الجمعة، 5 يونيو، 2015

النهضة وفقه المناورة السياسيّة

النهضة وفقه المناورة السياسيّة
محمد المولدي الداودي



النهضة: إعادة اكتشاف الذات .
لم تكن عودة الشيخ راشد الغنوشي إلى تونس يوم 30 جانفي 2011 مجرّد حدث عابر بل لقد كانت عودته علامة فارقة في الثورة التونسيّة وإحدى علامات تحوّلها وعنصرا من عناصر تكوّنها التي يمتزج فيها الواقعي بالحالم وهي مساحة التداخل العجيبة بين دائرة المحنة ودائرة التفاؤل.عودة الشيخ راشد الغنوشي عودة لقطعة من التاريخ التونسي المعاصر التي أسقطها النظام بكلّ مكوّناته الأساسيّة أو الخفيّة وحاول طمسها عبر قوّة الدولة ومؤسساتها ..الفكرة أحيانا أقوى من الدولة وما يطمسه الجلاّد تحفظه الأرض والذّاكرة..عاد الشيخ راشد الغنوشي المحنة والفكرة ..ليختبر الشيخ نفسه زمن الثورة.
في سنين المحنة والغربة تغيّر الإنسان والأوطان وتلوّنت أفكار الحركة بألوان تربة المهجر وعصفت رياح كثيرة في ثوابت الفكر والقناعة.وفي تونس رجال آخرون غيّرتهم سنون القمع ..فماذا لو أنكر الأصل فرعه؟ ..وماذا لو أنكر الشبيه شبهه ؟.
أصبحت الحركة مكوّنا من مكوّنات الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي وجزءا من عناصرها الإديولوجيّة وخصما من خصوم السياسة داخلها.وداخل الهيئة تراءت بعض ملامح هيئة 18 أكتوبر وانكشفت بعض أضاليلها...فما يصنعه الاستبداد تذهبه أوهام الحريّة. وداخل الهيئة سقطت النهضة ككل الأحزاب المكوّنة لها في فخّ الايدولوجيا ولم تستوعب كبقيّة مكوّناتها مخاطر الدولة العميقة وقدرتها على التشكيل الذاتي لصورة مموّهة تتجاوز الصورة الأصل ولكنّها تحتفظ بسماتها الأساسيّة وعوامل بقائها ..في معارك الهيئة تجليّات لرؤى الحكم والسياسة وتناظرات بين المواقف في مسائل الاقتصاد والنمط الاجتماعي والثقافي ومحاولة للتحشيد الانتخابي ضمن سباق محموم نحو السلطة ولم تسأل كلّ الأحزاب وكل المنظّمات والهيئات المكوّنة للهيئة عن المكوّنات العميقة للسلطة والحكم ومدى استجابتها للواقع الجديد وقابليّتها لاستيعاب الفكر الثوري والرؤية الثوريّة.
في الوقت الذي استعادت فيه الأحزاب المعارك الفكريّة القديمة كانت الدولة العميقة تجدّد طرائق خطابها وتتطّهر من خطاياها ومفاسدها لتعيد بناء الوعي الشعبي عبر القفز   إلى الوراء وتجاوز مرحلة تمتدّ في التاريخ التونسي المعاصر على مدى ثلاث وعشرين عاما فكان الباجي القايد السبسي الصورة المستوحاة من الصورة النموذج للزعيم ( الحبيب بورقيبة ).
إنّ إجهاض أيّ محاولة لتفكيك العناصر المكوّنة للعمق الفاعل في الدولة العميقة كالجهاز الأمني أو القضائي أو الإداري وبناء هياكل مماثلة للهياكل التنظيميّة التي ساهمت في نجاح الثورة كالنقابات أو المنظّمات أو حتى الأحزاب  تعبّر عن  قدرة الدولة العميقة على تحليل العناصر البنائيّة للحراك الثوري من جهة كما تعبّر عن وعي الدولة العميقة بعجز الأحزاب المشكّلة حديثا على إنتاج بدائل للحكم والتسيير من جهة ثانية.تعدّدت النقابات الأمنيّة وتشكّلت نقابة للقضاة وتمّ دفع فرحات الراجحي للاستقالة واستعان الباجي قايد السبسي بالمخزون الحزبي والإداري والأمني للمنظومة القديمة ووجّه كلّ الأحزاب نحو السباق الانتخابي وأمات كلّ العلامات الرمزيّة المكوّنة للذاكرة الثوريّة انطلاقا من مفارقة (الفوضى وهيبة الدولة ) ولذلك دفعت كلّ الأحزاب للمشاركة في قتل النفس الثوري الأخير في القصبة 3.
