الجمعة، 28 ديسمبر 2018

تونس: تمرّد بلون أحمر


تونس: تمرّد بلون أحمر
لم ييأس الطغاة ولم تيأس الثورة.
المرور إلى السرعة القصوى قصد تعطيل مسار الانتقال الديمقراطي  وإلغاء كل المكاسب التي حققتها تونس ما بعد الثورة أضحى أمر معلوما عند كل المتابعين للشأن السياسي التونسي .
انفكاك عرى التوافق كان شرطا ضروريا لكل المتربصين بتونس وثورتها للشروع في تحقيق مخطّط الفوضى والخراب ولم يكن الخلاف حول النقطة 64 المتعلّقة برحيل رئيس الحكومة يوسف الشاهد إلا الشجرة التي تخفي غابة المكائد والمؤامرات بل إنّ مؤشّرات كثيرة أكدتها تصريحات مختلفة لسياسيين منهم رئيس الدولة أشارت إلى تحوّلات غامضة وقاسية ستلوح في أفق الواقع السياسي التونسي.
يحتاج رئيس الدولة وهو رمز الدولة العميقة التي استعادت دورها بعيد انتخابات 2014 إلى إعادة عناصر الصراع مع المكوّنات الحزبيّة للثورة ومكاسبها القيمية كالحريّة والديمقراطية والكرامة والمواطنة ولذلك كان من الضروري إنهاء التوافق باعتباره شرطا سياسيا إجرائيا للاستقرار في حدّه الأدني وجميع مكونات التوافق من أحزاب ومنظمات مدركون أنّ التوافق في تونس لم يكن مبدئيا وإنما كان منهجيا إجرائيا فرضته شروط إدارة الشأن السياسي في ظل مناخ استقرار سياسي واجتماعي.
اختلاف الحزبين والشيخين حول مسألة استقرار الواقع السياسي والاجتماعي عبر استقرار الحكومة وعلى رأسها السيد يوسف الشاهد رسّخ التباعد وأضاف إلى الصراع الحزبي المتجدّد بتجدّد المناسبات السياسيّة ( الانتخابات البلديّة ثم الاستحقاق الانتخابي نهاية 2019) عناصر أخرى كانت حزءا من المشهديّة الحزبيّة في تونس وهي العائلة والجهة ولقد اختار رئيس الدولة العودة إلى نهايات حكم بورقيبة وحكم ابن علي حيث كانت العائلة عاملا حاسما في مسألة الحكم والسقوط.
اختارت النهضة الاستقرار الحكومي منفذا للاستقرار الاجتماعي والسياسي عبر الانتصار لشقّ يوسف الشاهد ومناصريه في البرلمان وفي حزب نداء تونس ولئن أشارت في بياناتها وندواتها ومؤتمراتها أن هذا الخيار أملته المصلحة الوطنية وضرورة الحفاظ على المسار الديمقراظي المهدّد داخليا وخارجيّا فإنّها كانت تدرك كذلك حجم ردّة الفعل من طرف رئيس الجمهوريّة وبقايا حزبه وابنه وهي ردّة فعل تداخل فيها البعد الذاتي الذي غلب عليه كبرياء السلطة من ناحية والثأر للعائلة والمنظومة القديمة من ناحية ثانية.
