الخميس، 10 ديسمبر 2015

الإرهاب في تونس: سؤال الوطن ..سؤال المواطنة

الإرهاب في تونس: سؤال الوطن ..سؤال المواطنة


مازلت على يقين أنّ معالجة الظاهرة الإرهابيّة في تونس  لابدّ أن تمرّ  بطرح سؤال المواطنة.وأنا كذلك على يقين أنّ المعالجة الأمنية والعسكريّة لا تكفي للقضاء على هذا الفكر أو ما تمارسه الجماعات الإرهابيّة من جرائم في مواجهة الدولة.
كثيرون ولدوا وعاشوا ثمّ ماتوا ولم يشعروا قطّ أنّهم أبناء لهذه الأرض وهذه الدولة ...ولابدّ من الإقرار بحقيقة ثابتة في نفوس الكثيرين وهي أنّ الدولة التونسيّة منذ الاستقلال ليست لجميع سكّانها.
أسئلة ذات مضامين وجدانيّة تحدّد اختلاف الموقع والرؤية وتعيد طرح السؤال الأهمّ الذي تلكّأ السّاسة في الإجابة عنه.هل نحن مواطنون أم مجرّد سكّان لقطعة من الأرض؟ إنّه الاختلاف بين مفهوم الدولة ومفهوم الوطن.
الوطن يتجاوز التعريف السياسي والقانوني والتاريخي للدولة هو حالة انتماء وجداني عميق وهو كذلك حالة من الانتماء الذهني والنفسي إنّه لحظة انصهار وجداني واختزان عاطفي لمكوّنات متداخلة يلتقي فيها التاريخي والخرافي والديني وهو الإجابة العفويّة والعاطفيّة عن سؤال تونس وشعبها.
تونس الأرض والوطن ليست واحدة في نفوس أبنائها وهي عند البعض سنون القهر والفقر والحرمان والانقطاع عن حلم الدّراسة بسبب قلّة ذات اليد ..وهي الموت في المسالك البعيدة في رحلة أخيرة نحو مستشفيات العاصمة أو المدن السّاحليّة وهي أحيانا العجز على إكمال الدّراسة الجامعيّة بسبب الحاجة.
في تونس لا يتّفق التاريخ الرّسمي الذي كتبه "المنتصرون" مع ما تختزنه ذاكرة النّاس في الجنوب والمناطق الدّاخليّة.وكثيرون من طلبة المناطق الداخليّة والجنوب التونسي يقرؤون تاريخا يعلمون مواضع الزيف فيه. لقد ارتبط التاريخ التونسي المعاصر بخرافة الزعيم و ما أنتجه من سياسات تنمويّة وثقافيّة وتربويّة والزّعيم عند كثير من التونسيين صورة مؤلمة تختزنها ذاكرة السجناء والمهمّشين والفقراء والمحرومين.
جغرافيا تونس لا تعرّف طبيعيّا أو مناخيّا وإنّما هي جغرافيا اجتماعيّة وتنمويّة ومناخ سياسي واقتصادي واستثماري .
على السّاسة إعادة طرح السؤال الحقيقي لأنّ حسن طرح السّؤال من حسن الإجابة والسؤال في كثير من الجهات هو سؤال الوطن والمواطنة. وحين يشعر النّاس بوحدة الانتماء الوطني حتما ستختفي كثير من العبارات التي شكّلت الواقع السياسي والأمني في تونس اليوم ومنها عبارات الإرهاب والإرهابيين.
