السبت، 3 مايو 2014

أطلق رصاصك









إلى كل الصامدين في مصر وسوريا والعراق
إلى كل المجاهدين في فلسطين
أطلق رصاصك
زهرة الفردوس....تنتظر دمي
فأطلق رصاصك..
أطلق...فإنّي لا أخافك
القلب نافذة الجنان ..وكذا فمي
والصدر من غضب ..والجسم من لهب
والرّوح فيض الأكرم
فأطلق رصاصك
إن مضى خطوي في مسارات الكرامة والخلود
أو ذوي عشقي في مقامات التحدّي والصمود
فأطلق رصاصك
فليس يقتلني الرّدى ..ولا وجع السجون والقيود
فأطلق رصاصك
خطوي في المدينة يكتب أجلي
ويعيد رسم معالم الأوطان في بلد الطغاة
ويعيد شدو أغنية الحفاة والعراة
ويعيد نسج خرافة الإنسان في بلد العساكر والجنود
فأطلق رصاصك
أطلق ..فإنّي لا أخافك

محمد المولدي الداودي

الأربعاء، 23 أبريل 2014

تراجيديا المشهد المصري ( ابن لادن حيّ ).



تراجيديا المشهد المصري ( ابن لادن حيّ ).
على نحو من مسارات التراجيديا الإغريقية تطوّر المشهد المصري ما بعد ثورة 25 جانفي 2011 ليعيد الوصل بين فكرة  التاريخ وفكرة التصوّر الأدبي للفعل الإنساني ومساراته .لقد كانت شخصيّة الرئيس محمد مرسي صورة للبطل التراجيدي في المسرح الإغريقي كما كان البناء التراجيدي للثورة المصريّة محاكيا للفعل الدرامي وتحوّلاته وتطوّراته انطلاقا من مستوى العرض وانتهاء بالنهاية الفاجعة ولئن حاولنا رصد هذا العمق الأدبي لمرحلة تاريخيّة ملهمة للمؤرّخين والأدباء فإنّنا سننأى قليلا عن استعارة آليّات التحليل الأدبي لحوادث الساحة المصريّة وأحداثها لنبحث في ثنايا السياسة ومدركاتها لعلّنا ندرك فنونها وشروطها في بلاد العربان.
لم تتفق الثورة التونسيّة والثورة المصريّة مع تعريفات الثورة وبنائها المفهومي في أبعاده التاريخيّة والفلسفيّة والسياسيّة وظلّت عصيّة على التحديد الاصطلاحي فهي أحيانا انتفاضة شعبيّة وهي حركة تمرّد شعبي وهي ثورة عند بعض المتباهين بقدرة الشعوب المستكينة على التغيير الاجتماعي والسياسي غير أنّ رصد المسارات وأشكال الفعل الثوري يسقط كثيرا من معالم الثورة وأشكالها ويضعها في منزلة بين المنزلتين : منزلة الانتفاضة ومنزلة الثورة .فلقد أقصت هذه الثورات ( باستثناء الثورة الليبيّة والسوريّة وهما الأقرب إلى مفهوم الثورة وهما الأقدر على النجاح) رأس النظام في الرئيس ابن علي ومبارك ولكنّها أبقت على الأساس العميق لهذه الأنظمة كالمؤسسة الأمنيّة والعسكريّة والقضاء والإعلام والفاعلين الإداريين والماليين والمنظمات المهنيّة والمدنيّة وبذلك توهّم الفاعلون " الثوريون" أنّهم حققوا فعلا ثوريّا لا تشوبه شائبة وأخذتهم نشوة الانتصار الزائف إلى البحث عن معالم سلطة ثوريّة سرعان ما لاحت مظاهر سقوطها وتفكّكها بعد أن خرج ذلك العمق المخفي لتلك الأنظمة من صدمة " السقوط" واستعاد مبادرة الفعل السياسي مستعينا بقدراته في التوظيف السياسي لارتباك " الثوّار" وتعثّر مسار الثورة وإخفقاته.
لم تسقط العناصر الأساسيّة لبنية الدولة العميقة وظلّت قادرة على التأثير وتحريف المفاهيم الثوريّة بل إنّها نجحت في تحويل الثورة من فعل بطولي يستحقّ التمجيد إلى فعل مستهجن وملعون ولذلك ظهرت حركات في تونس ومصر لا تتردّد في الكشف عن انتمائها إلى تلك الأنظمة التي توهّم البعض سقوطها وتؤكّد أحقية دورها في البناء السياسي لمرحلة ما بعد الثورة ففقدت الثورة قدرتها على الدفع الذاتي أي ذلك الوجدان الثوري الذي حرّك المظاهرات والثورة التي تفقد وجدانها الثوري حتما ستؤول إلى الموت.
لم تتمكّن الثورة في تونس ومصر من بناء أساس فكريّ يحدّد ملامحها وتصوراتها ورؤاها لمرحلة ما بعد الثورة بل إنّها ظلّت منشدّة في رسم مساراتها إلى أفعال عفويّة وارتجاليّة تبدع شعارها وسلوكها الثوري من صميم المقام والسياق ( اعتصام القصبة 1 و2) ولم تتمكّن الثورات من "صناعة " الرمز الذي له القدرة على الدفع بها إلى تخوم ثوريّة تتفق مع ذلك الطموح الشعبي ويحرسها من شراسة الدولة العميقة .لقد كانت الثورات يتيمة تتدافعها رياح سموم وتلقي بها في مهاوي الانتهازيّة والارتجاليّة فتحوّلت إلى كابوس يخيف عموم الشعب الذي لم يكن شريكا فعليّا في الثورتين.
