الثلاثاء، 8 مارس 2016

أحداث بنقردان الإرهابيّة 2016...أحداث قفصة الإرهابيّة 1980

أحداث بنقردان الإرهابيّة 2016...أحداث قفصة الإرهابيّة 1980
سماسرة الدمّ...وتجّار الأوجاع
اقرأ الصفحة الأولى...يا قارئ التّاريخ.
قبل العبور ..احمل زادك المعرفي
 (من الضروري العودة إلى قراءة أحداث قفصة للوقوف على عناصر التماثل بين الجريمتين.)




قد يصيبك الغثيان وأنت تستمع لمذيع بإحدى الإذاعات التونسيّة الملوّثة لنقاء الأثير وصفاء الذهن ...وقد يصيبك الهذيان وأنت تشاهد حصصا تلفزيّة نفث من خلالها أصحابها سموم الصّراع السياسي والفكري..وفي الوقت الذي كتب فيه الشهداء من العسكريين والأمنيين والمدنيين بدمائهم قصائد حبّ الأوطان ورسائل عشق البلدان كان محترفو السياسة وتجّار الوجيعة والدّم يفتحون ملفّات الصراع السياسي ويقيسون موازين الرّبح والخسارة.
الإرهابيّون الذين أقدموا على جريمة الفجر في بنقردان فجر يوم 07/03/2016 أعادوا إلى الذّاكرة التونسيّة أحداثا منسيّة في التاريخ التونسي وعادوا إلى صبيحة يوم الأحد 27 جانفي 1980 حيث أضاف المؤرّخون إلى تاريخ تونس أحداث قفصة .
بين الجريمتين تشابه عجيب في مجرى الأحداث ومنهج القتل ومكان التدريب وطرق التنفيذ فقط شيء واحد يصنع الفارق ويبعد بين الجريمتين وهو المجرمون القتلة:
في أحداث بنقردان 2016 جماعات إرهابيّة أخطأت فهم السياسة والدين والتاريخ ممّن نسبوا أنفسهم إلى العمل الإسلامي فحرّفوه ولعلّهم مزيج رهيب من العمل المخابراتي والتوظيف الأمني والسياسي والفهم المحرّف للدين والعقيدة .
في أحداث قفصة مجموعة من التونسيين الذين تشرّبوا الفكر القومي على منهج العقيد القذّافي وأرسلهم إلى تونس تصديرا للثورة "وينتمي اغلب المشتركون إلى الجبهة القومية التقدمية. كما كان اغلبهم من الشباب، غير المتزوجين، والذين تتراوح أعمارهم من العشرين إلى الثلاثين عاما. وهم جميعا من العمال وأصحاب المهن والأعمال اليدوية والفلاحة، من الذين هاجروا إلى ليبيا من اجل لقمة العيش، فاستغل النظام حاجتهم، وجندهم لخدمة أهداف عبثية".
إنّ هذا التشابة بين جريمتين تفصل بينهما 36 سنة يدعونا إلى قراءة نقديّة تاريخيّة للأحداث بعيدا عن غوغاء الساسة وأحقاد المتأدلجين وحفظا لنقاء دماء الشّهداء وانتصار لقيمة العقل.
مسارات التاريخ تصنعها أحداثه ووقائعه وأيّامه..وأحداث التاريخ محكومة بخطّ زمنيّ تترابط حلقاته وفق منطق التتابع أمّا كتابة التاريخ فقصّة أخرى تحرّكها رياح السياسة وأهواء السياسيين.ولكنّ هوامش التاريخ المنسيّة تظلّ حيّة في ذاكرة النّاس تستعيدها بعيدا عن سلطة المنتصرين المحرّفين للوقائع وفق مقاسات مطلوبة وأزمنة منسوبة فيحذف ويضاف.
التاريخ التونسي الحديث كان تاريخ بورقيبة ودولته ولم يكن يوما تاريخ الشعب التونسي وعلى هامش ما سمح بورقيبة بكتابته تلوح خطوط باهتة من تاريخ منسيّ صنع عناصر الصّراع بين دولة بورقيبة ومؤسّساتها والخارجين عن سلطتها والمنكرين لعبقريّة الزعيم الأوحد والمجاهد الأكبر ..وضمن هذه الدائرة من الصّراع كان الخلاف بين اليوسفيّة والبورقيبيّة باعتبارها خيارين للدولة من حيث الهويّة والامتداد ومنهج التسيير والإدارة وكانت "المحاولة الانقلابيّة سنة 1962" أعتى تجليّات هذا الصّراع .."انتصر"بورقيبة ولكنّ هذا "النصر" أنتج رؤية في الحكم حقّقت تصوّرا مخصوصا خالف فيه بورقيبة كلّ حكّام العرب الميّالين إلى الاستبداد عبر منهج الانقلابات العسكريّة فعمل بورقيبة على إضعاف المؤسسة العسكريّة خوفا من تكرار ما حدث في الجزائر وليبيا ومصر والعراق وسوريا والسودان وغيرها من البلدان( الانقلابات العسكريّة).