لم يمكّن تسارع الأحداث وتطوّر الواقع السياسي وتناقضاته لم يمكّن كلّ هذا حزب حركة النهضة من تلمّس الأرضيّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والسياسيّة للمجتمع التونسي ولم يمكّنه من اكتشاف التحوّلات التي أنتجت تلك اللحظة الثوريّة كما أنّ تعدّد الروافد واختلاف التجارب بين المؤسسين للحزب والمنتمين إليه لم ينل حظّا من الاهتمام .
في حزب حركة النهضة مدارس سياسيّة ومواقف متباينة ورؤى مختلفة قد تبلغ حدّ التناقض أحيانا فالقادة الذين تشرّبوا التجربة الديمقراطيّة في سنين المنفى في المهجر أدركوا من السياسة ما لم يدركه قادة الدّاخل الذين خبروا قمع النظام وظلمه وكانوا الأكثر تعبيرا عن معاناة الناس في ظلّ الاستبداد وقادة الدّاخل هم الذين أداروا بعضا من التوافقات السياسيّة زمن الاستبداد وشاركوا في الحراك الحقوقي والنقابي أو الطلاّبي واكتسبوا في سنين المحنة قدرة على المناورة وفرض مساحات للحركة السياسيّة بعيدا عن المراقبة أو المتابعة واستفادوا من التجربة اليساريّة أو القوميّة عبر خلق فضاء مخفيّ للعمل السياسي عبر تلوينات نقابيّة أو مداخل حقوقيّة ولقد أعاد الإسلاميّون عقد الصلة بينهم وبين النّاس وصاروا جزءا من هموم النّاس ومعاناتهم كما عبّروا عن بدايات تشكّل لفعل الرّفض المضمّن في إطاره الشعبي لا السياسي ( معركة الحجاب في تونس ).
ألغى التسارع في وتيرة الأحداث السياسيّة بعد الثورة كشف التباينات وأخفى مناطق الاختلاف بين مكوّنات الحركة وعناصرها التاريخيّة ولم يتح للملاحظين إدراك التحوّلات الفكريّة أو الحركيّة التي أصابت منهج الحركة ودفعتها إلى المراجعة وفق قراءة نقديّة للمسار ولذلك اختلف خطاب الحركة الجماهيري واختلفت صور حضورها لدى النّاس.
لم تكتسب النهضة صورة واحدة في وجدان أنصارها والمنتمين إليها حديثا من الشباب بل كانت عند البعض تفاعلا وجدانيّا دفعته أدبيّات السجون والمنافي وتضامنا إنسانيّا حكمته روح الاعتراف بمدى الظلم الذّي طال هؤلاء النّاس وكانت كذلك انشدادا فكريّا لفكرة الإسلام والشريعة والدّين وأحيت حركة النهضة وهي الامتداد الفكري للاتجاه الإسلامي , أحيت لدى شريحة "متديّنة " من الشعب التونسي أحلام العودة إلى اللحظات المضيئة من التاريخ الإسلامي وهي لدى المقهورين والمظلومين اجتماعيّا صورة " لتقوى السياسية" التي تقوم بديلا لصورة الفساد والارتشاء والمحسوبيّة والتفاوت الجهوي والاجتماعي.
لم تكن النهضة مجرّد حزب سياسي بل كانت كلّ هذا الكمّ المتداخل من المعاني والأحلام...كانت النهضة أفقا متفائلا يسعى إلى تجاوز واقع مأزوم ومألوم..ولم يكن أحد ليدرك الحدود الفاصلة بين تلك العناصر المتآلفة ولم يكن أحد ليدرك الحدود الفاصلة بين أحلام الفعل وإمكاناته بل إنّ كثيرا من قادة النهضة وزعمائها أجّلوا البحث في المكوّنات البنائيّة للحركة وتعمّدوا المزج بين عناصر اللوحة المتباينة والمتناقضة التي كوّنت جاذبيّة النهضة ..إنّ النزوع إلى الغموض وتعمية المشهد عنصر من عناصر الإدهاش وخلق صورة فاتنة وجاذبة.