لم يكن الوقت كافيا لبناء فكر ثوري وفلسفة ثوريّة لها حاضنة شعبيّة تمكنها من صناعة "الرمز" والفكر والشعار والشعب القادر على حراسة الثورة وحمايتها واختط " الثوّار" مسارات تناست بديهيّات الثورة وسارعت في الانتقال من مستوى الثورة إلى مستوى الدولة التي لم تكن محلّ اتفاق بين الفرقاء والشركاء فيها ولذلك انجذبت الثورة إلى تجاذبات الفكر والسياسة وصارت "سلعة غالية " في ميادين المتاجرة السياسيّة وفنون الاحتكار والاتجار وأضحت معالم ضياعها جليّة ظاهرة.
أفرزت الانتخابات التي اختارها " الثوّار" مسارا مناسبا لتحقيق أهداف الثورة فوز الأحزاب المنتسبة فكريّا إلى ما يسمّى بالإسلام السياسي وبذلك أكّدت مستوى الحضور الشعبي لهذه الحركات والتيّارات وكان الاختيار الشعبي مدفوعا في كثير من مواطنه بحالة التعاطف والتضامن الوجداني الذي تعلّق بذلك القمع الذي عاناه المنتسبون للحركات الإسلامية على امتداد سنين الجمر والقهر ولكنّ هذا الاختيار حرّك الآلة الخفيّة الفاعلة في بنية الدولة العميقة وألهمها ضرورة العمل لأنّ المعركة مع الإسلاميين هي بالأساس معركة وجود فكيف يرضى من ربّي على كره الإسلاميين يرضى بهم حكّاما وسادة فالعقيدة العسكريّة والأمنيّة في أغلب البلاد العربيّة تقوم على محاربة هؤلاء الناس باعتبارهم نظيرا للأعداء .
لم يكن الإسلاميون في أغلب بلاد العربان شركاء في الوطن بل لقد كانوا معزولين وممنوعين من الإدارة والعسكر والأمن والوظائف العموميّة والمنظمات المدنيّة لقد كانوا جزءا من الشعب تختبر فيه السلطة قدرتها على القمع والقتل .لقد كان الإسلاميون التهمة التي يتجنبها المسالمون من بسطاء الشعب و" العيّاشة " والمسايرين للحيطان في بلاد العربان والمكتفين بالسعي وراء "الخبزة " دون سؤال أو مقال. ومن هذا الإرث الدامي من الصراع بين السلطة والفكرة الإسلامية وجد الإسلاميون أنفسهم بعد رياح الثورة في مقام السلطة وفي سياق سياسي واقتصادي واجتماعي تحرّكة الآلة اللعينة للدولة العميقة .لقد كانوا عنصرا نشازا ومقيتا يترصّده الكلّ الذي تربّى على قتاله وعدائه. في هذا الإطار كان التناقض بيّنا بين حكم الإسلاميين ومؤسسات الدولة في حدّ ذاتها وتمكّن الفاعلون في الدولة العميقة من إعادة تحريف الشعار الثوري ليتحوّل إلى مطالب يوميّة تؤمن بقدرة الجوعى على الثورة ولذلك ارتفعت الأسعار وزاد الاحتكار وضيّق على الناس في أرزاقهم وتحرّك الناس مدفوعين بإعلام مازال يحتفظ بولائه لأصحاب النعم من أصحاب المال والسياسة.لقد تمكنوا من تحويل الصراع السياسي المشروع إلى صراع اجتماعي مقنّع بأقنعة المطالب الثوريّة فكانت موجات الاعتصامات والإضرابات واشتدّت مظاهر العداء الإيديولوجي للإسلاميين وتحالف الكل للقضاء على فكرة المشروع الإسلامي باعتباره بديلا ممكنا للحكم في فضاء الحريّة.
أسقط العسكر الرئيس المنتخب محمد مرسي وحاول أن يخفي انقلابه بشعارات استقاها من مسارات الثورة واستفاد من القدرة على التجييش والتزييف وأخرج الانقلاب على نحو من الصناعة الهليوديّة لأفلام الإثارة وحضر الإعلام باعتباره شريكا في الانقلاب واهتزّت أساسيّات الثورة وتحوّل المشهد المصري إلى ما يشبه المشهد المسرحي الذي تتعاضد فيه كل مدارس المسرح على اختلافها.
سقطت كل الأقنعة التي حاول من خلالها الغرب والنظام العالمي الجديد إخفاء عداءه للمشروع الإسلامي وكان شريكا في المؤامرة ولكن تناسى الكل من العسكر والغرب وسلاطين الخليج المرعوبين من إمكانيّة عدوى الثورات فحاولوا وأدها في المهد وفي أرضها تناسى كل هؤلاء أنّ الفكرة روح سارية في أعماق الوجود لن يقتلها الرصاص ولن تحاصرها السجون والمعتقلات وسيذكر التاريخ الدكتور محمد مرسي بطلا شجاعا وان كان غريبا في قومه غربة الأنبياء والعلماء.
لقد قتل الانقلاب إمكانيّة التغيير السلمي للسلطة والحكم وأحي وبشدّة الفكر الجهادي الذي رأى أنّ هذه الأنظمة لن تتغيّر إلا باقتلاعها من الأصل وضريبة ذلك الدم ..شكرا عسكر مصر شكرا أيّها الانقلابيون شكرا أيّها الغرب المنافق فلقد أحييت في كثير من شباب العرب والمسلمين روح الشيخ ابن لادن ..شكرا أيّها الأغبياء فابن لادن حيّ.
محمد المولدي الداودي
أستاذ: تونس









