة سياسيّة لم تتجاوز في تجربتها عتبات السجون والمنافي ولم تتحمّل في مسيرتها السياسيّة مسؤوليّة الحكم أو المعارضة العلنيّة والمنظّمة وظلّت قدرتها على فهم التحوّلات الكبرى التي أصابت البناء المجتمعي والبناء التنظيمي للدولة عاجزة عن ملامسة مراكز الفعل ومحاوره الأساسيّة فالإسلاميّون في تونس لم يكونوا مكوّنا بنائيّا في الدولة بقدر ما كانوا مادّة بشريّة تختبر فيها مؤسسات الدولة قدرتها على الرّقابة والتسلّط والقمع.كانت نتائج الانتخابات التشريعيّة في 2011 مشهدا "سيرياليّا" تمتزج فيه عناصر العبث التاريخي والغرائبيّة الأسطوريّة التي تتجاوز منطق التاريخ وتلازماته الشرطيّة .
غمرة الاحتفال بالنصر أضاعت كثيرا من ملامح العقل ونشوة الفوز أذهبت الشعور بمحنة الاختيار ولم يستوعب " المنتصرون" سؤال الحكم ولم يدركوا غضب " المهزومين".
حاولت حركة النهضة في حملتها الانتخابيّة سنة 2011 الاستجابة لأفق انتظار أطياف شعبيّة مختلفة في المنطلقات ومتباينة في المقاصد ولم تدرك النهضة معالم النشاز في مجموع ناخبيها الذين تجاوزوا المليون وثلاثة مائة ألف ناخب .
أعدّت النهضة ككلّ الأحزاب المشاركة في الانتخابات التشريعيّة برنامجا انتخابيّا حوى 365 نقطة توزّعتها محاور اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة وثقافيّة ...وحاولت من خلاله الظهور بمظهر الحزب السياسي القادر على الحكم كما حاولت الاستفادة من الشعار الثوري وتحويله إلى خطاب انتخابيّ كالوفاء للثائرين والشهداء عبر تحقيق مطالبهم وشاع في المهرجانات الانتخابيّة لرؤساء قوائم النهضة في الجهات الجمع بين فكرة الثورة وفكرة الثروة وأضحى الحديث عن دولة العدل والرّفاه ثابتا من ثوابت الدعاية السياسيّة يتلّقاها التونسيّ في كلّ مهرجان خطابيّ لحزب حركة النهضة.
لم تكن مسألة صياغة الدستور الجديد جليّة في الخطاب الدّعائي للحركة في حملتها الانتخابيّة وتنامى الشعار التنموي والاجتماعي وسقطت النهضة في طرح مسألة الدستور ومناهج الحكم في المهاوي والفخاخ التي أحسنت صنعها وسائل إعلاميّة مازلت أذرع الدولة العميقة الماليّة والإعلاميّة تصنع خطابها ومواقفها.اقتصر الموقف من الدستور في الخطاب الدّعائي للحركة في الحملة الانتخابيّة على إشكاليّة الدولة والهويّة إلى حدّ أغرى بعض قادتها المؤسسين باستعارة " عبارة الخلافة السادسة " .كانت العبارة في عمقها الفكري والوجداني انجذابا للرؤى الأولى التي كوّنت فكر الحركة ومنهجها وأقحمتها في دائرة الرؤية الأصوليّة للإسلام باعتباره منهج حكم ونصّ تشريع.لم تكن الأطياف الشعبيّة في تلك المرحلة من تجربة الانتقال السياسي قادرة على فهم الحدود الفاصلة ومظاهر التمايز بين الحركة وبقيّة التمظهرات الأخرى للفكرة الإسلاميّة وخاصّة التيّار السلفي بشقيّه العلمي( الدّعوي) والحركي (الجهادي).بل إنّ كثيرا من أنصار التيّار السلفي دعوا جمهور الناخبين إلى انتخابات حركة النهضة ضمن خلق مساحة فاصلة بين مكوّنات العائلة الإسلاميّة من ناحية والعائلة العلمانيّة من ناحية أخرى.هل تعمّد قادة الحركة طمس الفوارق الجوهريّة الفاصلة بين الحركة وبقيّة مكوّنات العائلة الإسلاميّة أم أنّ تعدّد الرّوافد واختلافها هو الذي أكسب الحركة هذا الغموض المنهجي في التعامل مع مسألة الإسلام السياسي؟
أكّد كثير من زعماء حركة النهضة وقادتها في خطابهم الإعلامي على الهويّة التونسيّة للحركة وأكّدوا أن حركة النهضة تونسيّة الهوى والمنشأ والرؤية وحاولوا الوصل بينها وبين حركة الإصلاح وأعادوا بعض حلقات تكوينها الوطني والنضالي إلى الشيخ عبد العزيز الثعالبي وكان هاجس تجذير الحركة وتأصيلها في تربة تونسيّة بيّنا في كل الردود التي ألقاها قادة الحركة ردّا على سؤال العلاقة بين النهضة وحركة الإخوان أو بقيّة الأحزاب والحركات المنتمية للعائلة الإسلاميّة العالميّة .