النهضة وفقه المناورة السياسيّة

النهضة وفقه المناورة السياسيّة

محمد المولدي الداودي



الثورة: فشل النخبة السياسيّة في الاستجابة لانتظارات الحراك الشعبي.
كانت حادثة حرق محمد البوعزيزي لنفسه يوم 17 ديسمبر 2010 في ساحة من ساحات ولاية سيدي بوزيد القطرة التي أفاضت الكأس والشرارة الأولى التي أوقدت نيران الثورة التي بدأت عفويّة مشدودة لهول المشهد ومحكومة بمشاعر إنسانيّة عمّقتها مظاهر الحرمان التي كان عليها سكّان المناطق الداخليّة ثمّ سرعان ما اتّخذت بعدا مطلبيّا وحقوقيّا أطّرته الاتحادات المحليّة والجهويّة كما شارك المحامون والهيئات الحقوقيّة في تغذية هذا الحراك الشعبي الذي اتّخذ شكل المواجهات في الأحياء ليلا والمظاهرات المؤطّرة نقابيّا نهارا وضمن تنامي الحركة المطلبيّة تطوّر الشعار وتحوّل من شعار جهوي إلى شعار مطلبي أجملته عبارة " التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق" ثمّ شعار" شغل ..حريّة ..كرامة وطنيّة".
استخفّ النظام بالحراك الثوري وحاول استعارة نفس العبارات التي واجه بها التحرّكات الاجتماعيّة في الحوض المنجمي أو في الجنوب وأطلقت الدوائر الإعلاميّة المحيطة بالسلطة عبارات من قبيل " المخرّبين" وحاولت تهميش الأبعاد الاجتماعيّة كارتفاع معدّلات البطالة في صفوف أصحاب الشهادات العليا وانتهجت نفس المنهج القديم في معالجة القضايا الاجتماعيّة عبر تخوين كلّ صوت معارض والتركيز على المنجزات الاقتصادية للنظام ( المعجزة الاقتصاديّة ) .
لم يعد إعلام النظام قادرا على صنع رأي عام معاد للحراك الثوري وغلب الارتباك والارتجاليّة على أدائه الإعلامي في ظلّ انفتاح إعلامي جسّدته قناة الجزيرة وقناة الحوار اللندنيّة خاصّة وكان "الفايسبوك" الشكل الأرقى للإعلام البديل الذّي أذكى روح الثورة وأكسبها بعدا شعبيّا خالصا بعيدا عن الخطاب الإعلامي الرسمي وحوّل كلّ مدن تونس وقراها إلى فضاء ثوري حيّ وقادر على ابتكار أشكال ثوريّة غير تقليديّة وغير منظّمة وبالتالي يصعب محاصرتها.
لقد حاول النظام تحييد المكوّنات المكشوفة للعمل المعارض للسلطة كالأحزاب " المعارضة " آنذاك أو الرابطة التونسيّة لحقوق الإنسان أو الاتحاد العام التونسي للشغل مجسّدا في المركزيّة النقابيّة التي أحدث توازنا دقيقا بين تزكية النظام وتحقيق كمّ مقبول من المطالب الاجتماعيّة ولم تكن المركزيّة النقابيّة قادرة على دفع الهياكل النقابيّة الجهويّة والمحليّة إلى الحياد بل لقد ساهمت المكوّنات الأساسيّة والمحليّة في تأطير التحرّكات الاحتجاجيّة داخل الجهات وساهمت قطاعات كثيرة ومنها قطاع التربية بشقيه الأساسي والثانوي في تغذية هذا الحراك بأشكال نقابيّة فاعلة ومنظّمة ( الوقفات الاحتجاجيّة وبيانات المساندة).
