الأحد، 8 ديسمبر 2013

في مقامات الشهادة



الدم التونسي في سوق السياسة



الحلم المرّ



الحلم المرّ

الشارع الممتد في مدينتي يسأل الخطى عن مسار الثورة والثائرين وتلك الجدران على جوانبه مازالت تحفظ الصرخات وما يزال الصدى يردّد الشعارات الغاضبة وفي مدينتي ما زالت أرى في وجوه الصحب بعضا من غضب وبعضا من حيرة وكثيرا من عزم الثائرين .. تعود بي الذاكرة في احتفاليّة الثورة إلى أيّامها فأحصي سنينها وأجدّد العهد في تجدّد عهدها وأتحسس النبض في عروق أحبّتي ممن ساروا في دروبها ونجدّد العهد للشهداء ونقرأ قسم الدماء والوفاء ..
تعود بي الذاكرة إلى تلك اللحظة الفارقة من عمر الثورة ليلة 13 جانفي 2011 وبعيد خطاب الطاغية بدأت العناصر الأولى للمؤامرة في التشكّل ضمن عناصرها المتداخلة والتي جمعت بين نخب سياسيّة انتهازيّة وإعلام موجّه وجزء من الشعب الذي استفاد من النظام على امتداد ثلاث وعشرين سنة ..في تلك الليلة خرج الناس للشوارع رافعين صور المخلوع وخرج علينا الإعلام وأظهر براعة في التضليل وخرج علينا السياسيّون وقالوا قولهم في الإصلاح والمصلحين ..وتهيأ المعزّون وحفّارو القبور والناعون من النخب وأشباه السياسيين وأنصاف المفكّرين ليعلموا الناس بموعد دفن الثورة وأحلام المظلومين ..كان المشهد عنيدا على الفهم وكانت الأنفاس في الصدور متوثّبة معاندة وكنّا في تلك الغرفة من المدينة نكتب بعضا من القول على جدار افتراضيّ في حسابي على الموقع الاجتماعي " فايسبوك " وأذكر أنّي كتبت ليلتها " إنّما النصر صبر ساعة " ...ثمّ خبّأنا الأحلام في الصدور ونمنا ..
في الصباح صلّينا ركعتين للشهادة ثمّ أسلمنا الروح للشارع وصرخنا  في عزم أشدّ " يسقط جلاّد الشعب " ..وكان من صدق الحديث ما كان وكان النصر فيما سمعناه من أمر المخلوع وعائلته وشعرنا حينها أنّ صدق المظلوم في دعوته وأنّ صدق الله في إجابته ولله الحمد من قبل ومن بعد ..
توالت الأّيام واهتزّ الجناة في مخابئهم وصنعوا المؤامرات فكان لهم الثوّار بالمرصاد وكان اعتصام القصبة الأوّل والثاني إلى أن كانت الغفوة والهفوة فيما اختطّه اللصوص من أمر الهيئة  واتبعهم في ذلك من كنّا نعدهم من اليقظين الثائرين وساروا بنا في مسالك غريبة وبوجوه ما عرفناها في الساحات وخطى ما عرفت الشوارع وقعها ..كانوا غرباء عن العمق الثائر في الوطن وكانوا غرباء عن لون دماء القصارنيّة وأهالي سيدي بوزيد وأبناء الجنوب والأحياء الشعبيّة المفقّرة حزمة الظلام في مساحة النور الثريّة.
في تلك اللحظة أعاد التاريخ دورته وسمعت صرخة على بن غذاهم في قصر الباي وسمعت آهة الشعور بالغدر ولوعة الإحساس بالخيانة وأدركت أنّ للحاضرة قانونها ..للمدن الفقيرة ضريبة الدم وجباية الأرواح وللحاضرة شهوة السلطة والحكم  ..علي بن غذاهم تستعيده الذاكرة توجّسا من الغدر وخوفا من محترفي اللصوصيّة الثوريّة. عدنا من القصبة إلى عمق البلاد حيث القرى والوجوه السائرة في متاهة الجوع والفقر وسؤال اليوم عن خبز الغد وموعده وتركنا الثورة في مكاتبهم ومجالسهم ..عدنا وأحلامنا تسير معنا في مضيق الخوف والضياع فالعيون الزرق في العاصمة البعيدة لا تحفظ عهد الثوّار أولائك القادمين من مدن الجوع وقرى التشرّد. يكتبني جرحك يا وطني صرخة في الصدى.
توقّف الناس في الصفوف الطويلة وأحلامهم تمضي في الخلوات على أسماء من رغبوا في انتخابهم ممن حدّثونهم عن الجنّة قبل عذاب القبر وأهوال الحشر ..تمضي الأصابع الخشنة وتترك الخلوة للقابعين هناك السائرين في مسارات السياسة المنتظرين للصدق في باب المجالس. آه يا وطني ما قرأت عن جوعك في كرّاس المدارس.
ارتعشت أيادي الحكّام الجدد وتعثّرت خطواتهم وتربّص بهم المتربصون في كلّ قارعة وثنيّة وتحرّف وجه الثورة حتّى أنكرناه .فلم يحمل صفتي وسحنتي ولم يحمل تجاعيد وجوه المتعبين في مدني .
أفاق القتلة وشهوة الدم في أفواههم ويقنوا أنّ الشهداء لا أولياء لهم ولا ورثة فعادوا إلى مواقعهم وحدثونا عن الثورة والثائرين..آه يا وطني كم من قتيل في ربوعك حتى يستحي القتلة؟
في القصرين ولدنا وفي أجسادنا موضع الرصاصة القاتلة من الطغاة .في القصرين ولدنا وفي أفواهنا لعنة الظالمين وحتما سنمضي في لعنهم.
روح الطغاة تستعيد وجودها وشهوة القتل تدفع القتلة إلي البحث عن الرصاص ولكن أيّها الشعب المسكون بالقمع سنقولها من القصرين : لن نهدي أرواحنا للمدى والفراق مرتين لتنعموا بالنعيم.
محمد المولدي الداودي
القصرين حاملة الجرح والحلم