مسألة الهويّة التي ألغاها بورقيبة عبر إلغاء التعليم الزيتوني ومواجهة الفكر الإسلامي لابدّ من إعادة طرحها بعيدا عن الصرّاع الفكري والسياسي ولابدّ أن يدرك السّاسة أنّ المسألة التربويّة مسألة تتجاوز الخيارات السياسيّة للأحزاب وتتجاوز الصّراع الإيديولوجي حول مسألة " النّمط المجتمعي" لتقع في صميم البناء المتوازن لشخصيّة الفرد التونسي غير المستلب غير المتغرّب أو المتعصّب ولئن أدرك اليسار التونسي في بداية التسعينات أنّ المعركة الفكريّة مع العدوّ الإيديولوجي( الإسلاميون) ساحتها التعليم عبر "سياسة تجفيف المنابع" فقد أنتج جيلا لا ينتمي إلى المضمون التربوي المضمّن في البرامج والمناهج الدراسيّة بل إنّه يعاديها..
الإعلام كذلك ساحة أخرى من ساحات إنتاج العنف والجريمة وكذلك الفعل الثقافي في تونس كالمسرح والسينما وغيرها من الأعمال الفنيّة التي تميل إلى ترسيخ الشخصيّة المحبطة والمغتربة والشاذّة والمناقضة للعمق القيمي للشخصيّة التونسيّة .
كثيرون يجب " محاكمتهم" رمزيّا وعبر إعادة الصياغة لما أنتجوه سياسيّا وتربويّا قبل الشروع في معالجة الظاهرة الإرهابيّة المعقّدة من حيث التحليل والمركّبة من حيث العناصر البنائيّة المكوّنة لها.
يجب محاكمة السّاسة الذين رسموا الملامح الأولى لدولة الاستقلال على جريمة حقيقيّة في حق جهات كثيرة .ويجب محاكمة المشرفين على السياسة التعليميّة منذ الاستقلال وكلّ الذين رسّخوا الاستبداد والقمع باعتباره منهجا من مناهج مواجهة خصوم السياسة والفكر ويجب محاكمة المنظومة الإعلاميّة والقضائيّة والأمنيّة التي كانت وسائل طيّعة بيد الجلاّد والظلمة.
المعالجة الأمنيّة للظاهرة الإرهابيّة لا تسقط المطالبة باحترام حقوق الإنسان والحريّات ولا يمكن أن تشرّع لعودة الممارسات القديمة فقد أنتج هؤلاء "العائدون" إلى وزارة الداخليّة وبقيّة المؤسسات ما تعانيه الدولة التونسيّة اليوم من تفاوت اجتماعي وجهوي وفشل في المنظومة التربويّة والأمنيّة والعسكريّة .
الشباب الذي توجّه إلى مناطق التوتّر في العالم وتبنّى الفكر المتطرّف والعنيف أمضى سنوات تكوينه الفكري والوجداني في ظلّ نظام ابن علي. وكان الثمرة القاتلة لسنين عجاف من القمع والظلم والتعمية والتلهية والتجويع والترويع :فكيف يسأل الزرّاع عن فساد نباتهم ؟
محمد المولدي الدّاودي
تونس




