الأربعاء، 29 أبريل 2020

مسرح التسييس


مسرح التسييس
محمد المولدي الداودي

        شكّلت هزيمة 67 حدثا صادما تجاوز مستوى الجماهير الحالمة بالنصر واستعادة الأرض ليبلغ مستوى النخبة المثقفة التي روّجت لأوهام النصر والكرامة في تحالف مفضوح مع رموز السياسة والسلطة حين كان العمل الفنيّ أداة دعاية سياسيّة ورّطت المثقّف وأوقعت الإنسان العربي في شرك السلطة وخديعة الساسة ..كانت الهزيمة لحظة مراجعة للاختيارات الفنية والرهانات الثقافية وضمن أسئلة الهزيمة ( الوعي بالهزيمة) كانت تجربة سعد الله ونوس المسرحيّة شكلا من أشكال التجريب الفنيّ لإمكانات جماليّة يستوعبها المسرح  العربي رؤية جمالية وموقفا فكريّا من واقع عربيّ مأزوم  ومن إنسان عربي ” وعيه مستلب وذائقته مخرّبة وثقافته الشعبيّة تسلب“.
        مسرح التسييس: ” يجب التنبيه إلى أنّ هناك فارقا كبيرا بين ” المسرح السياسي“ و ” مسرح التسييس“ ..وأحدّد بسرعة مفهوم هذا ”المسرح“ على أنّه حوار بين مساحتين : الأولى هي العرض المسرحي الّذي تقدّمه جماعة تريد أن تتواصل مع الجمهور وتحاوره
والثانية هي جمهور الصالة الّذي تنعكس فيه كلّ ظواهر الواقع ومشكلاته.....إنّني أحلم بمسرح تمتلئ  فيه المساحتان .عرض تشترك فيه الصالة عبر حوار مرتجل وغنيّ يؤدّي في النهاية إلى هذا الإحساس العميق بجامعيتنا وبطبعة قدرنا ووحدته. ( هوامش للعرض والإخراج)
سؤال: كيف تحدّد هنا مفهوم التسييس؟
"يتحدّد مفهوم التسييس من زاويتين متكاملتين . الأولى فكريّة وتعني أنّنا نطرح المشكلة السياسيّة  من خلال قوانينها العميقة وعلاقتها المترابطة والمتشابكة داخل بنية المجتمع الاقتصاديّة والسياسيّة....إنّ الطبقات الّتي يتوجّه إليها مسرح التسييس هي الطبقات الشعبيّة الّتي تتواطأ عليها القوى الحاكمة كي تظلّ جاهلة وغير مسيّسة الطبقات التي يؤمل أن تكون ذات يوم بطلة الثورة والتغيير من هنا كان التسييس محاولة لإضفاء خيار تقدّمي على المسرح السياسي.
أمّا الثانية في مفهوم التسييس فهي تلك التي تهتمّ بالجانب الجماليّ ...إنّ هذا المسرح الّذي يواجه مثل هذا الجمهور لابدّ له من البحث عن أشكال اتصال جديدة ومبتكرة لا يوفّرها دائما التراث الموجود في المسرح العالمي أو العربي"
لقد كانت مسرحيّة سعد الله ونوس " مغامرة رأس المملوك جابر" تأصيلا جماليّا لمقولات المسرح الملحمي ومفاهيمه وتنزيلها في بيئة عربيّة عبر أشكال فنيّة مستلهمة من التراث مادّة تاريخيةّ ( الأمثولة أو الحكاية التاريخيّة ) وصياغة مسرحيّة (الحكواتي) غير أنّ تجربة سعد الله ونوس في بعدها الجمالي القائم على استلهام الرؤى الفنية للمسرح الملحمي كما ترسخت عند رائده المسرحي برشت والمرتدّة إلى التراث العربي نهلا من بعض أشكاله الفرجويّة الشعبيّة لم تغفل المضامين والقضايا التي كانت مدار الفعل المسرحي في أعمال سعد الله ونوس ذلك أن محور السؤال عند ونوس محيط بثلاثة أقطاب متلازمة "كيف نكتب ؟ والإجابة عن مثل هذا السؤال تتنزل صميم التجربة الجمالية في مسرح ونوس ثمّ "لماذا نكتب؟ وعبر مثل السؤال تتداعى مضامين مسرحيّات سعد الله ونوس وقضاياها وأمّا القطب الثالث فمتعلّق بسؤال: لمن نكتب؟وعنه تتشكّل ملامح المتلقي في رؤية سعد الله ونوس "  إنّ الطبقات الّتي يتوجّه إليها مسرح التسييس هي الطبقات الشعبيّة الّتي تتواطأ عليها القوى الحاكمة كي تظلّ جاهلة وغير مسيّسة الطبقات التي يؤمل أن تكون ذات يوم بطلة الثورة والتغيير"
أهمّ مضامين مسرحيّة " مغامرة رأس المملوك جابر":