إنّ هذا التشابك والتداخل والتمايز والاختلاف بين مكوّنات عدّة للفكر الإسلامي السياسي والذي استوعبته النهضة وحاولت تذويب عناصر النشاز فيه سيتحوّل إلى عنصر إشكالي في التعريف والتصنيف وسيبقى محورا للجدال السياسي حول الحركة في بعدها المفهومي والبنائيّ .
تجربة الترويكا: تجربة في التجديد السياسي أم هي خضوع لبعض مكاره الحكم؟.
منع القانون الانتخابي ( قانون التمثيل النسبي )من استئثار حزب حركة النهضة بالأغلبية المطلقة ومكّنها من نسبة لا تتجاوز 41 بالمائة وما أفرزته الانتخابات من نتائج أكّد رغبة حركة النهضة في بناء حكم ائتلافي توافقي في المرحلة الانتقاليّة ولم تكن هذه الرغبة محكومة بشروط التوافق الفكري أو السياسي أو التناسب بين البرامج والأهداف وإنّما كانت محكومة بتوازنات حزبيّة أفرزتها الانتخابات التشريعيّة فكانت الترويكا تجربة من تجارب الحكم التوافقي المحكوم بدوره بكثير من معالم الإكراه السياسي الذي تجلّت آثاره سريعا في ذلك الاختلاف في منهجيّة التسيير والتباين في تبويب الأولويّات بالنسبة للأحزاب الثلاثة المكوّنة لأجنحة الحكم في حكومة الترويكا.أصاب الخلل المنهجي في مبدأ التوافق وتناقضاته حزبي المؤتمر من أجل الجمهوريّة وحزب التكتّل من أجل العمل والحريّات وطفت على السطح خلافات جوهريّة كشفت ضعف التحالف ووهن التوافق وبدأت مظاهر التناقض بين أولويّات كل حزب من الأحزاب الثلاثة حاسمة في كشف ملامح الصراع والتنافر .
كانت الترويكا تجربة سياسيّة متسرّعة و ارتجاليّة حكمتها نتائج الانتخابات ولم تكن توافقا حقيقيّا في الرؤية والغايات والمنهج لقد كانت رسالة سياسيّة حاول من خلالها حزب حركة النهضة الإجابة عن أسئلة خصوم السياسة والفكر من الأحزاب التونسيّة وأسئلة الغرب المرتاب من حكم ملوّن بألوان الإسلام السياسي ولذلك بدت عناصر الفشل أقوى من عناصر النجاح واهتزّت في هذه التجربة عناصر الترابط الحزبي لمكونيّن أساسيين هما حزبا المؤتمر والتكتّل وأدركت النهضة عسر المرحلة وغموض المسار.
في تلك المرحلة الانتقاليّة الأولى خاضت حركة النهضة صراعا ثنائيّا استنزف جهدها التنظيمي واستفرغ قدرتها على المناورة فقد واجه نوّاب حركة النهضة في المجلس التأسيسي خصوم السياسة والايدولوجيا وعمّق تفكّك حزبي المؤتمر والتكتّل عزلة الحركة واستعادت تلك الأحزاب معارك الدين والدولة وفي المشهد الحكومي غذّت أحزاب المعارضة المطلبيّة واستعانت بالمنظّمات النقابيّة في توسيع دائرة الاحتجاج الاجتماعي وتجاوزت الخصومة السياسيّة كل حدّ واستعان خصوم النهضة بآلة إعلاميّة تفنّنت في صناعة معارك وهميّة لتحريف المسار واستنزاف الجهد الثوري وتزييف الوعي.