الأحد، 29 نوفمبر 2015

دوّار الغلايقية سبيبة

معتمدية سبيبة

دولة الحزب ..وحزب "الزّعيم"

دولة الحزب ..وحزب "الزّعيم"



يبدو أنّ تذكير رئيس الدولة بتخليه عن رئاسة حزب حركة نداء تونس بسبب" ضرورة" دستوريّة لم يكن إلاّ اعتراضا في معنى الدلالة النحويّة والدلالة السياسيّة حيث انجرّ انجرارا إلى الحديث عن الأزمة الداخليّة للحزب الذي كان يترأسه وتبدو تلك المقدّمة التي انطلق منها في الحديث عن الهدنة الاجتماعيّة والسلم الاجتماعي مدخلا تمهيديّا و"ديباجة" تؤطّر جوهر الخطاب ..السيّد الرئيس في هذا الخطاب لم يكن رئيسا لكل التونسيين وإنّما أكّد في هذا الخروج الإعلامي أنّه لم يفكّر إطلاقا بمنطق المتغيّرات السياسيّة والدستوريّة بعد الثورة وإنّما كان تفكيره كما صورته وسلوكه "نسخة" مشوّهة لبورقيبة الذي كرّس في السياسة التونسيّة ذلك الجمع المخيف بين الدولة ومؤسساتها والحزب وإطاراته ..
لقد كان الباجي قايد السبسي هذه الليلة رئيسا لحزب أنهكته الصراعات السياسيّة ولم يكن رئيسا للتونسيين غير أنّ الباجي قايد السبسي كان يدرك أنّ تهاوي الحزب الذي رمّمه يساوي تهاوي كرسيّ الرئاسة في قصر قرطاج ..
الحديث عن حزب سياسي بدل الحديث عن هموم الشعب ومشكلاته يطرح السؤال الأهمّ في تونس : هل أدرك الرئيس أنّ مشكلة الحزب الذي رمّمه سرعان ما ترتدّ إلى مشكلة وطنيّة عبر صراع الأجنحة فيه؟ هل أجاب الرئيس هذه الليلة عن ظاهرة الإرهاب في تونس ومن يستثمر في الدّم التونسي؟أنا فهمت في غور الخطاب جوابا عن سؤال يطرحه الشعب عن رئيسه وفق العبارة المجازيّة بمعنى دلالة الجزء عن الكلّ .
الباجي هذه الليلة لا يمثّل كلّ التونسيين ولقب "الرئيس" بالنسبة له منذ هذه الليلة هو توسّع مجازي لا يعبّر عن الحقيقة.وذاكرة الباجي التي تؤرّخ للتاريخ التونسي المعاصر منذ البايات ثمّ نظام بورقيبة ونظام ابن علي وانتهاء بالثورة لم تسقط معتقداته السياسيّة التي يستمدّها من "زعيمه الملهم".
هذه الليلة أيّها السادة ابتلع الحزب الدولة واستعار الرئيس صورة الزّعيم وأستعاد التاريخ دورته القاتلة...دولة الحزب ..وحزب الزّعيم ..أمّا الشعب فخارج دائرة الدولة وتحت سلطة الزّعيم.
تحيا الدولة التونسيّة ولتسقط كلّ الأحزاب.
يحيا الشعب التونسي وليسقط كلّ "الزعماء"
محمد المولدي الداودي
سبيبة القصرين


الجمعة، 20 نوفمبر 2015

المعطّلون عن العمل في القصرين : عنوان للتهميش ورقم في الصراع السياسي





المعطّلون عن العمل في القصرين : عنوان للتهميش ورقم في الصراع السياسي
تتجاوز نسبة البطالة في ولاية القصرين 32 بالمائة وهي الأعلى وطنيّا وتشّكل البطالة في الولاية وجها من وجوه التهميش الذي عاشته الجهة منذ الستينات ولذلك كانت عنصرا من العناصر المحرّكة للحراك الثوري في الولاية وفي المناطق الداخليّة بصفة عامّة .ولئن حاولت حكومات ما بعد الثورة معالجة هذه المشكلة في إطار مقاربات تنمويّة محمولة على تصوّرات سياسيّة فإنّها لم تدرك الأبعاد المتشابكة في تعميق أزمة البطالة في الجهات الداخليّة.:
1* سياسات تعليميّة تقوم على إغراق الجامعة.
2* اعتماد المحسوبيّة والرشوة والجهويّة في التوظيف.
3* سياسة تسكين جهوي عبر التوظيف الاستثنائي.
4* توظيف استثنائي يتداخل فيه الحزب مع الدولة.
5* تضاؤل دور الدولة والمؤسسة العموميّة.
6* غياب للقطاع الخاص وإمكانيّاته التشغيليّة.
7* ضعف بنية الاستثمار :( بنية اجتماعيّة- بنية إداريّة قانونيّة – بنية تحتيّة ).
حلول ارتجاليّة وسطحيّة:
1* نظام الآليّات.
2* آليّة التعويض والنيابات ( التعليم).
3* آليّة التعاقد ( المؤسسات نصف الحكوميّة والمؤسسات الخاصّة).
مطالب وحقوق:
1* إرادة سياسيّة : إذ ترتبط مسائل التنمية في الجهات الداخليّة بالقرار السياسي ومنه تفعيل التمييز الإيجابي عبر مجموعة القوانين والمشاريع التنمويّة العموميّة ذات القدرة التشغيليّة العالية.
2* تشجيع الحاصلين على الشهادات العليا على القيام بمشاريع استثماريّة ( تغيير القوانين – تسهيلات إداريّة – تشجيعات ماليّة).
3*  معالجة ملفّ النيابات في التعليم الثانوي معالجة هيكليّة ( الإدماج وفق آليّة مناسبة تكون محلّ حوار وتوافق بين كلّ الأطراف أو الترفيع في نسبة الانتداب بما يحقّق إدماج الأساتذة النوّاب في خمس سنوات.)
4* تنفيل الجهات الداخليّة بمجموعة من النقاط تعتمد في المناظرات وفق مبدأ التمييز الإيجابي.
5* تثمين الموارد الطبيعيّة والإنتاجيّة التي تميّز ولاية القصرين باعتبارها عناصر بنائيّة في صياغة أفكار المشاريع وتدخّل الدولة في تنفيذها .