أعاد الرئيس الباجي قايد السبسي صياغة عناصر الصراع مستحضرا مشاهد 2013 وحاول إعادة تشكيل مكوّناته عبر المخاطبة السياسيّة للأحزاب كالجبهة عبر إثارة ملف اغتيال الشهيدين أو بقية الأحزاب المخالفة للنهضة عبر إعادة إنتاج الصراع الهووي ( مسألة الميراث ومدنيّة الدولة ) أو عبر المخاطبة الاجتماعيّة للهيئات والمنظمات وخاصّة الاتحاد العام التونسي للشغل الذي اختار مساندة الرئيس في مسألة التحوير الكلي للحكومة أو في ملف اغتيال الشهيدين.
المنافسة السياسية في تونس والمماحكات المستمرّة بين الأحزاب شرط طبيعي وضروري للحياة السياسية في واقع ديمقراطي ومكسب من مكاسب تونس مابعد الثورة ولكنّ الخطير هو الامتداد الإقليمي لهذا الصراع والعمل على نسف كل ما أنتجته الثورة نسفا كليّا عبر العودة إلى مربّع الخوف والقمع ولئن حاولت عديد الأطراف الخارجية منذ الثورة التدخّل المباشر وغير المباشر في الشأن التونسي والدفع في اتجاه النكوص الكلي وإعادة إنتاج المنظومة القديمة بنية سياسية ومنهجا في إدارة الحكم وشخصيات حزبية فإنّها لم تتمكّن من اختراق نظام الحكم والسياسة اختراقا كليّا بل إنّ مواصلة سياسة التوافق ومشاركة حركة النهضة في الحكم كان تعبيرا واضحا عن فشل المتربصين بالثورة ومكاسبها داخليا وخارجيا .
ما يحدث قبل سنة من إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية نهاية 2019 يبدو المحاولة الأخيرة ولكنّها الأشدّ والصراع في تونس هو صراع مع الزمن والكلّ يدرك أن نجاح تونس في إجراء الانتخابات نهاية سنة 2019 يمثّل فشلا كليّا لكل من أراد العودة إلى منظومة ما قبل الثورة ويؤكّد نجاح تونس في تجربة الانتقال الديمقراطي في فضاء إقليمي وعربي الغالب عليه صورة الخراب والاستبداد.
زيارة نجيب ساويرس وولي العهد السعودي المتهم مباشرة باغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي إلى تونس في مرحلة سياسية مضطربة وواقع اجتماعي محتقن يؤكّد المخاوف التي أعلنها سياسيون من أحزاب مختلفة ومتباينة في التوجهات والخيارات وإعلاميون أدركوا ضيق أفق الطغاة واتساع فضاء الحرية وما يؤكّد هذه المخاوف تلك الدعوات إلى احتجاجات شعبية في ظاهرها اجتماعية ولكنّها تحمل في ملامحها كثيرا من صور الثورة المضادة في مصر صائفة 2013 التي قدّمت للانقلاب المصري..
استنساخ تجربة تمرّد المصريّة المموّلة خليجيا واستحضار مشاهد الاحتجاجات في فرنسا ( السترات الصفراء) كلّها مؤشرات تعلن أنّ شهر جانفي لن يكون زمنا عابرا في التاريخ السياسي التونسي وإنّما سيكون تاريخا للمعركة الفاصلة سياسيا بين الثورة والثورة المضادة .
تونس عبر تاريخها لا تحتمل الصراع الدموي وحتما ستكون الحكمة والتعقّل أساس الحسم في كل الخلافات وسيبتكر العقل السياسي التونسي المبدع حلاّ مستلهما من التربة التونسية والوجدان التونسي والروح التونسية المتشبعة بقيم الحريّة والكرامة.