الاغتيال السياسي وفنّ الاستثمار في الدم
لم يكن اغتيال المناضلين السياسيين  شكري بلعيد يوم 06/02/2013 والحاج محمد البراهمي يوم 25/07/2013 بالحدث العابر في التاريخ التونسي المعاصر بل لقد أضحى الاغتيال السياسي عنصرا من عناصر اللعبة السياسيّة العنيفة والقاتلة والغامضة التي أعادت رسم مكوّنات اللوحة السياسيّة ضمن إطار من الخوف الذي دفع كل المجموعة الوطنيّة ومنها الأحزاب "الثوريّة"  إلى إعادة القراءة في المسارات والمآلات والمنهج والطريقة ...بعد الاغتيال لم تعد الثورة في مفهومها السياسي (قانون تحصين الثورة) ولا الإداري (مقاومة الفساد) ولا الأمني ( الأمن الجمهوري والجيش الوطني ) ولا الاجتماعي(التنمية والعدالة ) هي المستهدفة جذريّا وإنّما استهدفت المكوّنات البنائيّة للدولة ومنها وحدة الشعب والسلم الأهلي وفي تلك المرحلة حاولت النهضة حمل الدولة بيد وحمل الثورة باليد الأخرى وأدركت حكمة السياسة وغلّبت راية الوطن على راية الحزب .
المشهد المصري: العودة إلى دائرة المحنة.
مرّة ثانية يلتقي المشهد السياسي التونسي بالمشهد السياسي المصري ويتناظران ففي 25 فيفري 2011 التقط الشارع المصري في القاهرة صدى الثورة التونسيّة وسار في مساراتها وفي 03/07 /2013وما بعدها التقط الشارع التونسي في باردو صدى الانقلاب المصري واستعار منهجه وأدواته ودفع البعض من خصوم السياسة في تونس المدفوع بمشهد استباحة الدم المصري في الشوارع والساحات دفع فصيلا من المعارضة إلى محاكاة الواقع المصري غير عابئ بتكلفة الدم والإنسان وفي تلك المرحلة تداخلت العناصر المشكّلة للعلامة الانقلابيّة من مكوّنات الدولة العميقة ورموزها السياسيّة وخصوم الفكر والسياسة وأموال الخليج الخائف والمتربّص بالربيع العربي والإعلام المدفوع الأجر ودوائر المخابرات العربيّة والأجنبيّة ومحترفي الإرهاب السياسي والديني...
في تلك المرحلة استفادت حركة النهضة من الدرس المصري القاسي والدّامي وأدركت بحكمة بالغة المسارات وخيّرت السير عبر توازنات دقيقة تحفظ فيها كيان الدولة وكرامة الثورة.
محنة النبتة في أرض صلبة صلدة لا تصلح للنبات ومحنة الفكرة في أرض متحوّلة متحرّكة لا تدرك الثبات ومحنة السياسة فكّ لغة الواقع ومحنة التغيير فهم شروط تحقّقه.
النهضة جماعة واتّجاه وحركة.. هذا مسار التاريخ في حكايتها وهي المحنة والابتلاء في حديث أهلها وهي مدرسة من مدارس الفكر الإسلامي الحديث جرّبت فتنة الفكرة ومحنة الحكم ..وأدركت تلك المسافة الفاصلة بين جاذبيّة الخطاب الإيديولوجي أو السياسي أو الثوري ومعركة البناء الواقعي ..أخطأت أحيانا في تقدير مسافات الفصل والوصل مع بقيّة الأحزاب والمنظّمات والهيئات وأخطأت أحيانا كذلك في اتجاهات السير واكتشاف النهايات ولكنّها لم تخطئ أبدا في عناوين الوطن.
النهضة اليوم جمع من الرؤى الفكرية والدينيّة والسياسيّة يحتاج إلى صهر وصقل وتجربة في الحكم أرست فكرة التوافق تحتاج إلى نضج والنهضة اليوم جسم حيّ عمره خمسة وأربعون عاما أوّله جيل الدعوة وآخره جيل الثورة ....وما بينهما أسئلة التاريخ والإنسان.