- المسرح في رؤية سعد الله ونوس أداة تغيير اجتماعي وسياسيّ ينأى عن التلهية والتسلية وهو بذلك مسرح تعليميّ يحرّض الناس ويدفعهم إلى تأمّل الواقع والمصير ويدعوهم إلى تغييره وهو مسرح تحريضي يدفع بالمشاهد إلى روعة السؤال ورعب الواقع ومرارته ولئن ارتبطت مسرحيّة " مغامرة رأس المملوك جابر" بهزيمة حزيران 1967 فإنّها كانت صدى فنيّا للوعي بالهزيمة في بعدها السياسي والثقافي والاجتماعي والحضاري كان ونوس كما كل مثقفي العرب وأدبائهم مصدوما بالهزيمة بعد أحلام والنصر وأوهامه عبر شعارات سياسيّة وثقافيّة زائفة وأدرك أنّ سبيل النصر والثورة والتغيير والوعي الحقيقي غير الزائف يمرّ حتما بمعاناة الواقع واختباره على نحو من الابتلاء لا القفز عليه عبر الترويج لأوهام النصر والمجد ولذلك تجاوز ونوس مفاهيم المسرح الأرسطي القائم أصلا على مفهوم التطهير باعتباره شكلا من أشكال التنفيس عن احتقان نفسي... كان التأكيد على صورة الهزيمة في كلّ تجليّاتها مشغلا أساسيّا من مشاغل ونّوس ولذلك كان الحكواتي في بعض ملامحه صوتا يستعيره ونوس من التراث الشعبي ويتقّنع به كان صوتا مؤلما عبر حكايا الهزيمة :
- زبون2 : حكاية البارحة كانت قاتمة النهاية .
- زبون 3 : من زمان ما سمعنا من العمّ مؤنس حكاية تفرح السّامع.
ولنا أن نتساءل: لماذا هذا الإغراق في صورة الهزيمة والقتامة والمعاناة؟
إنّها من طبيعة المسرح التسييسي التعليميّ كما أدركه ونّوس فعليك أن تعلّم الجماهير حقيقة واقعهم المهزوم عليك أن تشير إلى مواطن الخلل والمرض والاعتلال والوهن والفحش والزيف والمرارة عليك أن تضع الإصبع على الجرح ومن صرخة الألم ستعلم أنّك مألوم ومهزوم وهو بالتالي مسرح التعرية والكشف لا مسرح الإخفاء والتمويه. ولذلك اختار ونوس في فضاء المسرحيّة الأوّل (المقهى) فئة شعبيّة مأزومة.
- زبون 3: الله يساعده ويساعدنا ...ومن منّا خال من الهمّ؟
كما كانت في الفضاء الثاني ( التاريخ) حكاية الخيانة والتآمر والجبن  والخوف والانتهازية...وعلى نحو من التبادل الموضوعيّ بين الفضائين والحكايتين يمكن فهم المسرحيّة في بعدها الدلالي إنّها علاقة تبادليّة بين الزمن والتاريخ بين الحاضر والماضي وكأنّ الوجه المخفيّ هو تماما ما أظهره ونوس عبر خفاء الحكاية وستار التاريخ فبغداد تلك التي أضحت في نصّ المغامرة كناية لكلّ البلاد العربيّة ورمزا تاريخيّا لها يومها مثل أمسها لا تبديل ولا تحويل .
1-       كثافة البعد السياسي ومحوريّته في أعمال سعد الله ونوّس.
مسرح التسييس باعتباره مشروعا مسرحيّا حاول من خلاله " ونّوس " إثارة المسألة السياسية بعد الهزيمة وأعاد طرح أسئلة الواقع على نحو مختلف لم تألفه الكتابة المسرحيّة العربيّة قبل الهزيمة وضمن هذا الإطار كانت المسألة السياسيّة ملحّة في حضورها عبر رموز السلطة مكانا ( ديوان الحاكم ) وشخصيّات ( الخليفة والوزير ) وعلى نحو تغريبيّ يحوّل سعد الله ونّوس مسألة السلطة والسياسة من موضوع مسرحي إلى محور يدين الواقع ويكشف مواطن الخلل فيه فالخلل في البنية السياسيّة لا يكمن في فساد السلطة أو قمعها أو استبدادها بل يكمن في عجز الجماهير عن إدراك مواطن الخلل فيها ولذلك كان أسلوب التغريب شكلا من أشكال إعادة مساءلة المألوف السياسي وأسلوبا من أساليب محاكمة الواقع ويعتقد "ونّوس" إنّ إثارة السؤال وتعميق مداه حتى يجتاح كلّ أبعاد الواقع العربي سياسة وثقافة واجتماعا هو المقصد الأساسي من مقاصد مسرح التسييس فهو مسرح يسأل ولا يجيب ومسرح يدين ويحاكم ولا يقترح الحلول.