الأحد، 17 سبتمبر 2017

هل انتصرت الثورة المضادّة في تونس ؟

هل انتصرت الثورة المضادّة في تونس ؟

محمد المولدي الداودي : تونس
هل قدر " الثوّار" في تونس هو إحصاء خيبات الثورة ورسم خطوط انكساراتها ؟ومتى يكفّ الصبيان عن البكاء؟
أعتقد أن المصادقة على قانون المصالحة الإداريّة ليس إلاّ حلقة من حلقات مسار متعرّج ومنحرف للفعل الثوري التونسي من حيث المنطلقات والمسارات والنتائج..
الآن قد تبدو عبارة " ثورة" شكلا من أشكال المجاز اللغوي والتوسّع الدلالي المشحون امتداحا لحركة اجتماعيّة أسقطت رأس النظام ولم تسقط كلّ مكوّناته العميقة ولم يدرك " الثوّار" منذ البدايات الأولى المطالب الحقيقيّة.بل إنّ الشعارات التي صاحبت تلك الحركة الاجتماعيّة الغاضبة كانت ارتجالية وجدانيّة ومتحوّلة رؤية ووجهة فقد بدأت غضبا جهويّا في ولاية سيدي بوزيد ثمّ احتقانا اجتماعيّا من خلال شعار " شغل ..حريّة ..كرامة وطنيّة .." ثم اكتسبت طابعا سياسيّا من خلال توسّعها جهويّا واتّصال بعض المكوّنات النقابيّة والحقوقيّة والسياسيّة بها..
كانت تلك الحركة الاجتماعيّة الغاضبة حركة " إصلاحيّة " لا غير ولم يكن طموح " الثوّار " آنذاك إسقاط النظام وإنّما كان مطلق الأمل إجباره على الإصلاح السياسي والاجتماعي وتوسعة فضاء الحريّات..
الحركة الاجتماعيّة الغاضبة أو الثورة التونسيّة لم تكن تحمل إرهاصات فكريّة واضحة ولم تكن لها قيادة ثوريّة مدركة للمآلات وإنّما كانت تحوّلا عفويّا في سياق تاريخي كثيرة غوامضه وألغازه ولذلك كانت النتائج مناسبة لحقائق المسار " الثوري" ومتجانسة مع منطق أحداثه وتغيّراته ومتناقضة جزئيّا مع أحلام الناس وانتظاراتهم ..
بعيد سقوط رأس النظام استعاد الفاعلون السياسيون الذين وحّدهم قمع النظام معاركهم القديمة التي تعود إلى مرحلة الثمانينات ..تلك المعارك القديمة التي لم يعشها جيل الشباب لمدّة ثلاث وعشرين سنة كانت الانحراف الأساسي الذي أصاب المشهد السياسي وأسقط الكلّ في دائرة الفراغ والعبث وحين استعاد " الثوّار" معاركهم المزيّفة الطاحنة استعادت الدولة العميقة آليات تجدّدها وانبعاثها وسدّت منافذ انكسارها وعمّقت حضورها وفق سياق جديد استوعبت تحوّلاته...
لم يكن الشعب التونسي موحّدا في مواقفه من أحداث الثورة ولم يكن كذلك موحّدا في انتظاراته أو أحلامه " الثوريّة" وحين تناسى " الثوّار" المطالب الاجتماعيّة وانساقوا وراء خطاب نخبوي لا يفهمه عموم الشعب التونسي عملت الدولة العميقة على إبراز البعد الاجتماعي وفشل " الحكّام الجدد" في إدارة الأزمة الاجتماعيّة..
انشغل الفاعلون السياسيون الجدد بمعاركهم السياسيّة ولم يدركوا جميعهم رهانات السياق الثوري وتحوّلاته ولم  تكن مسألة ترسيخ المكتسبات السياسية  والحقوقيّة كالتعدديّة وحريّة التنظّم وحق التعبير وغيرها هاجسا جماعيّا وإنّما كانت في أحيان كثيرة مدارا للصراع  بين أحزاب وقوى سياسيّة أنتجتها الثورة ...استعان البعض من السياسيين والنقابيين والحقوقيين بمكوّنات الدولة العميقة وأركان الثورة المضادّة كالإعلام للإطاحة بخصوم السياسة بعيد انتخابات 2011 وفي 2013 تحوّلت هذه الاستعانة الخفيّة إلى تحالف موضوعي مكشوف بدا واضحا في اعتصام باردو حيث ارتقى " المناضلون السياسيون " نفس المنصّة مع جلاّدي النظام السابق وألقوا نفس الخطاب وطالبوا بنفس المطالب...بدأت التنازلات والبعد عن ذلك الأفق الثوري الحالم مع الفشل السياسي في إدارة مواضع الاختلاف بين الفرقاء السياسيين ومع وضوح التدخّل الأجنبي من خلال المخابرات والمال والإعلام وضمن سياق عالمي اتفق على إجهاض الحراك الاجتماعي والسياسي والثوري في العالم العربي..
أعتقد أنّ كبح جموح الثورة المضادة في العودة واستعادة كلّ مواقعها القديمة لن يكون بتكرار نفس الأخطاء  التي ارتكبها السياسيون والنقابيون والحقوقيون المحسوبون على الثورة فلكل نصيب في خيانة الثورة والإيقاع بالثائرين.. وأعتقد كذلك أنّ خطيئة المصادقة على قانون المصالحة الإدارية لن يقلّ جرما عن خطيئة اعتصام باردو الذي أسقط أوّل حكومة شرعيّة منتخبة بعد الثورة...
نداء تونس وهو الصورة الأوضح للثورة المضادّة في المشهد السياسي التونسي كان شريكا لكثير من " المناضلين" و" الحقوقيين" و" السياسيين المحسوبين على الثورة" وهو الآن شريك للنهضة في تعميق العودة إلى معاقله القديمة معاقل الحكم والسلطة ..
وليس عيبا أن يجني نداء تونس ثمار الخصومة والعداء بين " الثوّار" وليس عيبا أن يدرك سياسيو هذا الحزب مستوى المراهقة السياسيّة التي ميّزت " الثوّار" من سياسيين وحقوقيين ونقابيين ..العيب كل العيب في من منعهم الصرّاح في كلّ محفل والبكاء في كلّ مأتم عن إدراك التحذير وفهم النّصيحة ..
إنّهم مازالوا يصرخون ولا يفهمون..