أضعف بورقيبة المؤسّسة العسكريّة خوفا من الانقلاب فقويت المؤسّسة الأمنيّة انطلاقا من حاجة النّظام إلى جهاز أمني قمعي يواجه حركات المعارضة السيّاسيّة وهذا ما حدث فعلا في كثير من الوقائع التاريخيّة التي أكّدت تلك النزعة التسلطيّة التي ميّزت النظام البورقيبي حيث واجه كلّ أشكال الاحتجاج السياسي أو الاجتماعي أو النقابي بالحديد والنار ( أحداث 26 جانفي 1978/أحداث قفصة 1980/انتفاضة الخبز 1984..)
توكّد هذه الوقائع المعبّرة عن حلقات من الصّراع العنيف بين السلطة ومعارضيها ما رسّخته سياسة بورقيبة من مناهج التعبير عن "الفعل المعارض" .
انتهج نظام ابن علي نفس الأسلوب الذّي رسّخه بورقيبة في التعامل مع المختلف السياسي وسلك مسالكه في القمع والاستبداد والقتل وأوجد بذلك نفس البيئة المولّدة للفعل المعارض العنيف وهذا ما تجلّى في بعض الأحداث التي نسبها النظام لعناصر منتمية للاتجاه الإسلامي في بداية التسعينات ثمّ كان الشكل الأكثر عنفا والّذي ينسجم مع تشكّلات معاصرة للفعل العنيف في مواجهة السلطة والأنظمة ( الإرهاب) من خلال أحداث سليمان 2006/2008.
مثّلت الثورة التونسيّة شكلا من أشكال المعارضة التي يلتقي فيها المطلب الاجتماعي بالمطلب الحقوقي بالمطلب السياسي ولئن كانت في أغلب أحداثها سلميّة فإنّها شهدت تعبيرات عنيفة تؤكّد نزعة من العنف المصاحب للتعبير المعارض من خلال حرق المراكز الأمنيّة..وفي الثورة التونسيّة تهاوت رموز الدولة ومؤسساتها ممّا أنتج حالة من الفراغ الأمني الكبير الّذي استثمرته الجماعات التي تتبنى العنف والإرهاب منهجا للتغيير السياسي.وعمّق الصّراع الإيديولوجي والسياسي حالة الوهن الأمني الذي أصاب المؤسسة الأمنيّة وحتّى العسكريّة.
كان لعسكرة الثورة الليبيبّة والثورة السوريّة أثر خطير أعاد الفعل المعارض العنيف إلى الواجهة بعد أن خبا في الثورة التونسيّة وأعاد المشروعيّة للمواجهة المسلّحة للأنظمة وفي هذا الصّراع تدافعت الأيديولوجيات تدافعا شديدا وأضحى الاختلاف بيّنا بين كلّ الفرقاء ( الثورة الليبيّة والثورة السوريّة والثورة اليمنيّة وحدّة الاختلاف في تقييم أحداثها).
تغذّى الصّراع السياسي الشهواني في بلدان الثورات (المدفوع بغريزة الصّراع الفكري والإيدولوجي المفتقد لعقلانيّة إدارة الاختلاف وتسيير الخصومة ) تغذّى بحدّة الاستقطاب الدّاخلي والنزعة المصلحيّة الغالبة على السياسة الدوليّة والاقليميّة فأنتجت مخابر المخابرات العالميّة المتحالفة موضوعيّا مع الأنظمة القمعيّة مخلوقا مسخا هو مزيج من هستيريا القتل وجنون الإيدولوجيا ومرض المغالاة في الدّين وأصاب هو المخلوق المسخ الثورات الشعبيّة في مقتل .
أحداث بنقردان كما كلّ الجرائم الإرهابيّة تطرح أسئلة كثيرة وتضيئ زوايا مظلمة يخشى الكثير تأمّلها وتفتح صندوق ألغاز يخشى الكثير كشفه.
نحتاج إلى كتاب التاريخ التونسي المعاصر منذ بداية تشكلّ الوعي الوطني وعلينا أنّ نتوقّف قليلا في مسارات الخيبات فيه وعلينا أن نحصي جرائم الطّغاة في أوطاننا حتّى نتمكّن من إحصاء جرائم الغلاة والبغاة..علينا أن نعيد رسم خطوط المتاهة العالميّة التي وقع فيها شباب انتزعوا عقله وضخّوا في قلبه دماء قاتلة وحسّ وحشي يدفعه إلى القتل.علينا أن نصمت قليلا حتى يطمئنّ الشهداء في سماء نعيمهم فغوغاء السّاسة تعذّب أرواحهم.
محمد المولدي الداودي
تونس


السبت، 5 مارس 2016

سقوط الأقنعة: حزب الله وحماس وامتحان المقاومة.