- صورة السلطة : التآمر والصراع والدسائس ( الوزير والخليفة والحاشية)
- القطيعة بين الحاكم والمحكومين ( الرّجل الثاني: عندما يجلس على العرش الخليفة لا أحد يطلب من أهل بغداد رأيا أو نصيحة)/ ( الوزير: (باحتقار) ومن يبالي بالعامّة ؟لا..هؤلاء لا يثيرون أيّة مخاوف..يكفي أن تلوّح لهم بالعصا حتّى ينمحوا وتبتلعهم ظلمات بيوتهم)
- اتحاد المصالح بين رجال السلطة وبعض الفئات الانتهازية ( التجّار / الولاة / خطيب الجامع(المؤسسة الدينيّة)- الوزير: ..ستكون خطبة الجمعة أدقّ من إبرة الميزان .وسيختار كلّ كلمة بحيث لا يوحيّ بأيّ انحياز).
- صورة الرعيّة ( الجماهير / المحكومون) : السلبيّة / الخوف / الجوع / اللامبالاة / الاستلاب....
- العلاقة بين الراعي والرعيّة : علاقة قطيعة محتكمة إلى ثنائيّة القمع والخوف ( العصا والجوع).
- علاقة السلطة بالمثقّف: اختلفت ملامح المثقّف في مسرحيّة "مغامرة رأس المملوك جابر" فهو الحكواتي باعتباره صوتا خفيّا لسعد الله ونّوس يمتلك المعرفة( رمزيّة الكتاب) ويدرك مسارات التاريخ وشروط تغيّره وعلاقته بالزبائن متردّدة بين بعدين أمّا الأوّل فيتعلّق بالبعد الترفيهي( الحكواتي وسيلة هروب من الواقع وأزماته) وأمّا الثاني فمتّصل بالبعد التعليمي المرتبط أساسا بالمسرح الملحمي ذلك أنّ التأكيد على معالم الأزمة في نهايات الحكايا وإرجاء الحكايات المفرحة (أيّام البطولات والانتصارات/ أيّام الأمان وعزّ الناس وازدهار أحوالها) وعي من الحكواتي بالشروط الموضوعيّة للتغيير الّتي لم تحن لحظتها وقد طغى البعد التعليمي في نهاية المسرحيّة حين خرج الحكواتي عن حياده وخاطب الجمهور ( -الحكواتي: لا أدري ...ربّما ..الأمر يتعلّق بكم.).
- الزّبون الرابع: كانت صوتا مختلفا في مواقفه ولكنّها مواقف ظلّت متردّدة لم تبلغ درجة الفعل أو القدرة على التغيير.
- الرّجل الرّبع: وهو صورة عن المثقّف في إطار الحكاية المضمّنة المعتمدة على المادّة التاريخيّة إطارا دراميّا للمسرحيّة وللرجل الرابع في الحكاية وجهان : الأوّل يتعلّق بعلاقته بالسلطة( استبداد وقمع وسجن + محاولة ثورة وتمرد) : الثاني يتعلّق بعلاقته بالرعيّة ( علاقة قطيعة وحذر وريبة ورفض) فكان صوته منكفئا لم يبلغ درجة الفعل القادر على التغيير لأنّه لم يتمكّن من إرساء مدّ شعبي يتحمّل مسؤوليّة التغيير والثورة (المثقّف المعزول عن طموحات الجماهير ).
- البعد الاجتماعي: في المسرحيّة تلوين طبقي ( الساسة/ الولاة/ التجّار/ رجل الدين/ المماليك/ عامّة الناس) وبالتالي فقد كان الصّراع في بعض وجوهه صراعا طبقيّا ( حلم جابر المملوك بتجاوز حدود الطبقة ودونيّتها نحو المنصب والثروة).
- التأكيد على معاناة الطبقة المهمّشة ( الجوع/ القمع/ الخوف) والتأكيد على سلبيّتها
- واقع اجتماعي بائس يتداخل فيه البعد السياسي بالبعد الاقتصادي .
- البعد الحضاري: يتجلّى هذا البعد أساسا في علاقة العرب بالعجم في إطار استلهام المادّة التاريخيّة ( سقوط بغداد في يد المغول في نهايات الدولة العباسية) وتبدو العلاقة في بعدها الحضاري ذات مظهر إشكاليّ ( استعانة الوزير بالأعداء وتخريب بغداد وتقتيل أهلها) وفتنة بغداد وروعتها في نظر أمراء المغول(-- الملك: يوم مشهود ..بغداد العظيمة ترتخي, وتتمدّد بكل بهائها أمام جيوش ملك العجم ..حلم قديم لمنكتم بن داوود..ولوالده من قبله..) وهذه الموقف من بغداد الحلم القديم والفتنة المتكرّرة يرتدّ احتقارا لأهلها( الملك: سيكونون كالكلاب ..يلعقون أحذيتنا, ويطلبون مرضاتنا..) ويرى سعد الله ونّوس في بحثه عن مظاهر أزمة الواقع العربي أنّها ذات بعدين :
1- مستوى الفساد السياسي والخلل في بنية الواقع الداخلي وسلبيّة الجماهير وعجزها عن التغيير.
2- العدوّ الخارجي المتربّص بالأمّة وقدراتها ( منكتم بن داوود = إيحاء بالعدوّ الصهيوني)
إطلالة الزمن على التاريخ وانفتاح الحاضر على الماضي( قراءة في التضمين الدلالي)
مسرح داخل المسرح كانت مسرحيّة سعد الله ونّوس وحكاية تحتوى أخرى وتخفيها حينا ثمّ تبديها في إطار عمليّة التغريب وكسر الإيهام حتّى يظلّ ذهن المتفرّج متيقّظا لا توهمه الحكاية ولا تستهويه وضمن هذه الرؤية الفنيّة تتبدّى الدلالات فوظيفة المسرح تتجاوز مجرّد التسلية ليتحوّل إلى أداة تغيير وتحريض وتسييس ومن قراءة الواقع العربي في كلّ هزائمه كانت المسرحيّة صرخة مؤلمة ترنو إلى إيقاظ الناس واستفاقتهم ولئن كانت العودة إلى التاريخ تضليلا فنيّا وتغريبا وتبعيدا يمّكن المشاهد من إدراك واقعه وقضاياه (الإغراق في التأريخيّة) فإنّها تظلّ لحظة لم تبرح زمنها فكان التاريخ قناع الحكاية وحجابها وعلى نحو من ترديد الصدى للصوت كانت علاقة الحكايتين واقع عربي مهزوم يرى صورته في مرايا التاريخ فيدرك بؤسها وزيفها وهزائمها ..إنها صورة الجوع والقمع والسجن والخوف والانتهازية والسلبيّة والخيانة وبغداد الأمس هي بغداد اليوم تباع إلى مغول العصر وساستها هم بالأمس يتكررون خيانة وتآمرا واستبدادا وعامّة ناسها لم يغادرهم الخوف ولا الجبن وكذلك مثقّفيها ظلّوا صوتا خافتا كما كانوا وبغداد مدينة كناية عن أمّة تردّدت في تاريخا بين الهزائم وما أشبه الليلة بالبارحة.
 ورغم أنّ مسرحيّة سعد الله كانت مؤلمة على نحو من شعور الزبائن ولكنه ألم يستفزّ مكامن السؤال في الإنسان : لماذا هذا الواقع وهزائمه؟ والسؤال بذرة الاستفاقة وبداية الوعي وذلك أسمى ما يطلبه سعد الله ونّوس.
هل وفّق سعد الله ونوس في تجربنه المسرحيّة؟
كانت تجربة عمّقت من مشاعر الخيبة والفشل بالنسبة لسعد الله ونّوس في بعدها الجماليّ والفكريّ فقد ظلّت رهينة المنع أو رهينة الرؤية المسرحيّة الرسميّة ( فضاء مسرحيّا) كما أنّا لم تغيّر في وظيفة المسرح ولا في طبيعة المتلقّي( غلبة مسرح التهريج بدل المسرح التعليمي)
لقد انتهى سعد الله ونّوس يشكو من الواقع العربي آملا في تغييره عبر الكتابة تنظيرا مسرحيّا أو عملا إبداعيّا لأنّه محكوم بالأمل رغم صور الخراب والغياب
كان لسقوط بغداد زمن المماليك راو يروي فجيعتها فمن لبغداد اليوم ليروي خيانتها؟