اتّسعت جغرافيا الثورة وامتّدت شمالا وجنوبا واتّجه النظام وجهة المعالجة الأمنيّة العنيفة والقمعيّة وسقط أوّل الشهداء في مدينة منزل بوزيان من لاية سيدي بوزيد يوم 24/12/2010 وهو الشهيد محمد العماري وفي نفس اليوم كانت مسيرة شعبيّة يتقدّمها المحامون تجوب وسط ولاية القصرين لترفع أوّل شعار ذي مضمون سياسيّ يدفع بالمسألة السياسيّة في قلب الحراك الثوري وهو شعار " حرّيّات...حريّات لا رئاسة مدى الحياة".
في مدينة تالة والقصرين تجاوز الثوّار حواجز الخوف وأصبحت المواجهات الخبز اليومي لشباب الجهات الداخليّة وتجاوز النظام مخاوف المواجهة القاتلة وأدرك الساسة من الموالاة والمعارضة الحجم الحقيقي لما يحدث في تونس وحاول كلّ منهما مغالبة الوقت في تشكيل رؤية سياسيّة تستثمر ما يحدث وتدفعه نحو مكاسب سياسيّة .ولذلك تحرّكت بعض الأحزاب المعارضة كالحزب الديمقراطي التقدّمي وحزب التجديد في حين حاول الحزب الحاكم البحث عن مخارج سياسيّة ضمن رؤية مؤطّرة من حيث الحركة والهدف.
في مسارات الثورة ويوميّاتها كان الإسلاميّون جزءا من الفاعلين الثوريين ولم تكن النهضة مكوّنا بارزا تنظيميّا. وكان الشباب الغاضب الذي وحدّته هموم الوطن وخطايا النظام والذّي لم توجّهه أحزاب سياسيّة أو منظّمات وطنيّة هو الفاعل الحقيقي ...كانت الثورة التونسيّة نسيج وحدها ..
أشار خطاب ابن على ليلة 13 جانفي إلى معالم النهاية لنظام سياسيّ استبداديّ غذّته عصابات المال والفساد وأمدّه خطاب إعلاميّ انتهازيّ وحضور حزبيّ باهت للمعارضة أمدّه باكسجين البقاء ..حاول الإعلاميّون المرتبطون بالنظام والسياسيّون المتعّلقون به وأشباه النخب المثقّفة وأد الحراك الثوري واستثمار الدم من أجل تحقيق بعض فتات السياسة والحقوق وكان الحديث بعيد الخطاب متعلّقا بإصلاحات سياسيّة جزئيّة وفتح بعض من الهوامش المحرّمة في الإعلام وحريّة التعبير والتفكير لقد فكّر كلّ "رموز" المعارضة آنذاك داخل دائرة النظام القائم لا خارجها وأكّدوا تلك المسافة الفاصلة بين طموحات الجماهير الثائرة ورؤى السياسيين الضيّقة.في تلك الليلة الفارقة في عمر الثورة كان تدخّل الشيخ راشد الغنوشي واضح المعالم والملامح فاصلا مع النظام ممّا دفع كثيرا من المنتمين للحركة إلى الالتحام العلني بشباب الثورة في الساحات والمظاهرات يوم 14 جانفي 2011.
لم تكن النهضة الحزب السياسي المحظور إلا مكوّنا غير مرئيّ من مكوّنات الثورة وكانت جزءا من حالة ثوريّة تونسيّة تجاوزت الأحزاب والأطر المنظّمة للمنظّمات والهيئات وكانت مجموعة من المواقف التي تتعالى من رموزها في الخارج عبر المنابر الإعلاميّة العالميّة.