سقوط الأقنعة: حزب الله وحماس وامتحان المقاومة.


أذكر أنّني التقيت سنة 2009 في دار الاتحاد المحلّي للشغل بأحد النقابيين اليساريين في إطار احتفاليّة بيوم الأرض وأذكر أنّنا تطارحنا الحديث في كثير من القضايا الوطنيّة والعربيّة وأذكر أنّي ذكرت حركة المقاومة الإسلاميّة "حماس" وحزب الله الإيراني في مقام الحديث عن خيار المقاومة ..وأذكر يومها كيف أربد وأزبد وارتعدت الكلمات في فيه وعلا صوته ولعن الكلّ واستعار عبارات الرجعيّة والإرهاب ..أقول هذا مقسما وليشهد الله على قولي..
 ..فوجئت بالردّ فلم أكن أتخيّل أنّ عربيّا أو تونسيّا ينكر شرف المقاومة على حزب الله أو حركة حماس ..وكانت مفاجأتي أكبر حين استمعت لمناضل نقابي يساري يتّفق مع الأنظمة الرسميّة في اعتبار تلك الحركات المقاومة للكيان الصهيوني حركات إرهابيّة...
وأذكر كذلك يوما من أيّام 2010 في إحدى المؤتمرات النقابيّة حين اشتدّ النقاش بين المؤتمرين حول عبارة "دعم المقاومة العربيّة الإسلاميّة في لبنان وفلسطين.." وكان المقصود آنذاك حركة حماس وحزب الله وفي ذلك اليوم أربد كثيرون وأزبدوا ولعنوا الحزب والحركة ولعنوا إيران وذكّرونا بقضيّة الأهواز والاحتلال الإيراني للأهواز العربي...وأسقطت عبارة "الإسلاميّة" بالتصويت...
لم يكن حزب الله عند الكثير من المتشدّقين به اليوم حركة مقاومة وأرجو من هؤلاء المنتفضين في سبيل حزب الله وإيران العودة إلى أرشيف بياناتهم وخطاباتهم ليطلعونا على بيان مساندة للحزب في حرب 2006.
كان حزب الله عند هؤلاء امتدادا مقيتا لدولة إيران ..الدولة العدوّة في ذلك الزّمان...
سنة 2006 لم نكن نميّز بين حزب الله وحركة حماس ولا بين حركات الإسلام الشيعي وجماعة الإخوان المسلمين ..كنّا نميل إلى مساندة حركات المقاومة الشعبيّة( الحركات الإخوانيّة) أو المسلّحة (حزب الله وحماس) ميلا وجدانيّا تختلط فيه المشاعر العربيّة بالانتماء الإسلامي.
في كلّ الحروب التي خاضها حزب الله مع العدوّ الصهيوني كان الإسلاميّون في مقدّمة المساندين وكان الكثير من الممجّدين لهذا الحزب اليوم من المنخرطين في خطاب النّظام الرّسمي وأدان كثير منهم حزب الله مثلما أدانتهم أنظمة عربيّة ..
في كلّ حروب حزب الله كانت قناة الجزيرة القطريّة ذراعا إعلاميّة للمقاومة ..القناة التي ذهبت بعيدا في الدّعاية للحزب والمقاومة ولا تكاد تميّز بين قناة الجزيرة القطريّة وقناة المنار اللبنانيّة.
في كلّ حروب حزب الله اتّخذت قطر موقفا مخالفا لكلّ الأنظمة وأذكر أن الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله هتف عاليا في إحدى خطاباته "شكرا قطر.." وكانت صور أمير قطر تملأ شوارع مدن الجنوب اللبناني وقراه.
وأذكر أنّ الشيخ القرضاوي العالم السنّي ورئيس أكبر هيئة علميّة إسلاميّة في العالم الإسلامي خالف كلّ علماء الخليج والأزهر ودعا إلى مناصرة حزب الله وكل حركات المقاومة ...
كنّا ندعم حزب الله وكنّا ندعو له بالنصر وكنّا نهتزّ لخطابات نصر الله ..
لم نكن يوما نميّز بين حزب الله وحماس ولم نكن ندرك الاختلاف المذهبي أو الطّائفي..ثمّ كانت ثورات الشعوب العربيّة.
الثورات العربيّة على سذاجتها وعفويّتها ورغم تحريفها كشفت عورات كثيرة ..ولحزب الله عورات كثيرة وأشدّها قسوة تدخّله في سوريا ومساندته لنظام القاتل بشّار ..بعد الثورة السوريّة انكشف القناع المذهبي والطّائفي وتعرّى الحزب في فضاء العري الطائفي واستحضر ثارات التاريخ وسبى آلاف النّساء السوريّات حتى " لا تسبى زينب مرّتين".