الأحد، 5 أبريل 2020

كورونا: الإنسانيّة تحتضر.


كورونا: الإنسانيّة تحتضر.
يبدو خبرا عابرا في الفضائيّات ..قليل منّا سأل عنه وما سيفعله بالناس..البعض سأل عن اسم المدينة البعيدة في الصين..يبدو المكان بعيدا بعيدا والناس في ذلك المكان بعيدون عنّا ...فلا يستحقّون السؤال..
لم تتوقّف حياتنا ساعة توقّفت حياتهم...والفضائيّات فقط تحصي في خبر بارد عدد الموتى...
حملت الأخبار في الفضائّيات حجم الفاجعة وحملت الطائرات والسفن ريحه ..ورحل ّالفيروس " مع الرّاحلين وأخذ له في كل موضع سكنّا..
لم تعد الصين وحدها محاصرة بسرّها ووبائها ..وحملت عواصم العالم ومدنه كثيرا من صفة مدينة"يوهان"الصينيّة..المدينة اللعنة كما في الكتب القديمة..
انتشر فيروس كورونا في شوارع المدن وأزقّتها وقراها كما تنتشر السلع الصينيّة واكتسبت كلّ اللغات بعضا من تعبيرات الفاجعة والصدمة..العبارة الجامعة للإنسانيّة اليوم هي عبارة "كورونا" كأنّها ترنيمة النهاية.
تحدّث السّاسة ..والسّاسة يحسنون الكلام..كلامهم كشف رعبا خفيّا حدّثت به ملامح وحركات فضحت طمأنينة زائفة..الناس في البلدان لا يسمعون الكلام وإنّما يحسنون النظر في العيون..كلام العيون مخيف كأنّه البكاء..
التقارير الإخبارية بلاغات تعزية عالميّة وما يقوله المسؤولون الذين ارتقى كورونا إلى مناصبهم يشبه المرثيّات ..الإنسان معرّفا بالألف واللام يحارب شبحا أو قدرا أو غضبا أو غيبا وفي هذه المعركة الإنسانيّة الخاسرة واجه الإنسان أوهامه وضعفه وزيفه.
في تلك الخلوة في ذلك الركن بعيدا عن الناس يواجه كلّ منا ذاته يرسم جغرافيا الخوف ويعيد توزيع مشاعره وفق لعبة الإمكانات القاتلة ...يمنعه خوفه من ممارسة عاداته العاطفيّة يبعد طفله وطفله يلاحقه كما كان يصنع في ومن الرّخاء والحياة ..يريد أن يضمّه ثمّ يحدّثه عن كورونا وما فعلت في الناس..
يرفع الهاتف ويسأل عن أهله في تلك المدينة أو القرية وقبل الجواب تعصف به الظنون وتعصر قلبه ووجدانه...وأحيانا يجمح به الخيال فيذرف الدمع يخشى أن يكون واقعا..
دائما ما يكون الموت عند الناس واقعا مستبعدا وهذا هو سرّ الحياة..في هذه الأيام إمكانات النهاية في تفاصيل الحياة العادية اليومية في المصافحة وغيرها ..أسوأ المشاعر أن تحاصرك الظنون المنتهية باحتمالية الموت كأنّك تقبض على الجمر مكرها..
لا يمكن لهذا العالم أن يظهر شجاعته ..فعدوّه قاتل خفيّ ولا يمكن له أن ينكر هزيمته فأعداد الموتى تكشف حجم الفاجعة...
بعيدا عن انتصارات كورونا تتشكّل محاور أخرى للهزائم يواجه فيها الإنسان معرّفا بالألف واللام قيما وأخلاقا وسياسة وفلسفة وجود..

الأربعاء، 24 يوليو 2019

حركة النهضة :الخيارات المتناقضة ( سؤال الديمقراطيّة والانتخابات)