الثلاثاء، 21 يناير 2014

أنا الجاني؟


  • أنا الجاني؟

    الانتظار الأخير في محطّة سائره
    حقيبتك التي لم تودّعك منذ سنين
    تعيد إليك ابتسامتك الساذجه
    وتلهو مع الآخرين ..لعبة الانتظار
    الصمت الذائب فوق الجرح
    يرسم مسارات الرحلة
    ويكتب عناوين الأسفار
    السائرون في النوايا...
    العابثون بمسار الغيم والريح
    يفتحون نوافذ الفجر ..ويكتبون بسملة الرحيل.
    .....
    الجسد المطعون يحصي جراحه
    ويعلن ..بعد حين ..سبب الوفاة
    الشهود يقتحمون مسالك اليقين
    ويقولون : هذا هو القاتل والمقتول
    تترنّح الساعة الحائطيّة من على أعلى الجدار
    قريبا من شعار المحكمة
    ويتثاءب ..الرئيس ..بعيدا عن شهوة الانتظار
    ثمّ يلتقط أنفاس الشهادة والشهود
    " هذا هو القاتل والمقتول "
    ثمّ يسأل : من الجاني ؟
    ....
    الدم السائل كالحبر يكتب شهادة الوفاة
    في صفحة بيضاء من تراب
    والدخان المتصاعد من جثث الموتى ..يرسم شكل الطغاة
    هذا هو الجاني
    وأنت ..أيّها المبعوث من حبر الكتابة
    أنت القاتل والمقتول.
    الزفير الأخير ..يفتح جرح السؤال
    ويتلو أسماء الشهود
    ثمّ يقرأ الفاتحة
    ويعلو من بعيد ...نداء الغياب
    " رفعت الجلسة "
    ....

