1. مقدمة: عندما
يغادر النص فضاء "الكتاب" إلى فضاء "الأخشاب"
لا تكتمل
ماهية النص المسرحي بوصفه جنساً أدبياً إلا حين يتحرر من "عزلة الكتاب"
ليعانق "حيوية الأخشاب"، حيث تنبعث الحياة في الكلمات عبر سيميولوجيا
الركح وفعل المحاكاة. في "مغامرة رأس المملوك جابر"، لم يقف الراحل سعد
الله ونوس عند حدود سرد حكاية تاريخية، بل اشتغل بعمق على خلخلة البنى التقليدية
لإنتاج فرجة منغرسة في الوجدان الشعبي ومسلحة بوعي حداثي صلب. لقد كان رهانه هو
استعادة المسرح من الفضاءات النخبوية الصامتة إلى رحابة الفضاءات العامة، محولاً "الفرجة"
إلى مختبر للوعي الشقي والديالكتيك بين الماضي والحاضر.
2. النص الثانوي
ليس مجرد "هوامش": خلخلة سلطة الحوار
تتجاوز
"الإشارات الركحية" في هذا العمل وظيفتها الكلاسيكية بوصفها مجرد
توجيهات تقنية للمخرج، لتصبح ركيزة بنيوية تفكك سلطة الحوار المطلقة. يوزع ونوس
هذه الإشارات ببراعة هندسية؛ فقد تأتي "قبل الحوار" لتمهيد المناخ
النفسي، أو "في وسطه" لقطع مساره وتشتيت الاندماج، أو "في
نهايته" كتعليق مجهري يكشف الآثار الخفية لما قيل.
إلى جانب
دورها التأطيري في رسم ملامح الفضاء الزمني والمكاني، تنهض هذه الإشارات بـ
"وظيفة استبطانية" تنفذ إلى المسكوت عنه في العوالم الذهنية للشخصيات.
ومع اقتراب الفاجعة، تتحول هذه الإشارات إلى "مايسترو" يتحكم في نبض
العرض:
"يتم اللجوء
إلى تسريع الإيقاع الدرامي في نهاية المسرحية لتعجيل النهاية المأساوية عبر تكثيف
الإشارات الركحية."
هذا التكثيف
ليس مجرد تسريع للزمن، بل هو أداة درامية لتعميق الإحساس بالمصير المحتوم، ونقل
القارئ من فضاء النص إلى فضاء المتخيّل المرئي بكثافة تراجيدية عالية.
3. التغريب
البريشتي: تعمد كسر التماهي العاطفي
استلهم ونوس
من المنهج الملحمي عند "بريشت" مفهوم "المسافة الجمالية"،
موظفاً النص الثانوي كمدخل فني لتحقيق "التغريب". الغاية هنا ليست إمتاع
الجمهور ببديهيات الحكاية، بل صدمه لإبقائه في حالة يقظة نقدية دائمة. تعمل
الإشارة الركحية هنا كـ "فاصل" حاسم بين لسان الحكواتي (المحكي) وفعل
الممثلين (المرئي)، مما يخلق تناوباً ديالكتيكياً يمنع المشاهد من الاستغراق
العاطفي.
من خلال هذه
التقنيات، يفرض ونوس قواعد اشتباك جديدة:
- عزل
الممثل عن الدور: عبر تنبيه الجمهور صراحة إلى أن
الممثل ذاته يجسد شخصيتين متناقضتين، مما يحطم الإيهام بالواقعية.
- تعرية
العملية المسرحية: تركيب الديكور أمام الأعين، مما
يجعل "صناعة" العرض جزءاً من العرض ذاته.
- الحركات
الإيمائية: التي تختزل الواقع في إشارة،
محولة الحركة إلى علامة سيميائية تتطلب تأويلاً ذهنياً لا مجرد تلقٍ سلبي.
4. صراع
الأزمنة: صوت أم كلثوم كعلامة سيميائية
يبرع ونوس في
استخدام الإشارات الركحية لخلق "تأريخية" متفجرة بالتناقض. ففي قلب
حكاية تدور أحداثها في غياهب التاريخ، يقحم ونوس "صوت المذياع" أو غناء
"أم كلثوم". إن حضور كوكب الشرق هنا ليس تفصيلاً تزيينياً، بل هو
"علامة سيميائية" حادة تكسر إيهام الزمن الغابر لتصدم المتفرج براهنية
العرض.
هذا التناقض
المقصود بين فضاء "المقهى المعاصر" وفضاء "الحكاية التاريخية"
يخلق وعياً حاداً بأن ما يُعرض ليس مجرد مغامرة لمملوك خائن من الماضي، بل هو مرآة
عاكسة للوعي الجمعي الراهن. الإشارة الركحية هنا هي التي تقرر متى يستيقظ الجمهور
من "غيبوبة التاريخ" ليتأمل واقعه المعيش.
5. مسرح
التسييس: العرض ككائن حي يتنفس
في مدخله
النظري المعنون بـ "هوامش للعرض والإخراج"، يضع ونوس ما يشبه
"الدستور" لجماليات مسرح التسييس. المسرح عنده ليس نصاً مقدساً ثابتاً،
بل هو "عملية حوارية" مستمرة بين مساحتين: مساحة العرض ومساحة الجمهور.
إن
"التسييس" هنا لا يعني إلقاء الشعارات، بل تحويل المسرحية إلى
"كائن حي" يتنفس ويتغير بتغير الفضاء والناس. الإشارات الركحية تمنح
المخرج المرونة لكي لا يكون العرض نسخة مكررة، بل تجربة فريدة تعيد صياغة علاقة
المتفرج بالحدث السياسي، وتحوله من "مستهلك للفرجة" إلى طرف فاعل ومسؤول
في الحوار الدرامي والاجتماعي.
6. الخاتمة: هل
نحن مجرد "زبائن" في مقهى المأساة؟
لقد استطاع
سعد الله ونوس، عبر استنطاق النص الثانوي، أن يمنح "مغامرة رأس المملوك
جابر" أبعاداً ثورية تجاوزت حدود الخشبة. إن استخدامه لتقنيات التغريب وتفكيك
الزمن يضعنا أمام مرآة قاسية لا تجامل أحداً.
وفي ختام هذا
العرض ذي النهاية المباغتة والصادمة، يظل التساؤل النقدي يطاردنا: هل ما زلنا
بحاجة اليوم إلى "المسافة الجمالية" لندرك حجم الانهيار في واقعنا، أم
أننا غرقنا تماماً في دور "الزبائن" داخل مقهى التاريخ الكبير، نرتشف
قهوتنا بدم بارد بينما تُباع رؤوسنا في سوق النخاسة السياسية؟