حركة النهضة :الخيارات المتناقضة ( سؤال الديمقراطيّة والانتخابات)
المعارك المؤجّلة والهزائم المخيفة
أعتقد أنّ حزب حركة النهضة التونسيّة يعيش أزمة حقيقية ستشمل آثارها المسألة الانتخابية ( انتخابات 2019) والمسألة التنظيميّة الهيكليّة للحزب.
كانت دعوة القواعد لانتخاب أعضاء القائمات الانتخابية لتشريعيّة 2019 مجازفة ومغامرة لم يدرك الداعون لانتهاجها ضررها وأثرها على التماسك التنظيمي للحركة حيث إنّ الاحتفاء بالشكل الديمقراطي الذي انتهجته النهضة "داخليا" أخفى  مخاوف كثير من الداعمين لها ولئن كان هذا "الشكل الديمقراطي" الذي تحرص الحركة على إظهاره شكلا دعائيا ذا قيمة تواصليّة فإنّه كان عاملا مساهما في كشف التناقضات العميقة التي حاولت إخفاءها منذ الحصول على التأشيرة الرسمية مارس 2011.
عشرون عاما من التهجير والقمع والظلم والمطاردة فعلت فعلها سياسيا وتنظيميا في الحركة التي وجدت نفسها في أتون الحكم بعيد انتخابات أكتوبر 2011 ولم يجد قادتها الوقت للنظر في الشقوق الدقيقة التي لا ترى في البناء التنظيمي وكان الضغط الداخلي والإقليمي عنصرا فاعلا في تأجيل النظر في المستويات الهيكليّة الداخليّة للحزب وكان " الاستقرار" التنظيمي للحركة متناسبا مع قوّة الضغط السياسي داخليّا وإقليميا خاصّة بعد الانقلاب الدموي في مصر 2013.
الوعاء الفكري والإيديولوجي للحركة ذات المرجعيّة الإسلامية كان ضامنا إلى حدّ كبير لذلك التماسك التنظيمي الذي ميّزها في ظلّ تلك المشهديّة السيّاسيّة التي غلبت عليها فوضى التشكّلات والانشقاقات والصراعات غير أنّ نهج الانفتاح الكلّي الذي تجلّى في إعداد القائمات للانتخابات البلديّة بدأ في فرز نتائجه مع دعوة منخرطي الحركة وهياكلها لاختيار أعضاء القائمات الانتخابية عبر آليّة الانتخاب المباشر.
في خفايا تلك المؤتمرات الانتخابيّة أكثر من علامة تحوّل  قد تؤول إلى تغيير جذري في صورة الحركة وهيكلها التنظيمي الراكد والمستقر الذي حفظته النهضة منذ تجربة التسعينات وحافظت من خلاله على كيانها السياسي وتماسكها الداخلي وبنائها الهيكلي المتين.
في خفايا تلك المؤتمرات تحالفات وصفقات انتخابية وقائمات متنافسة استوحت كثيرا من آليات الدعاية والتحشيد من أدبيات العمل النقابي في خوض  المؤتمرات النقابية وكثير من أشكال العمل السياسي البعيد عمّا ترّبت عليه الأجيال الأولى المحكومة بأدبيات العمل الإسلامي وفي جوهرها مبادئ " الأخوّة".
في خفايا تلك المؤتمرات ظهر مبدأ المنافسة السياسيّة بديلا لمبدأ " الأخوّة" وهو مبدأ تنظيمي جوهري وأصيل في فكر التيّارات والأحزاب الإسلاميّة ومن خلاله تتلاشى مغريات السلطة والحكم  غير أنّ النزوع للسلطة والحكم والنفوذ كان ظاهرا بيّنا في تلك المؤتمرات.
منازع جهويّة وعشائريّة كانت عنوانا من عناوين الدعاية للمترشحين وفي كلّ ذلك كانت ظلال المكتب التنفيذي وامتداداته الجهويّة والمحليّة في المكاتب والمجالس مخيّمة على المؤتمرات الانتخابية وفي خفايا الحديث مجموعتان محمّلتان برؤيتين مختلفتين في منهج العمل السياسي ومقاصده وهما مجموعة الشيخ راشد الغنوشي العائد من الغرب وأفكاره وتجاربه ومجموعة عبد الحميد الجلاصي المعبّر عن مظلوميّة الحركة في سنين المحنة والسجن.
في خفايا الحديث مخاوف من انحراف منهجي وقيمي قد يصيب الحركة في مقتل تنظيميا وسياسيا ومخاوف من تصدّعات قد تغذيها شهوة السلطة والحكم وهي شهوة مغرية ومدمّرة وفي  خفايا الحديث كذلك استسلام تبريري لضرورة الفصل بين "دعويّة" النشأة و"سياسيّة" المسار وللسياسة في فقهها ضرورات ومحظورات مباحة ونتائج بغير القصد وتبريرات بغير الخطاب أو الشعار.
ما عدّه البعض " انقلابا" عن نتائج تلك المؤتمرات الانتخابيّة عمّق الخلاف وأظهر كثيرا من خفايا " التدافع" الداخلي صلب الهيكل التنظيمي للحزب وأشار في غير مواربة إلى سطوة خطّ الشيخ راشد الغنوشي ضمن مؤثّرات القرار وصناعته صلب الهياكل التنفيذية أو حتى الشوريّة كما أشار إلى سعي الحركة إلى " تصعيد" رؤية مخصوصة اقترنت بخيارات الشيخ راشد الغنوشي وتحالفاته وتوافقاته تصعيدا زجريا خالف فيه كل الشعارات والخطابات التي تتباهى بمنهج " الدمقرطة" داخل الهياكل التنظيمية للحركة.
قد تبدو التعديلات مطلبا سياسيا محكوما بإكراهات داخليّة وخارجيّة ولذلك كان السير داخل الحركة في غير اتجاه مجموعة الشيخ راشد الغنوشي محكوما بالانتكاس غير أنّ ارتدادات هذا "الزلزال" الذي أحدثته تعديلات المكتب التنفيذي الوطني ستبقى مؤثّرة حتى ما بعد انتخابات أكتوبر 2019 وما غنمته الحركة في البلديات قد تذهبه في التشريعية.
أرى أنّ الشيخ راشد الغنوشي وازن بين متطلبات المرحلة سياسيا وما فيها من ضغوط داخلية وإقليمية وما يتطلبه الحزب هيكليا وتنظيميا وكان انحيازه للمعطى السياسي المملوء ضغوطا وإكراهات.
التعديلات الموجعة التي نسفت نتائج المؤتمرات الانتخابية نسفا ستؤثر انتخابيا على الحركة وستفقدها كثيرا من رصيدها ومناصريها وستهوي بفكرة "الديمقراطيّة " كمنهج وخيار انتهجته الحركة في مهوى سحيق وستعيد للمناصرين والمناوئين صورة الإمام الفقيه المؤتمن على الحركة وتاريخها ومستقبلها وسترسّخ في ذهن الدارسين لتجربة " الإسلام الديمقراطي" حتمية التنافر بينهما.
الانتخابات التشريعية المقررة في أكتوبر 2019 والخطاب التحريضي من خصوم السياسة والفكر سيمدّ الحزب ببعض من استقرار يحتاجه في هذه المرحلة أمّا بعيد الانتخابات فسنشهد حراكا كبيرا سيغيّر كثيرا من صورة الحركة وخياراتها.
من الصعب أن تكون " ديمقراطيا" ومستبدّا في آن ومن الصعب أن تكون عقلانيا عبر منهجية العقل التبريري وهو دائما عقل يقوم على المغالطة.
لم يكن حزب حركة النهضة مضطرا لخوض هذه التجربة" الديمقراطيّة" في تشكيل القائمات الانتخابية ولم يكن مضطرا للإجابة عن سؤال الديمقراطيّة داخل الهياكل الحزبيّة لأنّ سؤال الديمقراطيّة لم يخترق بعد جدار الوعي العربي المحكوم بثقافة الولاء والطاعة والزعيم الواحد والأوحد وهي ثقافة تشرّب من معينها رؤساء الدول وملوكها ورؤساء الأحزاب والعشائر والقبائل والقرى والدشر والمنظمات والجمعيات وزعماؤها.
محمد المولدي الداودي
تونس