الأحد، 26 مارس 2017

المقامة الكلبيّة

المقامة الكلبيّة





حدّثنا أبو يوسف الكلبيّ وكان واسع الحيلة سيّء السيرة قال:
اشتدّ الأرق بساكن قرطاج وعلا صوته وهاج..
فنصحناه: عليك بصديق العمر وقرين الصّغر يحدّثك عن تاريخ البايات ويذكّرك بما فات لعلّك تنسى شواهد الموت وآياته وتنعم بالحكم وشهواته ..فلبث زمنا قليلا في أنس وسعادة يطربه حديث الصّبا وتفرحه ذكرى الأوّلين يرويها شيخ التّسعين حتى استعاده فراغ القصر وخواؤه وعاوده قلق العمر وفناؤه.
قال: فسألناه الصّبر والتهيّؤ للقاء القبر.. فأبى التقوى وبالغ في الشكوى ونادى نداء المستغيث: يا كمال ..يا مغيث.. يا من تسكن الظلّ تصطنع الأزمة وتهدي الحلّ..فأجاب بوقلاّب من وراء الباب ..نعم هو ذاك..سيّدي إن آتاك ...ففيه الشفاء وفيه الدّواء .
قال :وكنت منه على حذر أعلم خبثه وسوء فكره ..فدفعته إلى الشيخ دفعا وأمرت الجمع بالاستخبار وتسجيل الحوار ليوم الحاجة وإسكات أصحاب المكر واللجاجة.
أغلقنا الأبواب وانتظرنا الجواب وسمعنا الشيخ يسأل سؤال الحيران فيفتيه كمال باطمئنان وقال " السياسة عندي فنّ وصناعة وقد أزحت رفيق صباك وقد علمت .قال  الشيخ "شهدت" ثمّ " وجئت من بعده بمن عرفت"قال الشيخ "شهدت" وأخرجتك من محنة النسيان وأنزلتك في البرلمان..هل تذكر أم نسيت؟قال" شهدت".
قال أبو يوسف الكلبيّ: وكنّا في عجب ممّا نسمع فقد كان  يذكّره بإحسانه عليه فيشهد وينقله من خبر إلى خبر فيؤكّد وكان وهو يحدّثه مقرّا بالنعمة لا ينكرها مثبتا للرواية يسندها..فعجبنا من حكايا التاريخ كيف يعرفها ومن صناعة أحداثه كيف أتقنها..
قال: طال تذكير الشيخ بالمآثر والنّعم وهو يردّ "بنعم" حتى قال كمال..وهيئنا لك أمر الحكم بعد الخلع والفرار ونفضنا عنك الغبار وأخرجناك من أرشيف السياسة وأوردناك الرئاسة من غير سابق تعريف فأنكرت النعمة وحدّثت بحديث الثورة وتوهّمت في نفسك القوّة .
وخفت صوت الشيخ وهو يجيب وعلا صوت كمال في تعجيب: ثورة البرويطة أفشلناها وتجربة الترويكا أسقطناها ولنا في الحكم خبرة ولنا في السياسة فطنة وهذا القصر نعلم أسراره ونحن من صنعنا سكّانه منذ أحقاب وما رجونا يوما ثواب ..وأنت اليوم بين أيدينا كما نشاء أوردناك القصر ورد الشّاء إلى مراتعها والمياه إلى مواردها.
قال: فسمعنا صوتا كالنحيب اهتزّ له وجدان بوقلاّب من وراء الباب ونادي القماري من بعيد فجاء يسبقه سؤاله وتسمع قبل الوصول عواءه ..وطال الصمت في داخل المقرّ وترقّب الجمع سوء العاقبة وظنّوا بأنّها الخاتمة حتى قال الشيخ متودّدا وقد بدا في رجائه متردّدا يا كمال يا صاحب الخصال: لقد عاصرت البايات زمانا ورثت خدمتهم وشهدت متعتهم وكنت في ملاهيهم زمن الصبا أتبع الوالد أوقد لهم "السبسي" وأرعاه حتى زال الاحتلال وقالوا قد نلنا الاستقلال فركبت موجة التحرير مع من ركبوا من الرّجال وتقرّبت إلى الحكّام الجدد ولعنت من كنت أخدمهم من الملوك والبايات وقلت "ذاك زمان قد فات " وحكمة الحياة في عيش يومك لا ذكرى أمسك.