الثورة السوريّة كانت فارقة في قيم المقاومة ومبادئها ..مقاومة الظلم والانتصار للمظلومين ومن تعدّد الخيارات الفارقة والحاسمة كان الاختلاف بين حركة حماس وحزب الله.حماس انشدّت لقيم المقاومة ومبادئ النّضال وخيّرت الانتصار للشعب الثّائر المظلوم ودفعت ثمن ذلك تشريدا وتهجيرا لقياداتها ومنتسبيها اللاّجئين في سوريا أمّا حزب الله فقد دعاه داعي المذهب والطائفة وانتصر للطّاغية.
نقطة الافتراق بين وجهتين للمقاومة كانت الثورة السوريّة : حماس أدركت أنّ رصاصة لا تستقرّ في جسد العدوّ الصهيوني رصاصة خائنة وحزب الله أدرك أنّ وجوده من وجود النّظام والطائفة وليست فكرة المقاومة في حدّ ذاتها.
لماذا حزب الله وليست حماس؟
النخب السياسيّة اليساريّة والقوميّة والليبراليّة في تونس كانت ترى في حركة حماس امتدادا بغيضا للإخوان وحركة النّهضة ونفس درجة العداء الفكري والسياسي التي واجهت به هذه القوى السياسيّة حركة النّهضة واجهت به حركة المقاومة حماس وبعد الانقلاب الظالم في مصر هلّل خصوم السياسة والإيديولوجيا لهذا الانقلاب الدّموي ولم تهتزّ مشاعرهم الإنسانية لمشاهد الموت والقتل في رابعة وكلّ ميادين مصر وحين تمادى هذا النّظام القاتل في غيّه السياسي وصنّف جماعة الإخوان وجناحها السياسي الحزبي وحركة حماس حركات إرهابيّة هلّل داعمو الانقلاب في تونس ولم تشفع لحماس سنون المقاومة.
في الإعلام التونسي المموّل خليجيّا كانت حركة المقاومة حماس تلعن صباح مساء وهناك رغبة مجنونة تدفع هؤلاء الإعلاميين في اتّجاه تسفيه المقاومة وتتفيه منجزاتها ...وحتّى القوى الدّاعمة للمقاومة أو قضايا التحرّر الوطني انخرطت في حملات التشويه مدفوعة بغريزة العداء السياسي والإديولوجي. وفي أقصى درجات المحنة والقسوة كان السيسي في الخطاب الإعلامي التونسي والسياسي والحزبي بطلا قوميّا أعاد أمجاد عبد النّاصر وأنهى مشروعا ظلاميّا وكلّ تلك الدّماء البريئة المسفوكة ليست إلاّ دماء "لإرهابيين "يستحقون الموت..
تجاوز حزب الله اللبناني مؤسسات الدولة المشكّلة طائفيّا ومذهبيّا وتدخّل في الصّراع السوري فتهاوت شعارات المقاومة أمام مشاهد القتل اليومي للسوريين وتنامي الخطاب المذهبي .وفي المسألة السوريّة التقى حزب الله بكلّ أعدائه الإيديولوجيين وتناسى الكلّ ثارات الأمس ومعاركه في العراق وغيرها منن البلدان والأقطار ..ووجدت كثير من القوى السياسيّة والفكريّة التونسيّة نفسها في تحالف موضوعي مع حزب الله عبر المسألة السوريّة وتلاشت بذلك خطابات الحداثة والدولة المدنيّة ومعاداة الفكر الدّيني ...لم يعد حزب الله عند هؤلاء حزبا دينيّا رجعيّا أو امتدادا للعدوّ الإيراني بل أصبح تنظيما "مقاوما" يواجه التمدّد الإخواني ويحفظ ما تبقّى من نظام "بعثي".
إذن دعم حزب الله  من طرف سياسيين تونسيين لم يكن عند كثير منهم دعما لنهج المقاومة وإنّما كان دعما لبقاء نظام طائفي مجرم يعتقدون أنّ بقاءه سيساوي زوال خصم من خصوم السياسة والفكر..وهذه الاستعادة القويّة لخطاب "العمالة والإمبرياليّة والصهيونيّة والرجعيّة...." في إطار وصف الأنظمة العربيّة مشرقا ومغربا لم نشهد له مثيلا حين موّلت هذه الأنظمة نظام السيسي ودفعته دفعا إلى قتل شعبه.بل إنّ كثيرا من الشخصيّات السياسيّة التونسيّة والأحزاب التي عارضت حكم الترويكا استمالت هذه البلدان ودفعتها إلى محاولة تكرار المشهد المصري في تونس.
شدّة الاستنكار التي أظهرها البعض لا تعني أبدا غيرة على المقاومة ونهجها فقد اختلطت سبلها وتاه كثير من دعاتها في متاهة الدّم السوري ولكنّها تعني اصطفافا سياسيّا يعادي خصما إيديولوجيّا وسياسيّا ولو طرق الشيطان باب هؤلاء لأستقبلوه .
محمد المولدي الداودي
تونس