الجمعة، 28 ديسمبر 2018

تونس: تمرّد بلون أحمر


تونس: تمرّد بلون أحمر
لم ييأس الطغاة ولم تيأس الثورة.
المرور إلى السرعة القصوى قصد تعطيل مسار الانتقال الديمقراطي  وإلغاء كل المكاسب التي حققتها تونس ما بعد الثورة أضحى أمر معلوما عند كل المتابعين للشأن السياسي التونسي .
انفكاك عرى التوافق كان شرطا ضروريا لكل المتربصين بتونس وثورتها للشروع في تحقيق مخطّط الفوضى والخراب ولم يكن الخلاف حول النقطة 64 المتعلّقة برحيل رئيس الحكومة يوسف الشاهد إلا الشجرة التي تخفي غابة المكائد والمؤامرات بل إنّ مؤشّرات كثيرة أكدتها تصريحات مختلفة لسياسيين منهم رئيس الدولة أشارت إلى تحوّلات غامضة وقاسية ستلوح في أفق الواقع السياسي التونسي.
يحتاج رئيس الدولة وهو رمز الدولة العميقة التي استعادت دورها بعيد انتخابات 2014 إلى إعادة عناصر الصراع مع المكوّنات الحزبيّة للثورة ومكاسبها القيمية كالحريّة والديمقراطية والكرامة والمواطنة ولذلك كان من الضروري إنهاء التوافق باعتباره شرطا سياسيا إجرائيا للاستقرار في حدّه الأدني وجميع مكونات التوافق من أحزاب ومنظمات مدركون أنّ التوافق في تونس لم يكن مبدئيا وإنما كان منهجيا إجرائيا فرضته شروط إدارة الشأن السياسي في ظل مناخ استقرار سياسي واجتماعي.
اختلاف الحزبين والشيخين حول مسألة استقرار الواقع السياسي والاجتماعي عبر استقرار الحكومة وعلى رأسها السيد يوسف الشاهد رسّخ التباعد وأضاف إلى الصراع الحزبي المتجدّد بتجدّد المناسبات السياسيّة ( الانتخابات البلديّة ثم الاستحقاق الانتخابي نهاية 2019) عناصر أخرى كانت حزءا من المشهديّة الحزبيّة في تونس وهي العائلة والجهة ولقد اختار رئيس الدولة العودة إلى نهايات حكم بورقيبة وحكم ابن علي حيث كانت العائلة عاملا حاسما في مسألة الحكم والسقوط.
اختارت النهضة الاستقرار الحكومي منفذا للاستقرار الاجتماعي والسياسي عبر الانتصار لشقّ يوسف الشاهد ومناصريه في البرلمان وفي حزب نداء تونس ولئن أشارت في بياناتها وندواتها ومؤتمراتها أن هذا الخيار أملته المصلحة الوطنية وضرورة الحفاظ على المسار الديمقراظي المهدّد داخليا وخارجيّا فإنّها كانت تدرك كذلك حجم ردّة الفعل من طرف رئيس الجمهوريّة وبقايا حزبه وابنه وهي ردّة فعل تداخل فيها البعد الذاتي الذي غلب عليه كبرياء السلطة من ناحية والثأر للعائلة والمنظومة القديمة من ناحية ثانية.
أعاد الرئيس الباجي قايد السبسي صياغة عناصر الصراع مستحضرا مشاهد 2013 وحاول إعادة تشكيل مكوّناته عبر المخاطبة السياسيّة للأحزاب كالجبهة عبر إثارة ملف اغتيال الشهيدين أو بقية الأحزاب المخالفة للنهضة عبر إعادة إنتاج الصراع الهووي ( مسألة الميراث ومدنيّة الدولة ) أو عبر المخاطبة الاجتماعيّة للهيئات والمنظمات وخاصّة الاتحاد العام التونسي للشغل الذي اختار مساندة الرئيس في مسألة التحوير الكلي للحكومة أو في ملف اغتيال الشهيدين.
المنافسة السياسية في تونس والمماحكات المستمرّة بين الأحزاب شرط طبيعي وضروري للحياة السياسية في واقع ديمقراطي ومكسب من مكاسب تونس مابعد الثورة ولكنّ الخطير هو الامتداد الإقليمي لهذا الصراع والعمل على نسف كل ما أنتجته الثورة نسفا كليّا عبر العودة إلى مربّع الخوف والقمع ولئن حاولت عديد الأطراف الخارجية منذ الثورة التدخّل المباشر وغير المباشر في الشأن التونسي والدفع في اتجاه النكوص الكلي وإعادة إنتاج المنظومة القديمة بنية سياسية ومنهجا في إدارة الحكم وشخصيات حزبية فإنّها لم تتمكّن من اختراق نظام الحكم والسياسة اختراقا كليّا بل إنّ مواصلة سياسة التوافق ومشاركة حركة النهضة في الحكم كان تعبيرا واضحا عن فشل المتربصين بالثورة ومكاسبها داخليا وخارجيا .
ما يحدث قبل سنة من إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية نهاية 2019 يبدو المحاولة الأخيرة ولكنّها الأشدّ والصراع في تونس هو صراع مع الزمن والكلّ يدرك أن نجاح تونس في إجراء الانتخابات نهاية سنة 2019 يمثّل فشلا كليّا لكل من أراد العودة إلى منظومة ما قبل الثورة ويؤكّد نجاح تونس في تجربة الانتقال الديمقراطي في فضاء إقليمي وعربي الغالب عليه صورة الخراب والاستبداد.
زيارة نجيب ساويرس وولي العهد السعودي المتهم مباشرة باغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي إلى تونس في مرحلة سياسية مضطربة وواقع اجتماعي محتقن يؤكّد المخاوف التي أعلنها سياسيون من أحزاب مختلفة ومتباينة في التوجهات والخيارات وإعلاميون أدركوا ضيق أفق الطغاة واتساع فضاء الحرية وما يؤكّد هذه المخاوف تلك الدعوات إلى احتجاجات شعبية في ظاهرها اجتماعية ولكنّها تحمل في ملامحها كثيرا من صور الثورة المضادة في مصر صائفة 2013 التي قدّمت للانقلاب المصري..
استنساخ تجربة تمرّد المصريّة المموّلة خليجيا واستحضار مشاهد الاحتجاجات في فرنسا ( السترات الصفراء) كلّها مؤشرات تعلن أنّ شهر جانفي لن يكون زمنا عابرا في التاريخ السياسي التونسي وإنّما سيكون تاريخا للمعركة الفاصلة سياسيا بين الثورة والثورة المضادة .
تونس عبر تاريخها لا تحتمل الصراع الدموي وحتما ستكون الحكمة والتعقّل أساس الحسم في كل الخلافات وسيبتكر العقل السياسي التونسي المبدع حلاّ مستلهما من التربة التونسية والوجدان التونسي والروح التونسية المتشبعة بقيم الحريّة والكرامة.