هروب ابن علي ومسابقة ملء الفراغ:
لم يكن تهاوي نظام ابن علي بتلك السرعة متوقّعا وهو ما أكّد وجود عناصر خلل في بنية النظام في حدّ ذاته ساعدت التحرّك الثوري على إسقاط مكوّن أساسيّ من مكوّناته ( الرّئيس)دون أن يسقط بقيّة المكوّنات ولقد كشف هذا التهاوي السريع والمباغت المساحات الفارغة في الحراك الثوري وعمّق الارتباك والارتجاليّة ولئن ساعد غياب البناء التنظيمي للثوّار على الاستمراريّة والعفويّة التي ميّزت الثورة التونسيّة فإنّه طرح بعد هروب ابن علي أشدّ المشاكل التي طفت على سطح الواقع السياسي في تونس ومنها مسألة العلاقة بين الدولة والثورة ولم تتمكّن المكوّنات السياسيّة لمعارضة من فهم حقيقة التحوّل السياسي في تونس واختلفت المقاربات وعبّرت عن تباين بلغ حدّ التناقض في فهم التحوّلات وإدراك المطالب الثوريّة.كانت الأحزاب السياسيّة المعارضة "رسميّا" مثل حزب التجديد والحزب الديمقراطي التقدّمي أكثر ميلا للتحرّك في فضاء " الدولة القديمة " وهي المنتوج الإداري والإعلامي والأمني والقضائي لحزب  التجمّع ونظام ابن علي وما أرساه من نظم للسياسة والحكم وكانت رؤيتهم "إصلاحيّة" لا رؤية ثوريّة وبدا الصّراع بين الشباب الثوري الحامل لمشروع الثورة ثمّ الدولة وبقيّة العناصر المكوّنة للمشهد السياسي كالأحزاب والمنظّمات والهيئات جليّا في القصبة 1 والقصبة 2 غير أنّ الشباب الثوري لا يملك التجربة السياسيّة ولا الإمكانيّات التنظيميّة التي تمكّنه من فرض رؤاه في الواقع السياسي التونسي الجديد ولذلك سارت حركة الثورة في مسارات المهادنة وأجّلت حسم العلاقة الإشكاليّة بين دولة المنظومة القديمة التي ظلّت قائمة في شكلها الإداري ورموزها السياسيّة ودولة "الثورة" المرتبكة والمتناقضة.
كانت الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي  التي تأسست في 15 مارس 2011 أثناء الثورة، برئاسة  عياض بن عاشور وجها من وجوه المعادلة الصعبة التي أنتجها الواقع السياسي التونسي بعيد الثورة وهي معادلة الثورة والدولة  .والعجيب في تلك المرحلة هو مستوى التناسب بين مكوّنات السلطة التنفيذيّة متمثّلة في الرّئيس فؤاد المبزّع ورئيسي الوزراء محمد الغنّوشي في مرحلتين والباجي قائد السبسي في مرحلة ثالثة فهؤلاء علامات رمزيّة لبقاء الدولة القديمة واستمراريّة نظامها وقدرتها على حماية عناصرها الإداريّة والأمنيّة والقضائيّة أمّا الهيئة التي عبّرت ولو جزئيّا عن ملامح المكوّن الثوري باعتباره قوّة تشريع وتسيير فإنّها جمعت نشازا من الفرقاء الذين استوعبهم فراغ الواقع السياسي ولم تجمعهم الرؤية الثوريّة ولا الموقف السياسي الموحّد .
داخل الهيئة استفاد اليسار والقوميّون من القدرة التنظيميّة التي رسخّها العمل النقابي والحقوقي زمن نظام ابن علي في حين افتقدها الآخرون. وداخل الهيئة كذلك استعاد فرقاء السياسة والفكر معاركهم القديمة التي أجّلها النظام عشرين عاما واطمأنّ رموز الدولة القديمة لغفلة الثائرين وغذّوا معاركهم عبر خلق انحرافات وهوامش بعيدا عن أسئلة الثورة واستحقاقاتها ...للدولة القديمة قدرة على التحريف والتزييف وصناعة المعارك الوهميّة التي انجرّ إليها هواة السياسية ومغامروها وعلت شعارات غير التي ألفها الثوّار في الشوارع والساحات ..إنّ أشدّ أشكال التحريف والتزييف التي طالت الحراك الثوري هو نقل المعارك الإيديولوجية المعزولة عن مقامها والغريبة عن سياقها إلى الواقع التونسي الجديد الذي أفقده النظام القمعي المهارة النقديّة والمناعة السياسيّة ..لقد كان اختراق الجسم الثوري بأدوات ثوريّة مزيّفة ومنها معارك الحداثة والهويّة ومعارك الدّين والدولة ...هي معارك واهمة ومضلّلة أفقدت الثورة زخمها وعفويّتها وحوّلت الفعل السياسي إلى ممارسة اقتناص للخصوم وتجريح لهم.لقد أدرات الدولة القديمة معركة بقائها بقدرة عالية وسقط " الثوريّون الجدد" في المتاهة وأمضوا جهدهم الثوريّ في دائرة مغلقة.