الجمعة، 26 فبراير 2016

تونس :حسابات السياسة والحكم: من يسقط أوّلا الدولة أم الشعب؟

تونس :حسابات السياسة والحكم: من يسقط أوّلا الدولة أم الشعب؟


ما رسّخته الثورة التونسيّة في الوجدان التونسي هو ثقافة الاحتجاج وأدبيّات الرّفض وتقاليد المقاومة الشعبيّة وأشكال المطالبة بالحقوق. ولعلّ تجدّد الاحتجاجات في الجهات الداخليّة وتنوّع أشكالها كالإضرابات العامّة في أغلب معتمديّات القصرين أو الاعتصامات بالولاية أو مقرّات المعتمديّات يؤكّد أن جذوة الوجدان الثوري ما تزال متّقدة وأن استحضار الهمّ الاجتماعي الممزوج بمشاعر التهميش والإقصاء لا يزال معبّرا عن عجز الحكومات المتعاقبة بعد الثورة على فهم منطلقات الثورة ومطالبها بل إنّ النخب السياسيّة التي استعارت من النظام السّابق أشكال المعالجة الاقتصاديّة والأمنيّة للمطالب والاحتجاجات وحافظت على نفس الرؤى والسياسات التنمويّة التي خطّها سياسيو دولة الاستقلال في بداية الستينات لا تزال مصدومة من حالة الاستفاقة المفاجئة لفعل احتجاجي مخبوء.
لا تزال المناطق الداخليّة محضنا مناسبا للفعل الاحتجاجي ومقدّماته الثوريّة ممّا أسقط حسابات كلّ السياسيين العائدين من منافذ الصّراع الأيديولوجي أو من منافذ الخطاب الإعلامي المدعوم من لوبيّات السياسة والمال.
لقد دفعت الاحتجاجات الأخيرة كثيرا من هواة السياسة (المحلّي منهم والمستورد) الذين حكموا واستهوتهم دائرة الحكم بعد الثورة إلى مراجعة آمالهم الكبيرة التي تسرّبت انطلاقا من ركود ثوري فاعتقد الحكّام الجدد في إمكانيّة ترويض الثائرين وتتفيه الخطاب الاحتجاجي وتخوينه وافتعال مشكلات جانبيّة وإحداث استقطاب سياسي وفكري بعيدا عن الهموم الحقيقيّة للشعب.
سقطت كلّ الحسابات وأعاد الشباب الثائر من المعطّلين عن العمل الشعار الثوري إلى الواجهة بعيدا عن خطابات سياسيّة تعبّر عن حالة اغتراب حقيقي عن الواقع ومشكلاته واستعادت الآلة الأمنيّة خطاب التخويف والترهيب واسترجع الإعلام المموّل من لوبيّات الحكم والمال خطاب التعمية والتلهية.
أعتقد أنّ خيارات الحكومة اليوم قليلة وأعتقد أنّ حالة من الإفلاس الجماعي قد أصابت كلّ السياسيين نخبا وأحزابا وخيارات ورؤى ومن حقّ هذا الشباب المنتفض في المناطق الداخليّة مساءلة الحكومة وسياساتها بعيدا عن حسابات نوّاب مجلس الشعب وتعثّر خطابهم وبعيدا عن حسابات المنظّمات الوطنيّة والتزاماتها الخفيّة مع الحكومة ..
الشباب الذي أبدع الثورة وألهم العالم لغة الاحتجاج الدّافئ لن ينسى دماء شهدائه ولن ينسى وصاياهم ولن ينسى تلك الشعارات التي ردّدتها الحناجر ذات شتاء من سنة 2011 "شغل حريّة كرامة وطنيّة".
العودة إلى الشّعار حتما ستضيء طريق المسير وستلهم السائرين براعة الاحتجاج وعلى الحكومة اليوم اختيار السبيل الحقيقي من بين سبل كثيرة متفرّقة ومتناقضة وأغلبها زائف.
قراءة تاريخ المظلومين والتأمّل في جغرافيّة المكان والإنسان بداية اكتشاف الطريق وسوف يشعر الحكّام الجدد بحرارة وهج النيران وإن هم أغمضوا أعينهم عن رؤيتها..والبحث عن سبب الحريق خير ألف مرّة من محاولة إطفائه.
قد تسقط الحكومة ..وقد تهتزّ بعض أركان الدولة ومؤسّساتها ولكنّ شعبا حرّا وكريما سيعيد رسم أحلام الوطن كلّ الوطن.
محمد المولدي الداودي.