النهضة وفقه المناورة السياسية


النهضة وفقه المناورة السياسيّة
الجزء الثالث
محمد المولدي الداودي
النهضة: إعادة اكتشاف الذات .
لم تكن عودة الشيخ راشد الغنوشي إلى تونس يوم 30 جانفي 2011 مجرّد حدث عابر بل لقد كانت عودته علامة فارقة في الثورة التونسيّة وإحدى علامات تحوّلها وعنصرا من عناصر تكوّنها التي يمتزج فيها الواقعي بالحالم وهي مساحة التداخل العجيبة بين دائرة المحنة ودائرة التفاؤل.عودة الشيخ راشد الغنوشي عودة لقطعة من التاريخ التونسي المعاصر التي أسقطها النظام بكلّ مكوّناته الأساسيّة أو الخفيّة وحاول طمسها عبر قوّة الدولة ومؤسساتها ..الفكرة أحيانا أقوى من الدولة وما يطمسه الجلاّد تحفظه الأرض والذّاكرة..عاد الشيخ راشد الغنوشي المحنة والفكرة ..ليختبر الشيخ نفسه زمن الثورة.
في سنين المحنة والغربة تغيّر الإنسان والأوطان وتلوّنت أفكار الحركة بألوان تربة المهجر وعصفت رياح كثيرة في ثوابت الفكر والقناعة.وفي تونس رجال آخرون غيّرتهم سنون القمع ..فماذا لو أنكر الأصل فرعه؟ ..وماذا لو أنكر الشبيه شبهه ؟.
أصبحت الحركة مكوّنا من مكوّنات الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي وجزءا من عناصرها الإديولوجيّة وخصما من خصوم السياسة داخلها.وداخل الهيئة تراءت بعض ملامح هيئة 18 أكتوبر وانكشفت بعض أضاليلها...فما يصنعه الاستبداد تذهبه أوهام الحريّة. وداخل الهيئة سقطت النهضة ككل الأحزاب المكوّنة لها في فخّ الايدولوجيا ولم تستوعب كبقيّة مكوّناتها مخاطر الدولة العميقة وقدرتها على التشكيل الذاتي لصورة مموّهة تتجاوز الصورة الأصل ولكنّها تحتفظ بسماتها الأساسيّة وعوامل بقائها ..في معارك الهيئة تجليّات لرؤى الحكم والسياسة وتناظرات بين المواقف في مسائل الاقتصاد والنمط الاجتماعي والثقافي ومحاولة للتحشيد الانتخابي ضمن سباق محموم نحو السلطة ولم تسأل كلّ الأحزاب وكل المنظّمات والهيئات المكوّنة للهيئة عن المكوّنات العميقة للسلطة والحكم ومدى استجابتها للواقع الجديد وقابليّتها لاستيعاب الفكر الثوري والرؤية الثوريّة.
في الوقت الذي استعادت فيه الأحزاب المعارك الفكريّة القديمة كانت الدولة العميقة تجدّد طرائق خطابها وتتطّهر من خطاياها ومفاسدها لتعيد بناء الوعي الشعبي عبر القفز   إلى الوراء وتجاوز مرحلة تمتدّ في التاريخ التونسي المعاصر على مدى ثلاث وعشرين عاما فكان الباجي القايد السبسي الصورة المستوحاة من الصورة النموذج للزعيم ( الحبيب بورقيبة ).
إنّ إجهاض أيّ محاولة لتفكيك العناصر المكوّنة للعمق الفاعل في الدولة العميقة كالجهاز الأمني أو القضائي أو الإداري وبناء هياكل مماثلة للهياكل التنظيميّة التي ساهمت في نجاح الثورة كالنقابات أو المنظّمات أو حتى الأحزاب  تعبّر عن  قدرة الدولة العميقة على تحليل العناصر البنائيّة للحراك الثوري من جهة كما تعبّر عن وعي الدولة العميقة بعجز الأحزاب المشكّلة حديثا على إنتاج بدائل للحكم والتسيير من جهة ثانية.تعدّدت النقابات الأمنيّة وتشكّلت نقابة للقضاة وتمّ دفع فرحات الراجحي للاستقالة واستعان الباجي قايد السبسي بالمخزون الحزبي والإداري والأمني للمنظومة القديمة ووجّه كلّ الأحزاب نحو السباق الانتخابي وأمات كلّ العلامات الرمزيّة المكوّنة للذاكرة الثوريّة انطلاقا من مفارقة (الفوضى وهيبة الدولة ) ولذلك دفعت كلّ الأحزاب للمشاركة في قتل النفس الثوري الأخير في القصبة 3.