وكنّا نسمع غمغمة  وسؤال فتزداد لعثمة الشيخ في المقال وهو يضيف: يا كمال "نلت الوزارة وجمعت سلاح الفلاّقة وأعددنا السّجون والزنازين لمن عارض بورقيبة والفرنسيين وأدّينا واجب الطّاعة حتّى أتانا أمرك بخلع "الحبيب" طاوعناك وكنّا لك عونا وعلى المعارضين عينا وشهدنا بالبيان وهذه شهادة تكفيك..يا كمال يا صاحب الخصال والمال : أنا أحفظ العهد وأبقى على الوعد وقد هبّت عاصفة الثورة فأنحنينا إنحاءة المحتال ينتظر عبورها ثمّ يستعيد طبعه ولا ينسى أصله..
قال أبو يوسف الكلبيّ:سمعنا صوت أقدام تطوف في المقرّ وسمعنا وجيف شيخ ينتظر.. وصارت اللحظة شهرا والسّاعة دهرا وكان بوقلاّب يعتصر كفّ القماري في اضطراب وكأنّه يسأله عن عاقبة الأمور وما سيأتي من شرور.
قال: حتى علا صوت كمال بالجواب فتناوب القماري وبوقلاّب الوقوف على الباب يسترقان السّمع ويردّدان الخطاب في همس وإعجاب..كمن يعجب لقول سيّده ويهتم بحكم آمره .
" أشير عليك يا شيخ الحاجة وقد مضى منك العمر واقتربت السّاعة  بملازمة صحبي فإنّ وفاءهم من وفاء الكلب يحرسون القصر ويطيعون صاحب الأمر وهم لي خدم أعطيهم من القليل فيتذلّلون علامة استزادة النعم ..وكان في وصفه  مجيدا والشيخ يسمعه متعجّبا من حسن معرفة صاحب الخطاب بأصناف الكلاب:
قال:وأضاف معرّفا الأنواع والأصناف والصّفات والعادات ذاكرا كلّ اسم والشيخ يستزيده النّصيحة والفهم.
قال: " أفضل الكلاب القماري وبوقلاّب ..عواؤهم تعمية وصراخهم تلهية ويكفيهم القليل من الطعام فيكثرون من فصيح الكلام ..يحرّفون الحقيقة عن مواضعها ويكثرون من الكذب على عامّة  الشعب ..قال الشيخ مقاطعا المبالغة في التعريف  هذا ما خبرناه وقد عرفنا فضليهما في التزييف وهما الآن في حديقة القصر يأخذان بعضا من طعام ثمّ يعودان ليلا للإعلام.
ثمّ قال" أمّا بن تيشوس فصنف من الكلاب يحترف تركيب الأفلام وتحريف الأرقام كان هذا حين انتحل صفة "أنينيموس" حادثة معروفة في التشهير ولها أثر في التشويه كبير."
قال أبو يوسف الكلبيّ: وذكر من أصناف الكلاب الكثير وحدّث عن خصالها وأحسن أعمالها ونحن نتعجّب من دهاء الكلب وخبث سيّده وكلّما عاود الحديث عن بوقلاّب ووفائه اهتزّت أكتافه عجبا وارتعش صوته طربا ..
وكان في زهو هو يحدّث عن آثاره في القصر كأنّما يذكّر الشيخ خوف النسيان أو انقضاء العمر حتى تعالى صوته بسؤال " يا كمال: حدّثني عن كلاب شفيق فقد حدّث عنها  فريق في القصر يهواه ويتغنّى بماله وثراه ..فسمعنا صرخة كالرّعد اهتزّ لها القماري وأتبع الصّرخة بالتهديد..إيّاكم وشفيق أو كلاب شفيق..ثمّ أضاف في اعتراف "الحقّ أقول إنّ بيننا اتفاقا معلوما لا ننكره وعهدا معروفا لا ننقضه ..كل منّا يحرس كلبه أويربطه".
محمد المولدي الداودي.