الأحد، 17 سبتمبر 2017

هل انتصرت الثورة المضادّة في تونس ؟

هل انتصرت الثورة المضادّة في تونس ؟

محمد المولدي الداودي : تونس
هل قدر " الثوّار" في تونس هو إحصاء خيبات الثورة ورسم خطوط انكساراتها ؟ومتى يكفّ الصبيان عن البكاء؟
أعتقد أن المصادقة على قانون المصالحة الإداريّة ليس إلاّ حلقة من حلقات مسار متعرّج ومنحرف للفعل الثوري التونسي من حيث المنطلقات والمسارات والنتائج..
الآن قد تبدو عبارة " ثورة" شكلا من أشكال المجاز اللغوي والتوسّع الدلالي المشحون امتداحا لحركة اجتماعيّة أسقطت رأس النظام ولم تسقط كلّ مكوّناته العميقة ولم يدرك " الثوّار" منذ البدايات الأولى المطالب الحقيقيّة.بل إنّ الشعارات التي صاحبت تلك الحركة الاجتماعيّة الغاضبة كانت ارتجالية وجدانيّة ومتحوّلة رؤية ووجهة فقد بدأت غضبا جهويّا في ولاية سيدي بوزيد ثمّ احتقانا اجتماعيّا من خلال شعار " شغل ..حريّة ..كرامة وطنيّة .." ثم اكتسبت طابعا سياسيّا من خلال توسّعها جهويّا واتّصال بعض المكوّنات النقابيّة والحقوقيّة والسياسيّة بها..
كانت تلك الحركة الاجتماعيّة الغاضبة حركة " إصلاحيّة " لا غير ولم يكن طموح " الثوّار " آنذاك إسقاط النظام وإنّما كان مطلق الأمل إجباره على الإصلاح السياسي والاجتماعي وتوسعة فضاء الحريّات..
الحركة الاجتماعيّة الغاضبة أو الثورة التونسيّة لم تكن تحمل إرهاصات فكريّة واضحة ولم تكن لها قيادة ثوريّة مدركة للمآلات وإنّما كانت تحوّلا عفويّا في سياق تاريخي كثيرة غوامضه وألغازه ولذلك كانت النتائج مناسبة لحقائق المسار " الثوري" ومتجانسة مع منطق أحداثه وتغيّراته ومتناقضة جزئيّا مع أحلام الناس وانتظاراتهم ..
بعيد سقوط رأس النظام استعاد الفاعلون السياسيون الذين وحّدهم قمع النظام معاركهم القديمة التي تعود إلى مرحلة الثمانينات ..تلك المعارك القديمة التي لم يعشها جيل الشباب لمدّة ثلاث وعشرين سنة كانت الانحراف الأساسي الذي أصاب المشهد السياسي وأسقط الكلّ في دائرة الفراغ والعبث وحين استعاد " الثوّار" معاركهم المزيّفة الطاحنة استعادت الدولة العميقة آليات تجدّدها وانبعاثها وسدّت منافذ انكسارها وعمّقت حضورها وفق سياق جديد استوعبت تحوّلاته...
لم يكن الشعب التونسي موحّدا في مواقفه من أحداث الثورة ولم يكن كذلك موحّدا في انتظاراته أو أحلامه " الثوريّة" وحين تناسى " الثوّار" المطالب الاجتماعيّة وانساقوا وراء خطاب نخبوي لا يفهمه عموم الشعب التونسي عملت الدولة العميقة على إبراز البعد الاجتماعي وفشل " الحكّام الجدد" في إدارة الأزمة الاجتماعيّة..
انشغل الفاعلون السياسيون الجدد بمعاركهم السياسيّة ولم يدركوا جميعهم رهانات السياق الثوري وتحوّلاته ولم  تكن مسألة ترسيخ المكتسبات السياسية  والحقوقيّة كالتعدديّة وحريّة التنظّم وحق التعبير وغيرها هاجسا جماعيّا وإنّما كانت في أحيان كثيرة مدارا للصراع  بين أحزاب وقوى سياسيّة أنتجتها الثورة ...استعان البعض من السياسيين والنقابيين والحقوقيين بمكوّنات الدولة العميقة وأركان الثورة المضادّة كالإعلام للإطاحة بخصوم السياسة بعيد انتخابات 2011 وفي 2013 تحوّلت هذه الاستعانة الخفيّة إلى تحالف موضوعي مكشوف بدا واضحا في اعتصام باردو حيث ارتقى " المناضلون السياسيون " نفس المنصّة مع جلاّدي النظام السابق وألقوا نفس الخطاب وطالبوا بنفس المطالب...بدأت التنازلات والبعد عن ذلك الأفق الثوري الحالم مع الفشل السياسي في إدارة مواضع الاختلاف بين الفرقاء السياسيين ومع وضوح التدخّل الأجنبي من خلال المخابرات والمال والإعلام وضمن سياق عالمي اتفق على إجهاض الحراك الاجتماعي والسياسي والثوري في العالم العربي..
أعتقد أنّ كبح جموح الثورة المضادة في العودة واستعادة كلّ مواقعها القديمة لن يكون بتكرار نفس الأخطاء  التي ارتكبها السياسيون والنقابيون والحقوقيون المحسوبون على الثورة فلكل نصيب في خيانة الثورة والإيقاع بالثائرين.. وأعتقد كذلك أنّ خطيئة المصادقة على قانون المصالحة الإدارية لن يقلّ جرما عن خطيئة اعتصام باردو الذي أسقط أوّل حكومة شرعيّة منتخبة بعد الثورة...
نداء تونس وهو الصورة الأوضح للثورة المضادّة في المشهد السياسي التونسي كان شريكا لكثير من " المناضلين" و" الحقوقيين" و" السياسيين المحسوبين على الثورة" وهو الآن شريك للنهضة في تعميق العودة إلى معاقله القديمة معاقل الحكم والسلطة ..
وليس عيبا أن يجني نداء تونس ثمار الخصومة والعداء بين " الثوّار" وليس عيبا أن يدرك سياسيو هذا الحزب مستوى المراهقة السياسيّة التي ميّزت " الثوّار" من سياسيين وحقوقيين ونقابيين ..العيب كل العيب في من منعهم الصرّاح في كلّ محفل والبكاء في كلّ مأتم عن إدراك التحذير وفهم النّصيحة ..
إنّهم مازالوا يصرخون ولا يفهمون..