السبت، 12 فبراير 2011

مدن الصمت ...مدن الحريق


مدن الصمت ...مدن الحريق



1) مدن الصمت:

- مؤتمر القيامة.



.."وتبسّم ضاحكا" ..

ثمّ تنحّى ... وأشار

طارده السؤال حينا ..ثمّ الأنظار

ثم...ثمّ تلكّأ..ثمّ اتكأ فوق صمت الأخبار

وأجاب..

بالصمت أجاب..

" ما كنت انتظر أن تشرق شمس

قبل أن تغرب أخرى

ما كنت أعتقد أن تنمو الأشجار في مدينتنا

قبل أوامر سيّدنا ..

قبل أن يأتي قرار"

***

أخذ الكأس... والتحف عجبا .

تملؤه أسئلة حيرى ...وضوضاء الأقدام

يهتزّ من حوله مصدح ...فيفزع من بين يديه كلام

جال...قال...ثمّ أدان

شجب ...نهب...ثمّ أبان

انتفض....وانفضّ عنه العنوان

وأعاد تسريح الشعر ....وترتيل النثر

وأعاد ترجيع الحمد ... وتمديد الشكر

ثمّ قال...

الحمد لله وأشكره

والحمد ....الحمد له

لمعجزة تعجب منها الأزمان

نصمت ...نصمت ثمّ ننام

وحين آذان الظهر

أو قل آذان العصر

نصحو قليلا ..فيتلونا بيان

.....

واهتزّت من حولي الجدران ....تهليلا لمعجزة أخرى

فحمدت مثلما حمدوا ...وشكرت مثلما شكروا

وصمت مثلما صمتوا

فما جدوى الهذيان؟

وما جدوى سؤالك عن قدر؟

يمضى في قصر السلطان.