محمد المولدي الداودي



الأساتذة النوّاب: متى تنتهي المهزلة؟










الأساتذة النوّاب: متى تنتهي المهزلة؟
"ليس الاسترقاق إلاّ شكلا من أشكال مبادلة أمل الحياة بالحياة نفسها"
محمد المولدي الداودي
أقول هذه الكلمات من وحي ما رأيت اليوم ...وما أدركته من غور الجرح حين يصبح وهم الشغل في وطني مطلبا للمعطّلين من أصحاب الشهادات العليا. حرص زملائي المعطّلين من أصحاب الشهادات على خوض معركة النيابات في قطاع التعليم الثانوي وقطاع التعليم الابتدائي هو وجه من وجوه الرّضا بوهم الشغل عن الشغل نفسه.صنّاع السياسة في وطني يدركون تلك الحاجة في بعدها المادّي وفي بعدها النفسي ثمّ يحوّلونها إلى سياسة اقتصاديّة تعصر ما في جهدهم المعرفي مقابل ثمن بخس وأمل زائل بالشغل.في نفس المؤسسة التربويّة يخطّون نفس الحرف الذّي يخطّه زميل لهم في القاعة المجاورة وفي نهاية الشهر تكتب مراسيم الحكّام وأصحاب القرارات ومؤوّلي القوانين وشرّاحها جرايات المنتدبين وتبقي على أحلام الأساتذة النوّاب معلّقة في مكاتب المسؤولين في المندوبيّات الجهويّة للتربية.
يتربّص بهم الأجر شهورا ثمّ ينالونه نكدا مقسّطا وفي نهاية السنة الدراسيّة يؤوبون إلى أوهام الشغل في السنة القادمة ويعدّون عدّة المعركة الزّائفة.
هم نحن وليسوا منّا ..وهم عيب السياسة التربويّة ومساراتها تجسدّت وجعا إنسانيا نراه في خطوهم وفي سرّهم وفي جهرهم.
سأقول ما رأيت في وجع الكلام وما سمعت من زفير الحلم ترميه أقدار السياسة ومقاديرها في وادي سحيق ..
أعدادهم تجاوزت العشرة (10) آلاف وهم في رؤية مسؤولي وزارة التربية "جيش من الاحتياطيين " تستدعيهم الحاجة لتسديد الشغورات ثمّ يلقى بهم في شوارع المدن ومقاهيها بعد انتهاء المهمّة.يمضون عقودا ترتهن جهدهم  وحين تنتهي آجال العقد يرمون أحلامهم ويستعيدون أوجاع البطالة وفي تلك الرحلة القاسية بين تجربة التدريس والانتهاء منه تمرّ كل الآلام ..شعور بالخواء الوجودي لا يماثله إلاّ شعور الموت أو الفقد وإحساس مرّ بالارتهان.
لقد أعاد طرح ملفّ الأساتذة النوّاب مسألة الخيارات التربويّة وأشكال الانتداب في القطاع التربوي وطرحت من جديد مشكلة التعويض وفق صيغ استثنائيّة كانت قبل الثورة ممرّا للمحسوبيّة والتمييز السياسي ومثّلت مراجعة تلك الصيغ من التشغيل الهشّ مطلبا نقابيّا تحقّق قبيل الثورة بقليل.ولكنّ الحاجة إلى تسديد الشغور الظرفي في القطاع التربوي ظلّت قائمة وأكّدت استمراريّة هذا الإشكال.