الأحد، 12 مارس 2017

هنشير اللفت: الحقيقة الغائبة والحقّ المسلوب

هنشير اللفت: الحقيقة الغائبة والحقّ المسلوب


ليس مجرّد قطعة من الأرض فقط وإنّما هو كذلك قطعة من الوجدان والتاريخ بل إنّ كثيرا من سردّيات التراث وحكاياته ترتبط عند فرقة أولاد خلفة من عرش ماجر بهذه الأرض ..حدّثنا البعض أنّها تعود إلى ثورة علي بن غذاهم سنة 1864 وهو مع ذلك رسم لفواصل الجغرافيا والتشكيلات القبلية والعروشيّة قديما قبل أن تتحدد معالم الجمهوريّة والدولة الجديدة وتسمّى في أبواب التاريخ قبل التقسيمات الإداريّة والترابيّة للدولة التونسيّة الحديثة.
استمدّ اسمه من نشاط فلاحيّ لمعمّر فرنسي كان يستغلّه في زراعة " اللفت السكري" بعد انتزاعه من مالكيه.
تاريخ الهنشير هو حدود الذّاكرة لفرقة أولاد خلفة ومنها يستمدّون تفاصيل الحكايا وملاحم الأجداد ومن الذاكرة يعودون إلى نهايات القرن التاسع عشر فيروي شيوخهم حكايات الهنشير في حميميّة يمتزج فيه شعور الفخر بالحيرة.
تاريخ النزاع على الهنشير يعود إلى النصف الثاني من القرن التاسع أي أنّه يمتد على أكثر من 150 سنة وقد شهدت القضيّة مراحل عديد للتقاضي في القيروان ثمّ سوسة فتونس وانتهت إلى إسناد ملكيّة هذا العقار موضوع النّزاع إلى فرقة أولاد خلفة من عرش ماجر وبحدوده الحاليّة موضع النّزاع وهذا ما تثبته حجّة ملكيّة رسميّة بتاريخ10  محرّم 1321 هجريّا الموافق لـ 11 مارس 1894 ميلاديّة وفي هذه الوثيقة شهادة لوجهاء وشيوخ من أولاد عيّار يشهدون فيها بحقّ أولاد خلفة في تملّكه ولاتزال الوثيقة عند ورثة المالكين لهذا العقار...حجّة الملكيّة ما تزال تحتفظ بحق النّاس ولا تزال تشهد بمرحلة من مراحل التاريخ التونسي المعاصر سواء تعلّق الأمر بالأختام أو أسماء الشيوخ والوجهاء من العروش أو التسميات القديمة للوديان والأراضي والسّهول..ما تزال فرقة أولاد خلفة تحتفظ بالوثيقة تتوارثها جيلا من يعد جيل كما تتوارث الحكايات والقصص القديمة .
وثيقة الهنشير أقدم من نظام الجمهوريّة وأقدم من التقسيمات الإداريةّ الجديدة وأقدم من حدود المعتمديّات المحدثة في دولة الاستقلال.بعد الاستقلال تجدّد النزاع بين فرقة أولاد خلفة وعرش أولاد عيّار وتحتفظ ذاكرة النّاس كما أجسادهم بتفاصيل هذا النزّاع وأطواره ومراحله سنة 1960 وسنة 1984 وسنة 1993 ولعلّ تواتر النزاع وفي فترات متعاقبة ومتباعدة من التّاريخ التونسي الحديث يؤكّد أن المسألة تحتاج إلى حسم قانوني يحقّ حقّ النّاس ويضمن السّلم الأهلي ويحقن دماء التونسيين.
يقع الهنشير الآن حدّا فاصلا بين معتمدية سبيبة ومعتمديّة جدليان من ولاية القصرين ومعتمديّة الروحيّة من ولاية سليانة ويقع ترابيّا في معتمدية الروحيّة وهذا موطن النّزاع حيث استعادت الدولة ملكيته وتمّ النشر في معتمديّة الروحيّة ومقرّ ولاية سليانة دون علم المالكين من فرقة أولاد خلفة وهذا ما حرمهم من تقديم الاعتراض والاستظهار بما يثبت حق الملكيّة من شهادات ووثائق.
منازل ما تزال قائمة تشهد كما يشهد أهلها بحقّهم في ملكيّة هذه الأرض وهم إلى حدود تجدد النزاع في هذه الأيّام يستغلون الهنشير في الرّعي أو زراعة الحبوب.
كلّ الذين التقيناهم عبّروا عن رغبتهم في وأد الفتنة وحفظ دماء التونسيين ولكنّهم حمّلوا الدولة مسؤوليّة البحث في هذا الملفّ بحثا جادّا يعود فيها أهل الاختصاص إلى التاريخ يستعرضون الوثائق ثمّ يحقّون حقّ النّاس .مطالبهم وجّهوها إلى رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة ووزارة الداخليّة والعدل وأملاك الدولة وهم مع ذلك يدركون أنّ هذا الملفّ يتداخل فيه الاجتماعي بالأمني ومداخل الحلّ سياسي وإداري .
كما عبّر بعض سكّان منطقة أولاد خلفة أنّ البعض يستغلّ نفوذه من أجل الاستيلاء على الهنشير مستغلاّ في ذلك نقل هذا العقار من ملكيّة مالكيه إلى ملكيّة الدولة.
هنشير اللفت ليس مجرّد وقائع تاريخيّة يرويها الشيوخ من فرقة أولاد خلفة للأبناء وإنّما هو كذلك حقّ للأجيال القادمة التي أدركت منذ الصّغر أنّ هذه الأرض أرضهم وهي جهد الآباء ..فمن يعيد الحقّ إلى أصحابه؟
محمد المولدي الداودي.