الأحد، 7 فبراير 2016

القصرين: الكتابة على جسد الحريق

القصرين: الكتابة على جسد الحريق


سأكون جهويّا بنفس القدر الذي أكون به وطنيّا. وسأعلن أنّ الانتماء إلى ولاية القصرين فخر يسعى النّاس في طلبه وكثير منهم لا يدركه.
سنقول في هذه اللّحظات ما يجب قوله ونحن قريب من لفح الحريق وفوهة بركان بدأت أركانه تهتزّ من شدّة الغليان والاحتقان .وسنستعير من أهلنا في هذه الولاية المظلومة شجاعة الخطاب والموقف.
سنقول بكلّ فخر .نعم.نحن في  أرض الثورات ونحن سكّانها وإن تآمر المتآمرون..قد لا نحسن حصادها ولكنّنا حتما نحسن إشعالها.
في هذه الأّيام التي اشتدّ فيها سكون عاصفة مجنونة قادمة نحتاج إلى شجاعة الصّادقين.
نذر العاصفة ما تزال ملامحها في سماء ولاية القصرين والمعتصمون في كلّ معتمديّاتها حتما سيكونون بداية الحريق.في كلّ خطو تقطعه في أرض ولاية القصرين تسمع شهادة التفقير والتهميش والحقرة وتعلم يقينا أنّ حرمان هذه الولاية كان سياسة خطّها السياسيّون في مكاتبهم زمن الاستقلال.عاصمة البايات لم تغفر لأحفاد على بن غذاهم تجرّأه على الحكّام وانتصاره للمظلومين.
في الستينات قرى صغيرة أصابتها معجزات الحكم وحوّلتها إلى ولايات ..في ذلك الزّمان والمكان تحدّث السّاسة المنتشون بالحكم والنصر عن عصا سحريّة ..منشآت كبرى وجامعات ومطارات ومستشفيات هي كلّ جهد الوطن في ذلك الزّمان حوّلت مدنا من مدن البلاد إلى مناطق للنعيم والحياة وبعيدا عن تلك المناطق شعب مظلوم مفقّر يتغنّى بالوطن والبلاد ويسمع لتوجيهات السيّد الرئيس صباح مساء ويفتخر بمنجزات الدولة الوطنيّة الوليدة وقافلة التنمية تسير في بعض الجهات وقافلة الحرمان تمضي في جهات أخرى.
الدولة هي العقل الأكبر الذي يفكّر بدل النّاس وعقل الدولة التونسيّة منذ الاستقلال كان جهويّا وما فعلته الدولة التونسيّة في المناطق الداخليّة هو جريمة وخطيئة كبرى وعلى الدولة الآن التكفير عن خطيئاتها .
لعبة الأرقام لمن تستهويهم الأرقام تؤكّد حجم الجريمة التي ارتكبتها السياسات التنمويّة الممزوجة بمزاج جهوي وغضب سياسي على جهة كان لها موقف في الصّراع البورقيبي اليوسفي ويبدو أنّ بورقيبة لم يغفر لكثير من جهات البلاد انتصارها لمواقف سياسيّة تناقض رؤاه وهواه.
في القصرين, في لغة الأرقام ولعبتها, أكبر مخزون أثري وأكبر مخزون مائي وغابي ولها كذلك تنوّع كبير في الثروات الطبيعيّة .
تستنزف ثروات الدّاخل لتبنى مدن البحر والشاطئ .
بعد الثورة التونسيّة سنة 2011 فشلت كلّ النخب السياسيّة في فهم رسالة الثّائرين واستعادت نفس آليّات النظام القديم في معالجة قضايا التنمية والتشغيل ذلك أنّ للدولة عقلا لا يزال يفكّر بنفس مناهج التفكير القديمة.
وبعد انتخابات 2014 استعاد الحكّام الجدد نفس الجسم البالي للنظام القديم تفكيرا وأشخاصا وطرقا للمعالجة فكانت بوادر ثورة ثانية ما تزال علاماتها في أفق السياسة التونسيّة.
الذين يتساءلون عن الحلول ويعجزون عن الردّ ويبحثون عن عصا سحريّة فلا يجدونها لهؤلاء نقول ..العصا السحريّة التي بنيت بها جهات في هذا الوطن ما تزال لها نفس القدرة على بناء بقيّة الجهات التي بلغ سنّ حرمانها ستّين عاما.ولابدّ من قرار سياسي شجاع يعيد الحقّ إلى أصحابه .تفعيل مبدأ التمييز الإيجابي وتحويله إلى تشريعات ومشاريع تنمويّة كبرى بداية تصحيح الأخطاء والخطايا.
محمد المولدي الداودي