بعيد الثورة تحوّل ملفّ تسوية وضعيّة الأساتذة النوّاب إلى مطلب أساسي وانخرطت النقابات في معالجته فكان الاقتراح بداية قائما على إدماج كلّ من بلغ ثمانية عشر شهرا منذ 2008 إلى حدود 2013 ثمّ اتفق الطرف النقابي والطرف الحكومي على إدماج نسبة 10 بالمائة من عدد المنتدبين في قطاع التعليم الثانوي أي ما يساوي تقريبا 240 أستاذا نائبا في كلّ الاختصاصات.
تسوية ملفّ الأساتذة النوّاب تسوية نهائيّة وكليّة أمر عسير في ظلّ ارتباك الخيارات وتردّدها في مسألة الانتداب ( الإصلاح التربوي والتخلّي عن مناظرة الكفاءة والبحث عن أشكال أخرى للانتداب) .لقد كان تسوية ملفّ الأساتذة النوّاب مطلبا نقابيّا أقرّه المؤتمر العادي للنقابة للتعليم الثانوي في أكتوبر 2014 وضمّنه في اللائحة المهنيّة ودعت النقابة العامّة إلى تشكيل لجنة مشتركة بين الطرف الاجتماعي والطرف الحكومي للنظر في مخارج جديّة وموضوعيّة تنصف الأساتذة النوّاب الذين انعكست معاناتهم على واقع القطاع التربوي كانعدام الاستقرار البيداغوجي والحرمان من التكوين والإرشاد.
ولقد حرص كثير من الأساتذة النوّاب في جهة القصرين على عقد ورشات عمل للبحث في الحلول وتقديم المقترحات التي يرونها منصفة لهم ومنها التالي:
-       تمكين الأساتذة النوّاب المباشرين للتدريس من التغطية الاجتماعيّة .
-       تمكين الأساتذة النوّاب المباشرين للتدريس من التكوين البيداغوجي.( التفقّد وحصص التكوين البيداغوجي).
-       الترفيع في الأجر الذي يتقاضاه الأستاذ النائب المباشر للتدريس بما يناسب أجر الأستاذ المنتدب.
-       اعتماد آليّة الخلاص الشهري .
-       التأكيد على ضرورة الإدماج وفق مقاييس موضوعية ومنصفة للأستاذ النائب ومنها.
·       إدماج كل أستاذ بلغت مدّة نيابته في التدريس 25 شهرا من 2008 وإلى آخر نيابة أنجزها الأستاذ النائب.
·       إدماج الأساتذة النوّاب الذين بلغت مدّة نيابتهم من 18 شهرا إلى 25 شهرا ابتداء من 2008 وانتهاء بآخر نيابة أنجزها الأستاذ النائب على مراحل ( 05 سنوات )
ملاحظة: قد يبلغ عدد الأساتذة النوّاب الذين سيتمّ إدماجهم وفق هذه الصيغة 850 أستاذ في كلّ سنة مقترحة للإدماج ويكون مجموع الأساتذة النوّاب المدمجين في مدّة 05 سنوات 4250 أستاذا أي ما يساوي تقريبا نسبة 28% من مجموع الانتداب في قطاع التعليم الثانوي.
·       إدماج كلّ أستاذ نائب أمضى 04 عقود لنيابة مستمرّة في مركز شاغر واعتماد التقرير البيداغوجي في قرار الإدماج على أن تعتمد قاعدة البيانات الخاصّة بالأساتذة النوّاب المعتمدة جهويّا.