1) مدن الصمت

- المهاجر



إنّي أهاجرك

عبر ثنايا الرّيح

وأشرعة الأحلام

وأشواقٍ لأغنية الربّان

إنّي أهاجر هذا الظّمأ السّاكن فيّ

مجرى الألم في الشريان

إنّي أهاجر ضيق الرّوح

من ضيق الفسحة في الأحزان

روح على ريح غربتها

تهجرها الألوان والأزمان

روح في ريح من روح

ينتظر وصْل الريحان

إنّي أهاجرك يا وطنا

حين أسكتّ هتاف أنائي

إنّي أهاجرك

لأنّك هاجرت حين نادتني أسمائي

لأنّك هاجرت أحلامي

لأنّك هاجرت لغتي وكلامي .

2) مدن الحريق

- العبور إلى مدن الرّحيل .

الرّحلة الألفْ ... والحلم الواحدْ

إنّي أعاهدك ثمّ.... أعاهدْ

إنّي أعاهدكْ ...

قسمي البحر والليل شاهَدَنَا...والشاهِدْ

إنّّي أعاهدك ..

أن أصمت حين يموج البحر وتصرخ من حولي الحيتان

تنتظر طفلا أغواه لهو الولدان

أو ذكرا يهديها عطر الوجدان

إنّي أعاهدك...

والرّوح الرحلة والزاد

إنّي أعاهدْ ...

أن أصمت حين تبتسم من بُعْدٍ مدائنهم

أو تهتف من حولي الخلجان

أن أصمت

أصمت ...

وأنا أحصي ...أعداد الحرّاس

وأسلاك القضبان .

2) مدن الحريق

- العودة إلى المضيق

ما الاسم.... خبأته في لون البحر حين هاجرت الأوطان

والّلغة ... ألف ...ياء ..وكلّ الحرف نسيان

أنا ....؟ ضاق الحلم فأنساني أنّي أتّسع لإنسان

أنا ..... ؟ وردّ البحر ..يا أنت ..بلّغ عنّي الشطآن

سلام الماء ... لون الرّوح.... شوق البعد

حلم الغد .... صمت الرّعد ....جهد الجهد

ألف....ياء...

ثمّ يغرقني الكتمان.

أنا...؟ تاه الزورق

ونام من حولي الإخوان

صاح ..الصبح وتراءى في ذاك المشرق.

2) مدن الحريق

- مرثيّة الحلم .

ها ...قد صرتك زمنا يا وطنا

ينسرب الحلم من بين يديه

ومن خلفه رائحة الطغيان

يسكنك موتك

وهذا الجرح تقيّأ دمه

صار صراخا..

صار أوهام السلطان

.. يتنفّسك البحر

وهاجرك طير الأحلام

وانسكبت فيك مدائنهم

مدائن أخرى لجوع الرّعيان

ياجوع أوطاني

يا غربة حيني عن أزماني

يا عري ضميري ...حين أفتقد إنساني

.......

فلسطينُ ...

ما لون الجوع ؟

ما طعم الظمأ؟

ما رائحة الرّوح حين تسيل في الوديان؟

ما شدو الجرح؟

ما لحن الفرح يسرق من حين الأزمان ؟

بغدادُ ..."مسلّمة لا شية فيها"

تكتمك الكلمات أشواق الوجد

وتشكوك الألفاظ غربتها

هاجرك اللفظ ...بغدادُ ...وصار في معنى الخذلان

صار قافلة تغزوها أسماؤك

صار تكوين الأكوان

من بابل السحر ...إلى هارون الشعر

تمتدّ الباء إلى الدّال ....ثمّ تطول

جبلا صارت ...وطنا كانت ...وسماء

ألف ...ياء

بغداد ...لك كلّ الأسماء .







مزاد علني

مزاد علني







أبيعكم حلمي ..يا تجّار أوطاني


هذا مزادي


وهذا كلّ إمكاني


بصبر العمر أبدعه


بلون الرّوح أرسمه


ونبض القلب وقّعه ..


لحنا من الأشجان


حتّى استوى ..نفخت فيه من روحي


وأودعت فيه وجداني


....


أبيعكم حلمي ..يا تجّار أوطاني .