لم يمكّن تسارع الأحداث وتطوّر الواقع السياسي وتناقضاته لم يمكّن كلّ هذا حزب حركة النهضة من تلمّس الأرضيّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والسياسيّة للمجتمع التونسي ولم يمكّنه من اكتشاف التحوّلات التي أنتجت تلك اللحظة الثوريّة كما أنّ تعدّد الروافد واختلاف التجارب بين المؤسسين للحزب والمنتمين إليه لم ينل حظّا من الاهتمام .
في حزب حركة النهضة مدارس سياسيّة ومواقف متباينة ورؤى مختلفة قد تبلغ حدّ التناقض أحيانا فالقادة الذين تشرّبوا التجربة الديمقراطيّة في سنين المنفى في المهجر أدركوا من السياسة ما لم يدركه قادة الدّاخل الذين خبروا قمع النظام وظلمه وكانوا الأكثر تعبيرا عن معاناة الناس في ظلّ الاستبداد وقادة الدّاخل هم الذين أداروا بعضا من التوافقات السياسيّة زمن الاستبداد وشاركوا في الحراك الحقوقي والنقابي أو الطلاّبي واكتسبوا في سنين المحنة قدرة على المناورة وفرض مساحات للحركة السياسيّة بعيدا عن المراقبة أو المتابعة واستفادوا من التجربة اليساريّة أو القوميّة عبر خلق فضاء مخفيّ للعمل السياسي عبر تلوينات نقابيّة أو مداخل حقوقيّة ولقد أعاد الإسلاميّون عقد الصلة بينهم وبين النّاس وصاروا جزءا من هموم النّاس ومعاناتهم كما عبّروا عن بدايات تشكّل لفعل الرّفض المضمّن في إطاره الشعبي لا السياسي ( معركة الحجاب في تونس ).
ألغى التسارع في وتيرة الأحداث السياسيّة بعد الثورة كشف التباينات وأخفى مناطق الاختلاف بين مكوّنات الحركة وعناصرها التاريخيّة ولم يتح للملاحظين إدراك التحوّلات الفكريّة أو الحركيّة التي أصابت منهج الحركة ودفعتها إلى المراجعة وفق قراءة نقديّة للمسار ولذلك اختلف خطاب الحركة الجماهيري واختلفت صور حضورها لدى النّاس.
لم تكتسب النهضة صورة واحدة في وجدان أنصارها والمنتمين إليها حديثا من الشباب بل كانت عند البعض تفاعلا وجدانيّا دفعته أدبيّات السجون والمنافي وتضامنا إنسانيّا حكمته روح الاعتراف بمدى الظلم الذّي طال هؤلاء النّاس وكانت كذلك انشدادا فكريّا لفكرة الإسلام والشريعة والدّين وأحيت حركة النهضة وهي الامتداد الفكري للاتجاه الإسلامي , أحيت لدى شريحة "متديّنة " من الشعب التونسي أحلام العودة إلى اللحظات المضيئة من التاريخ الإسلامي وهي لدى المقهورين والمظلومين اجتماعيّا صورة " لتقوى السياسية" التي تقوم بديلا لصورة الفساد والارتشاء والمحسوبيّة والتفاوت الجهوي والاجتماعي.
لم تكن النهضة مجرّد حزب سياسي بل كانت كلّ هذا الكمّ المتداخل من المعاني والأحلام...كانت النهضة أفقا متفائلا يسعى إلى تجاوز واقع مأزوم ومألوم..ولم يكن أحد ليدرك الحدود الفاصلة بين تلك العناصر المتآلفة ولم يكن أحد ليدرك الحدود الفاصلة بين أحلام الفعل وإمكاناته بل إنّ كثيرا من قادة النهضة وزعمائها أجّلوا البحث في المكوّنات البنائيّة للحركة وتعمّدوا المزج بين عناصر اللوحة المتباينة والمتناقضة التي كوّنت جاذبيّة النهضة ..إنّ النزوع إلى الغموض وتعمية المشهد عنصر من عناصر الإدهاش وخلق صورة فاتنة وجاذبة.