الخميس، 19 نوفمبر 2015

من وحي أحداث فرنسا 2015




من وحي أحداث فرنسا 2015
من الجزائر بدأت القصّة ..أفلا تفقهون.


لقد كانت المسألة السياسيّة وأشكال إدارة الحكم ورعاية مصالح النّاس بابا من أبواب الفكر الإصلاحي في بدايات القرن التاسع عشر. كما كان سؤال "النهضة "في وجهها السياسيّ أحد محاور الجدال الفكري بين المدرسة الأصوليّة والمدرسة التحديثيّة في مصر وتونس وغيرها من الأقطار. وبعيد سقوط الخلافة العثمانيّة سنة 1924 أعادت جماعة "الإخوان المسلمون" سؤال المشاركة السياسيّة إلى واجهة الفكر الإسلامي الإصلاحي .وأكّدت في أدبيّاتها ورؤيتها الفكريّة ذلك التلازم بين الإصلاح السياسي والواقع الاجتماعي والاقتصادي. وأشارت في كتاباتها إلى ضرورة الفعل السياسي بعيدا عن الجمود الفقهي والالتزام الدعوي.
واجهت الجماعة صراعا مريرا مع الأنظمة العسكريّة في الستينات. ولكنّها أكّدت في شدّة المحنة على أنّ الفعل السياسي هو السبيل الوحيد للتغيير .ومن فكر الجماعة ومنهجها التنظيمي نشأت حركات وجماعات إسلاميّة في كل البلدان العربيّة. ومنها حركة الاتجاه الإسلامي في تونس وجبهة الإنقاذ الجزائريّة وحركة حماس الفلسطينيّة وجبهة العمل الإسلامي في الأردن وحزب الإصلاح اليمني .كما نشأت حركات في كلّ البلدان الإسلاميّة تستمدّ فكرها من فكر الجماعة الأمّ في مصر.
في بداية الثمانينات بدأت ملامح تهاوي الأنظمة جليّة ظاهرة في تونس والجزائر ومصر. وشهدت كثير من البلدان العربيّة حراكا شعبيّا امتزجت فيه المطالب الاجتماعيّة بالمواقف السياسيّة. وبدأت الحركة الإسلاميّة في الظهور على السطح السياسي. وفي نهاية الثمانينات كان العمل السياسي الإسلامي هو الأقدر على الحشد والأكثر تأثيرا في الأوساط الشعبيّة والأكبر شعبيّة لدى النّاس وخاصّة الطبقة المتوسّطة بعيدا عن النخب العلمانيّة أو العسكريّة .
في خمسة (05) أكتوبر 1988 شهدت الجزائر انتفاضة شعبيّة عارمة استفادت من ثورات أوروبا الشرقيّة. وانتهت بنتائج سياسيّة ألزمت الحكومة الجزائريّة آنذاك بإقرار التعدديّة السياسيّة والانفتاح السياسي. وبدأت ملامح المشهد السياسي الجزائري في التشكّل من جديد بعيدا عن سطوة حزب جبهة التحرير الوطني. واستفادت الجبهة  الإسلاميّة للإنقاذ من هذا الانفتاح السياسي.
في سنة 1991 حققت الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ فوزا محقّقا في الانتخابات البرلمانيّة ممّا دفع الجيش إلى التدخّل وتعطيل الانتخابات وإلغاء النتائج.