اعتصام المعطلين عن العمل بسبيبة














المعتصمون في مقرّ معتمديّة سبيبة

المعتصمون في مقرّ معتمديّة سبيبة: التشغيل مسؤوليّة الدولة ولابدّ من تمييز المناطق الداخليّة إيجابيّا.



امتدّت حركة الاحتجاجات بولاية القصرين لتشمل كلّ معتمديّاتها وتعدّدت أشكالها المعبّرة عن شعور قويّ بالغضب والإحباط ..معتمديّة سبيبة كانت إحدى معتمديّات ولاية القصرين التي اجتاحتها موجة الاحتجاجات وانتهت بدخول مجموعة من أصحاب الشهادات العليا المعطّلين عن العمل في اعتصام مفتوح بمقرّ المعتمديّة منذ يوم 20 جانفي 2016 .
معتمديّة سبيبة ككلّ معتمديّات ولاية القصرين صورة عن واقع الحرمان والتهميش الذي أصاب الولاية منذ بداية الستينات وهي جزء من خارطة مظلومة ومنسيّة بسبب الخيارات الاقتصاديّة والتنمويّة حيث تتجاوز نسبة الفقر فيها 28 بالمائة أمّا نسبة البطالة فتفوق 38 بالمائة ويتجاوز المعطّلون عن العمل من أصحاب الشّهادات العليا 1500 معطّلا.
في مدخل المعتمديّة لافتة كبيرة تعلم الزّائر عمّن بداخل المعتمديّة وهم المعتصمون ..أمّا جدران البهو فمليئة بالشعارات التي اجتمعت فيها مشاعر الغضب والمطالب ...وفي داخل قاعة الاعتصام مجموعة من الشباب المعطّل عن العمل من أصحاب الشّهادات العليا الذين تجاوزوا اليوم التّاسع في اعتصامهم ..على وجوههم ملامح التعب والإرهاق وفي أصواتهم نبرة الغضب والاحتجاج..خلق الاعتصام جوّا من الألفة بين المعتصمين ودفعهم إلى حوارات عميقة حول الواقع التنموي بالجهة ومشكلة التشغيل ومقترحات الحلول والمنوال التنموي ومساوئه والمشاريع المعطّلة ..مواضيع كثيرة هي من عمق هموم النّاس أعادتها الأحداث الأخيرة بولاية القصرين وبالجهات إلى واجهة الخطاب الإعلامي والسياسي وأعادت لهؤلاء الشباب المعطّل حقّ المطالبة بالشغل بعيدا عن مهاترات السياسة والسياسيين.
في يومهم التّاسع اتفقوا على الدّخول في إضراب عام يوم الثلاثاء 02/02/2016 وشرعوا في التنظيم له وفي عملهم تدرك روح المسؤوليّة حيث التأكيد على الالتزام بضوابط الإضراب بعيدا عن الشّعار السياسي أو أيّ نزعة للعنف .
زرتهم زيارة المتضامن المساند لمجموعة من الشباب المكتوي بنار البطالة ورأيت فيهم صورا من الحرمان الممزوج بالتعفّف والصبر وسمعت منهم أحاديث التهميش والقسوة.
ثامر المحمدي أحد الذين التقيتهم من الشباب المعتصم بمقرّ المعتمديّة شاب من مواليد سنة 1978 متخرّج منذ سنة 2005 أستاذا للانقليزيّة ومتزوّج وأب لثلاثة أبناء وواحدة من أبنائه تشكو مرضا مزمنا في قصّة ثامر المحمدي قصّة كلّ شباب الجهة الباحث عن الشغل فقد درّس بمدرسة خاصّة وأمضى عشر سنوات من سنين عمره نائبا معوّضا بمعتمديّات ولاية القصرين منذ 2006  منها خمس سنوات نيابات مستمرّة والأخرى عرضيّة وفي كلّ عام كان يدفعه حلم الانتداب إلى تحمّل كلّ المصاعب.
قرارات لا تمثّل حلاّ جذريّا ولا تعبّر عن طموحات المعتصمين.