السبت، 2 مايو 2020

حديث الكمين




حديث الكمين

حدّثنا من نثق في كلامه ونتّبع صوابه ونترقّب في السمر خطابه وأضاف إليه الثقات من صحبه خبرا ولم ينكره العارفون بعلم الكمائن والخبراء في ميادين الصيد والطرائد قال..
كانت الثكنة بعيدة بعد الوصل في صحراء غريبة الاسم والرسم رمالها كالجمر حين يشتدّ فحيح الهاجرة وماؤها أجاج ويومها إذا اشتدّت الريح مغبّر عجاج يصفع الوجوه ويقتل الأحلام في أفئدة الرجال.
قال :وعند المبيت حين يسدل الليل ستاره ويغيب من اليوم نوره ونهاره ويسكن الحسّ ويكثر الهمس بلا جواب ويقلّ التندّر والخطاب وحين تغيب الأنفاس عن الكلام والجند في فرشهم نيام يقوم ذلك الخفيّ قومة الظمآن للفعل يطلبه ويسطو على الجار من الصحب يسرق منه لذّة غاضبة مستعجلة وحين تعلو الصيحة في المكان يختفي الفاعل كأنّه جان فلا أثر وسار الخبر بين الجند سريان النار في الهشيم وصار حديث القادة من العسكر يقولنه بينهم كمدا فقد أعجزتهم حيله وشرّدتهم سبله وهو في منعة من الوقوع يفعل الأفاعيل ثم ينجو بشهوته وضلاله.
قال:حتى إذا كان الصباح أقبل شاب من شباب الثكنة يريد أن يثأر لصحبه من صاحب الفعلة واقتحم مكتب كبير الجند حتى أخافه ورفع يديه حتى كاد يطاله وقال متحمسا يريد القتال ّ"سيّدي عندي الحلّ لصاحب الحيلة "فاهتزّ كبير الجند اهتزاز الغريق يريد من ينقذه ورفع الحاجب منتبها وفتح العينين متحيرا يرغب في السماع فاقترب الشاب وأطال الهمس وكبير الجند يتعجّب حتى إذا فرغ من المناجاة رفع اليدين وصفّق وأقبل على الشاب محتضنا وكاد الدمع يفضح سروره لولا لباس الجنديّة وما فيه من رجولة..
قال الشاب حين اطمأنّ لحكمته ووثق في فطنته "لا تكون الحيلة إلا من جنس ما يريد الفاعل الخفي وإني عزمت على إيقاعه حين تعميه الشهوة على اكتشاف الفخّ"
وما يكون الفخّ؟
قال الشاب قول الواثق :ومايريد الفاعل المتخفي بظلام الليل؟
يريد لذّة عابرة يسرقها من صحبه في خفية منهم وإنّي استدرجه بها مكشوفة حتى تغويه فإذا اشتدت به الغواية وأعمته وأقبل إقبال السكران يريد ولا يعقل مسكتموه إمساك العجوز للصّ فيكون النصر
قال الراوي :حدّثنا أحد الثقات قال .اختلف الرواة في نهاية الخطّة وماكان من أمر الشاب المتطوّع الذى فدى صحبه أمّا عم مصباح فقد أورد حديثا لم يذكره آخرون من قبله وهو حديث غريب غير ضعيف أو موضوع قال :في الصباح تحدّث الجند عن شيطان من شياطين المكان لا يعلمه إلا صاحب الأمر والشان فقد قضى الحاجة من صاحب الفكرة وهو يصرخ حمدا لمن جنّبنا المشقّة في الطلب ورزقنا الشهوة بلا جزع أو نصب .
وأضاف الراوي معتبرا :يا أصحاب السمر والليل لكل قصّة عبرة ولكل زمن فتنة وفتنة هذا الزمان الكمائن فاحذروا الكمين وليرع كلّ منكم متاعه وعياله وتجنبوا الاستدراج فإنّه أوقع في الشرّ ولا يطلب الرجل منكم الرزق من متاع غيره ولا ينتظره في غير أجله وصفّق مرتيّن وعلا بالزفير وقال النذير النذير
انصرفوا الليلة ولا تحدثوا بهذا الحديث الصبية ولا تكتبوه واكتموه.