لم تكن فرنسا بعيدة عن الأحداث في الجزائر المستعمرة القديمة والحديقة الخلفيّة وبوّابة فرنسا إلى إفريقيا. بل إنّ قرار تعطيل الانتخابات يخفي في أسراره موقفا فرنسيّا يرفض رفضا مطلقا صعود الإسلاميين. وغير بعيد عن الجزائر كانت فرنسا ترعى جنرالا صاعدا في تونس بعد انقلابه على "بورقيبة" وهو ما أوقف المدّ السياسيّ الإسلاميّ برعاية فرنسيّة وغربيّة.
لقد كان تعطيل الانتخابات في الجزائر وإلغاء نتائجها قرارا فرنسيّا نفّذه جنرالات الجيش .كما كان هذا القرار إيذانا ببداية العشريّة السوداء الدامية في الجزائر ..عشريّة من القتل والدم اختلطت فيها أوراق السياسة والعمل المخابراتي ومصالح لوبيّات المال والنفوذ .لقد كانت حربا "قذرة" أعادت العسكر إلى واجهة الفعل السياسي وأخرجتهم من الظلّ إلى العلن. ولم تكن المسألة الديمقراطيّة ذات شأن عند الفرنسيين فقط معارك الاقتصاد والنفط والغاز. لقد كان الإسلاميون في الرؤية الغربيّة والفرنسيّة خاصّة عنوانا للحظر السياسي وإن تبنّوا المنهج الديمقراطي.الإسلاميّون في الرؤية السياسيّة الغربيّة لا يجب لهم الحكم لأنّهم يحملون منهجا ورؤية إصلاحيّة لا تتفق في نتائجها مع رؤية الغرب للعالم العربي الفضاء الجغرافي للمستعمرات القديمة.
في الجزائر كانت المعركة بين النظام والجماعات الإسلاميّة المقاتلة طاحنة وفي تونس طحن نظام ابن علي الإسلاميين عبر التهجير والسجن والتعذيب ..كان كلّ هذا على مرأى ومسمع من أوروبا " واحة الديمقراطيّة والحريّات" .
يتكرّر المشهد الجزائري في فلسطين بعد فوز حركة المقاومة الإسلاميّة حماس فتحاصر من كلّ البلدان ويزجّ بنوّابها في السّجون .وبعد الثورات العربيّة وصعود التيّار الإسلامي عبر آليّات الديمقراطيّة حوصرت التجربة التونسيّة مع حكم الترويكا ومن فرنسا ذاتها التي دعّمت الديكتاتور حتّى آخر أيّامه .وفي مصر دعّم الغرب انقلابا عسكريّا داميا .وفي سوريا رعى الغرب صراعا دمويّا وأبقى على طاغية يقتل شعبه خوف وصول الإسلاميين.
لقد كانت الرؤية السياسيّة الغربيّة تجاه البلدان العربيّة حلقة استدلال في الخطاب الدعائي للجماعات التكفيريّة. وهو خطاب لا يحتاج إلى كثير جهد. وسيفقد السؤال وجاهته إن هو أعاد تلك الإجابات السّاذجة عن الحركات الجهاديّة والإرهابيّة.
على الغرب إن يعيد قراءة الدّرس عبر أدوات تحليليّة مختلفة عن مصادرات الفكر السياسي الغربي ومقدّماته.وحين تزدحم ذاكرة النّاس بجرائم الكيان الصهيوني المدعوم غربيّا, وحين تتوالى مشاهد قتل الأبرياء في سوريا ومصر والعراق في ظلّ تآمر غربي مكشوف ,وحين يدعم الغرب كلّ الطغاة والغزاة فاعلم أنّ تلك الذاكرة المسكونة بمشاهد الموت في كلّ مكان عربيّ وإسلامي ستتحوّل إلى عقل إجرامي تدفعه رغبة الانتقام.

محمد المولدي الداودي
تونس