سألناه عن موقفه من المقترحات الحكوميّة الأخيرة فأجاب" بأنّها شكل من أشكال سياسة الهروب إلى الأمام وتعبير واضح عن ارتباك الحكومة في مواجهة استحقاقات شعبيّة كانت إحدى عناوين الثورة سنة 2011 وكلّ الحكومات المتعاقبة بعد الثورة فشلت في تحقيق طموحات الشباب حيث عمّقت من آليّات التشغيل الهشّ والوقتي ومنها معضلة الحضائر بجهة القصرين.فلا جديّة في تناول المشكلة ولا وجود لرغبة حقيقيّة في الحلّ" ..وعند سؤالنا عن مقترح السيّد رئيس الحكومة المتعلّق بتشغيل فرد من كلّ عائلة معوزة أشار إلى مزالق هذا المقترح فهو مشروط وعبارة " عائلة معوزة " في حدّ ذاتها تحتاج إلى تحديد دقيق وهذا الشرط قد يحرم كثيرا من المهمّشين والمحرومين من أصحاب الشهادات العليا..وأضاف بأنّ هذه الآليّة كانت من الآليّات المعتمدة في عهد ابن علي وفيها كثير من مداخل الفساد ولذلك طالب بإلغاء هذا الشّرط واعتماد معيار السنّ وسنة التخرّج معيارا وحيدا في انتداب فرد من كلّ عائلة.
التشغيل مسؤوليّة الدولة ولا وجود لنسيج اقتصادي يشجّع على الاستثمار الخاصّ:
بشير الدّاودي من مواليد 1971 ومتخرّج أستاذا لمادّة العربيّة منذ 2004 غير متزوّج وهو العائل الوحيد لعائلة كبيرة العدد ..طرق أبواب الشغل فدرّس بالمعهد الخاصّ وأمضى خمسا من السنين نائبا معوّضا كان أحد المرابطين بالاعتصام منذ يوم 20 جانفي 2016 بعيدا عن عائلته تحدّث إلينا حديث المكلوم المألوم وأجاب جواب المحتجّ وسأل وساءل ..متى ستنتهي المعاناة؟ حدّثنا عن فشل الحكومات المتعاقبة في إجابة الشباب المعطّل عن العمل جوابا مقنعا عن أسئلة التشغيل ..فالتشغيل بالنسبة للأحزاب شعار انتخابي سرعان ما يسقط بانتهاء الحملة الانتخابيّة والتشغيل أهمّ مؤشّر عن تحقّق مطالب الثورة ..وحين سؤالنا عن عزوف الشباب المعطّل عن الاستثمار الخاصّ وبعث المشاريع خاصّة في ظلّ هذه المقترحات التشجيعيّة أجابنا بأنّ معتمديّة سبيبة ككلّ معتمديّات ولاية القصرين تفتقد لنسيج صناعي أو خدماتي يمكّن الشابّ من بعث مشروعه الخاصّ ولذلك فلابدّ من تدخّل الدولة عبر الاستثمار العمومي وهذا يحتاج إلى وقت وانتهاج منهج تنموي مغاير لما هو معتمد في المنوال التنموي الحالي.
بعض المقترحات التي خطّها المعتصمون في بياناتهم تتعلّق بمراجعة المنوال التنموي مراجعة جذريّة وتفعيل مبدأ التمييز الإيجابي في المناطق الداخليّة ومنها مسألة الانتدابات في الوظيفة العموميّة وسدّ الشغورات في المؤسسات العموميّة عبر مناظرة جهويّة واعتماد معيار السنّ وسنة التخرّج معيارا وحيدا للانتداب.
حسن الخلفي قصّة أخرى شاهدة على معاناة المعطّلين عن العمل من أصحاب الشهادات العليا .شابّ كافل لأمّ أرملة وخمسة إخوة متخرّج سنة 2011 اضطرّته الظروف الماديّة إلى العمل بحضيرة بأجر شهري لا يتجاوز 117 دينارا.حدّثنا عن ضرورة إيجاد حلول جذريّة لشباب مهمّش في منطقة منسيّة عانت التهميش سنين الاستقلال ..
في قاعة الاعتصام رسومات وشعارات وفي الوجوه مزيج عجيب من إصرار الرّوح على الصمود وحيرة الآتي من أيّام..القدر يمضي أيّامه وكلّ يوم يمرّ من أيّام الاعتصام يكتب سؤالا آخر ينضاف إلى أسئلة كثيرة كتبتها سنوات البطالة والحقرة.
أسماء كثيرة وقصص متشابهة لشباب أمضى سنين العمر في المدارس والمعاهد والجامعات ثمّ ألقته الجامعة في متاهة المدن والحياة..يترقّبون يوم الإضراب ففيه سيعلو الصوت في وسائل الإعلام وفيه قد يكتشف التونسيّون قصص المنسيين في جزء من الوطن والأرض.
محمد المولدي الداودي
سبيبة