    محمد المولدي الداودي

الأحد، 8 ديسمبر 2013

في مقامات الشهادة



الدم التونسي في سوق السياسة



الحلم المرّ



الحلم المرّ

الشارع الممتد في مدينتي يسأل الخطى عن مسار الثورة والثائرين وتلك الجدران على جوانبه مازالت تحفظ الصرخات وما يزال الصدى يردّد الشعارات الغاضبة وفي مدينتي ما زالت أرى في وجوه الصحب بعضا من غضب وبعضا من حيرة وكثيرا من عزم الثائرين .. تعود بي الذاكرة في احتفاليّة الثورة إلى أيّامها فأحصي سنينها وأجدّد العهد في تجدّد عهدها وأتحسس النبض في عروق أحبّتي ممن ساروا في دروبها ونجدّد العهد للشهداء ونقرأ قسم الدماء والوفاء ..
تعود بي الذاكرة إلى تلك اللحظة الفارقة من عمر الثورة ليلة 13 جانفي 2011 وبعيد خطاب الطاغية بدأت العناصر الأولى للمؤامرة في التشكّل ضمن عناصرها المتداخلة والتي جمعت بين نخب سياسيّة انتهازيّة وإعلام موجّه وجزء من الشعب الذي استفاد من النظام على امتداد ثلاث وعشرين سنة ..في تلك الليلة خرج الناس للشوارع رافعين صور المخلوع وخرج علينا الإعلام وأظهر براعة في التضليل وخرج علينا السياسيّون وقالوا قولهم في الإصلاح والمصلحين ..وتهيأ المعزّون وحفّارو القبور والناعون من النخب وأشباه السياسيين وأنصاف المفكّرين ليعلموا الناس بموعد دفن الثورة وأحلام المظلومين ..كان المشهد عنيدا على الفهم وكانت الأنفاس في الصدور متوثّبة معاندة وكنّا في تلك الغرفة من المدينة نكتب بعضا من القول على جدار افتراضيّ في حسابي على الموقع الاجتماعي " فايسبوك " وأذكر أنّي كتبت ليلتها " إنّما النصر صبر ساعة " ...ثمّ خبّأنا الأحلام في الصدور ونمنا ..
في الصباح صلّينا ركعتين للشهادة ثمّ أسلمنا الروح للشارع وصرخنا  في عزم أشدّ " يسقط جلاّد الشعب " ..وكان من صدق الحديث ما كان وكان النصر فيما سمعناه من أمر المخلوع وعائلته وشعرنا حينها أنّ صدق المظلوم في دعوته وأنّ صدق الله في إجابته ولله الحمد من قبل ومن بعد ..
توالت الأّيام واهتزّ الجناة في مخابئهم وصنعوا المؤامرات فكان لهم الثوّار بالمرصاد وكان اعتصام القصبة الأوّل والثاني إلى أن كانت الغفوة والهفوة فيما اختطّه اللصوص من أمر الهيئة  واتبعهم في ذلك من كنّا نعدهم من اليقظين الثائرين وساروا بنا في مسالك غريبة وبوجوه ما عرفناها في الساحات وخطى ما عرفت الشوارع وقعها ..كانوا غرباء عن العمق الثائر في الوطن وكانوا غرباء عن لون دماء القصارنيّة وأهالي سيدي بوزيد وأبناء الجنوب والأحياء الشعبيّة المفقّرة حزمة الظلام في مساحة النور الثريّة.
في تلك اللحظة أعاد التاريخ دورته وسمعت صرخة على بن غذاهم في قصر الباي وسمعت آهة الشعور بالغدر ولوعة الإحساس بالخيانة وأدركت أنّ للحاضرة قانونها ..للمدن الفقيرة ضريبة الدم وجباية الأرواح وللحاضرة شهوة السلطة والحكم  ..علي بن غذاهم تستعيده الذاكرة توجّسا من الغدر وخوفا من محترفي اللصوصيّة الثوريّة. عدنا من القصبة إلى عمق البلاد حيث القرى والوجوه السائرة في متاهة الجوع والفقر وسؤال اليوم عن خبز الغد وموعده وتركنا الثورة في مكاتبهم ومجالسهم ..عدنا وأحلامنا تسير معنا في مضيق الخوف والضياع فالعيون الزرق في العاصمة البعيدة لا تحفظ عهد الثوّار أولائك القادمين من مدن الجوع وقرى التشرّد. يكتبني جرحك يا وطني صرخة في الصدى.
توقّف الناس في الصفوف الطويلة وأحلامهم تمضي في الخلوات على أسماء من رغبوا في انتخابهم ممن حدّثونهم عن الجنّة قبل عذاب القبر وأهوال الحشر ..تمضي الأصابع الخشنة وتترك الخلوة للقابعين هناك السائرين في مسارات السياسة المنتظرين للصدق في باب المجالس. آه يا وطني ما قرأت عن جوعك في كرّاس المدارس.
ارتعشت أيادي الحكّام الجدد وتعثّرت خطواتهم وتربّص بهم المتربصون في كلّ قارعة وثنيّة وتحرّف وجه الثورة حتّى أنكرناه .فلم يحمل صفتي وسحنتي ولم يحمل تجاعيد وجوه المتعبين في مدني .
أفاق القتلة وشهوة الدم في أفواههم ويقنوا أنّ الشهداء لا أولياء لهم ولا ورثة فعادوا إلى مواقعهم وحدثونا عن الثورة والثائرين..آه يا وطني كم من قتيل في ربوعك حتى يستحي القتلة؟
في القصرين ولدنا وفي أجسادنا موضع الرصاصة القاتلة من الطغاة .في القصرين ولدنا وفي أفواهنا لعنة الظالمين وحتما سنمضي في لعنهم.
روح الطغاة تستعيد وجودها وشهوة القتل تدفع القتلة إلي البحث عن الرصاص ولكن أيّها الشعب المسكون بالقمع سنقولها من القصرين : لن نهدي أرواحنا للمدى والفراق مرتين لتنعموا بالنعيم.
محمد المولدي الداودي
القصرين حاملة الجرح والحلم