السبت، 22 أكتوبر 2016

لماذا تستهدف كلّ أجهزة الدولة تجربة جمنة؟



جمنة هي كل ما تبقى من ثورة مغدورة ومهزومة وهي آخر ما تبقى من ذاكرة وطنية امتدت أحلام التحرير فيها بدءا بزمن الاستعمار وانتهاء بزمن الفساد والاستبداد.
معركة جمنة ليست معركة قانونية ولا هي معركة مجموعة مارقة مع نظم دولة حازمة كما روج إعلام المال ورجاله..
معركة جمنة هي معركة رموز وعلامات.. هي معركة الفعل الثوري يواجه نظاما من الظلم والقمع والنهب.
جمنة هي معركة الفعل الشعبي والجهد الجماعي يواجه نظام العصابة النهابة.
جمنة هي معركة الأرض والحق والكرامة في مواجهة دولة فرطت في مائها وهوائها وترابها.
جمنة روح الشعب الثائر ولذلك يصرون على قتلها في المهد حتى لا تتحول جمنة إلى عنوان التحرر الوطني وشعاره.
جمنة هي روح المواطنة الحية والواعية تواجه دولة ميتة وجسد إداري متعفن وأجهزة موبوءة.
معركة جمنة هي معركة شعب آمن بحقه في الحياة الكريمة بعيدا عن عناوين التسلط المافيوزي.
سننتصر لجمنة كما انتصرنا للثورة وسنحمل هذا الجيل أمانة دم شهداء ثورة محاصرة وسنقول لهذا الجيل “لقد كنا قليلا من صرخة فكونوا كل الغضب”
سكان السفارات والحانات. القادمون في سفن الغزاة ومن أرضهم لتحكموا أرضنا..لستم منا ولسنا منكم وما بيننا ثورة ونصر. جمنة هي العنوان.
جمنة هي الشعار.