الأحد، 26 مارس 2017

المقامة الكلبيّة

المقامة الكلبيّة





حدّثنا أبو يوسف الكلبيّ وكان واسع الحيلة سيّء السيرة قال:
اشتدّ الأرق بساكن قرطاج وعلا صوته وهاج..
فنصحناه: عليك بصديق العمر وقرين الصّغر يحدّثك عن تاريخ البايات ويذكّرك بما فات لعلّك تنسى شواهد الموت وآياته وتنعم بالحكم وشهواته ..فلبث زمنا قليلا في أنس وسعادة يطربه حديث الصّبا وتفرحه ذكرى الأوّلين يرويها شيخ التّسعين حتى استعاده فراغ القصر وخواؤه وعاوده قلق العمر وفناؤه.
قال: فسألناه الصّبر والتهيّؤ للقاء القبر.. فأبى التقوى وبالغ في الشكوى ونادى نداء المستغيث: يا كمال ..يا مغيث.. يا من تسكن الظلّ تصطنع الأزمة وتهدي الحلّ..فأجاب بوقلاّب من وراء الباب ..نعم هو ذاك..سيّدي إن آتاك ...ففيه الشفاء وفيه الدّواء .
قال :وكنت منه على حذر أعلم خبثه وسوء فكره ..فدفعته إلى الشيخ دفعا وأمرت الجمع بالاستخبار وتسجيل الحوار ليوم الحاجة وإسكات أصحاب المكر واللجاجة.
أغلقنا الأبواب وانتظرنا الجواب وسمعنا الشيخ يسأل سؤال الحيران فيفتيه كمال باطمئنان وقال " السياسة عندي فنّ وصناعة وقد أزحت رفيق صباك وقد علمت .قال  الشيخ "شهدت" ثمّ " وجئت من بعده بمن عرفت"قال الشيخ "شهدت" وأخرجتك من محنة النسيان وأنزلتك في البرلمان..هل تذكر أم نسيت؟قال" شهدت".
قال أبو يوسف الكلبيّ: وكنّا في عجب ممّا نسمع فقد كان  يذكّره بإحسانه عليه فيشهد وينقله من خبر إلى خبر فيؤكّد وكان وهو يحدّثه مقرّا بالنعمة لا ينكرها مثبتا للرواية يسندها..فعجبنا من حكايا التاريخ كيف يعرفها ومن صناعة أحداثه كيف أتقنها..
قال: طال تذكير الشيخ بالمآثر والنّعم وهو يردّ "بنعم" حتى قال كمال..وهيئنا لك أمر الحكم بعد الخلع والفرار ونفضنا عنك الغبار وأخرجناك من أرشيف السياسة وأوردناك الرئاسة من غير سابق تعريف فأنكرت النعمة وحدّثت بحديث الثورة وتوهّمت في نفسك القوّة .
وخفت صوت الشيخ وهو يجيب وعلا صوت كمال في تعجيب: ثورة البرويطة أفشلناها وتجربة الترويكا أسقطناها ولنا في الحكم خبرة ولنا في السياسة فطنة وهذا القصر نعلم أسراره ونحن من صنعنا سكّانه منذ أحقاب وما رجونا يوما ثواب ..وأنت اليوم بين أيدينا كما نشاء أوردناك القصر ورد الشّاء إلى مراتعها والمياه إلى مواردها.
قال: فسمعنا صوتا كالنحيب اهتزّ له وجدان بوقلاّب من وراء الباب ونادي القماري من بعيد فجاء يسبقه سؤاله وتسمع قبل الوصول عواءه ..وطال الصمت في داخل المقرّ وترقّب الجمع سوء العاقبة وظنّوا بأنّها الخاتمة حتى قال الشيخ متودّدا وقد بدا في رجائه متردّدا يا كمال يا صاحب الخصال: لقد عاصرت البايات زمانا ورثت خدمتهم وشهدت متعتهم وكنت في ملاهيهم زمن الصبا أتبع الوالد أوقد لهم "السبسي" وأرعاه حتى زال الاحتلال وقالوا قد نلنا الاستقلال فركبت موجة التحرير مع من ركبوا من الرّجال وتقرّبت إلى الحكّام الجدد ولعنت من كنت أخدمهم من الملوك والبايات وقلت "ذاك زمان قد فات " وحكمة الحياة في عيش يومك لا ذكرى أمسك.
وكنّا نسمع غمغمة  وسؤال فتزداد لعثمة الشيخ في المقال وهو يضيف: يا كمال "نلت الوزارة وجمعت سلاح الفلاّقة وأعددنا السّجون والزنازين لمن عارض بورقيبة والفرنسيين وأدّينا واجب الطّاعة حتّى أتانا أمرك بخلع "الحبيب" طاوعناك وكنّا لك عونا وعلى المعارضين عينا وشهدنا بالبيان وهذه شهادة تكفيك..يا كمال يا صاحب الخصال والمال : أنا أحفظ العهد وأبقى على الوعد وقد هبّت عاصفة الثورة فأنحنينا إنحاءة المحتال ينتظر عبورها ثمّ يستعيد طبعه ولا ينسى أصله..
قال أبو يوسف الكلبيّ:سمعنا صوت أقدام تطوف في المقرّ وسمعنا وجيف شيخ ينتظر.. وصارت اللحظة شهرا والسّاعة دهرا وكان بوقلاّب يعتصر كفّ القماري في اضطراب وكأنّه يسأله عن عاقبة الأمور وما سيأتي من شرور.
قال: حتى علا صوت كمال بالجواب فتناوب القماري وبوقلاّب الوقوف على الباب يسترقان السّمع ويردّدان الخطاب في همس وإعجاب..كمن يعجب لقول سيّده ويهتم بحكم آمره .
" أشير عليك يا شيخ الحاجة وقد مضى منك العمر واقتربت السّاعة  بملازمة صحبي فإنّ وفاءهم من وفاء الكلب يحرسون القصر ويطيعون صاحب الأمر وهم لي خدم أعطيهم من القليل فيتذلّلون علامة استزادة النعم ..وكان في وصفه  مجيدا والشيخ يسمعه متعجّبا من حسن معرفة صاحب الخطاب بأصناف الكلاب:
قال:وأضاف معرّفا الأنواع والأصناف والصّفات والعادات ذاكرا كلّ اسم والشيخ يستزيده النّصيحة والفهم.
قال: " أفضل الكلاب القماري وبوقلاّب ..عواؤهم تعمية وصراخهم تلهية ويكفيهم القليل من الطعام فيكثرون من فصيح الكلام ..يحرّفون الحقيقة عن مواضعها ويكثرون من الكذب على عامّة  الشعب ..قال الشيخ مقاطعا المبالغة في التعريف  هذا ما خبرناه وقد عرفنا فضليهما في التزييف وهما الآن في حديقة القصر يأخذان بعضا من طعام ثمّ يعودان ليلا للإعلام.
ثمّ قال" أمّا بن تيشوس فصنف من الكلاب يحترف تركيب الأفلام وتحريف الأرقام كان هذا حين انتحل صفة "أنينيموس" حادثة معروفة في التشهير ولها أثر في التشويه كبير."
قال أبو يوسف الكلبيّ: وذكر من أصناف الكلاب الكثير وحدّث عن خصالها وأحسن أعمالها ونحن نتعجّب من دهاء الكلب وخبث سيّده وكلّما عاود الحديث عن بوقلاّب ووفائه اهتزّت أكتافه عجبا وارتعش صوته طربا ..
وكان في زهو هو يحدّث عن آثاره في القصر كأنّما يذكّر الشيخ خوف النسيان أو انقضاء العمر حتى تعالى صوته بسؤال " يا كمال: حدّثني عن كلاب شفيق فقد حدّث عنها  فريق في القصر يهواه ويتغنّى بماله وثراه ..فسمعنا صرخة كالرّعد اهتزّ لها القماري وأتبع الصّرخة بالتهديد..إيّاكم وشفيق أو كلاب شفيق..ثمّ أضاف في اعتراف "الحقّ أقول إنّ بيننا اتفاقا معلوما لا ننكره وعهدا معروفا لا ننقضه ..كل منّا يحرس كلبه أويربطه".
محمد المولدي الداودي.