الجمعة، 26 فبراير، 2016

تونس :حسابات السياسة والحكم: من يسقط أوّلا الدولة أم الشعب؟

تونس :حسابات السياسة والحكم: من يسقط أوّلا الدولة أم الشعب؟


ما رسّخته الثورة التونسيّة في الوجدان التونسي هو ثقافة الاحتجاج وأدبيّات الرّفض وتقاليد المقاومة الشعبيّة وأشكال المطالبة بالحقوق. ولعلّ تجدّد الاحتجاجات في الجهات الداخليّة وتنوّع أشكالها كالإضرابات العامّة في أغلب معتمديّات القصرين أو الاعتصامات بالولاية أو مقرّات المعتمديّات يؤكّد أن جذوة الوجدان الثوري ما تزال متّقدة وأن استحضار الهمّ الاجتماعي الممزوج بمشاعر التهميش والإقصاء لا يزال معبّرا عن عجز الحكومات المتعاقبة بعد الثورة على فهم منطلقات الثورة ومطالبها بل إنّ النخب السياسيّة التي استعارت من النظام السّابق أشكال المعالجة الاقتصاديّة والأمنيّة للمطالب والاحتجاجات وحافظت على نفس الرؤى والسياسات التنمويّة التي خطّها سياسيو دولة الاستقلال في بداية الستينات لا تزال مصدومة من حالة الاستفاقة المفاجئة لفعل احتجاجي مخبوء.
لا تزال المناطق الداخليّة محضنا مناسبا للفعل الاحتجاجي ومقدّماته الثوريّة ممّا أسقط حسابات كلّ السياسيين العائدين من منافذ الصّراع الأيديولوجي أو من منافذ الخطاب الإعلامي المدعوم من لوبيّات السياسة والمال.
لقد دفعت الاحتجاجات الأخيرة كثيرا من هواة السياسة (المحلّي منهم والمستورد) الذين حكموا واستهوتهم دائرة الحكم بعد الثورة إلى مراجعة آمالهم الكبيرة التي تسرّبت انطلاقا من ركود ثوري فاعتقد الحكّام الجدد في إمكانيّة ترويض الثائرين وتتفيه الخطاب الاحتجاجي وتخوينه وافتعال مشكلات جانبيّة وإحداث استقطاب سياسي وفكري بعيدا عن الهموم الحقيقيّة للشعب.
سقطت كلّ الحسابات وأعاد الشباب الثائر من المعطّلين عن العمل الشعار الثوري إلى الواجهة بعيدا عن خطابات سياسيّة تعبّر عن حالة اغتراب حقيقي عن الواقع ومشكلاته واستعادت الآلة الأمنيّة خطاب التخويف والترهيب واسترجع الإعلام المموّل من لوبيّات الحكم والمال خطاب التعمية والتلهية.
أعتقد أنّ خيارات الحكومة اليوم قليلة وأعتقد أنّ حالة من الإفلاس الجماعي قد أصابت كلّ السياسيين نخبا وأحزابا وخيارات ورؤى ومن حقّ هذا الشباب المنتفض في المناطق الداخليّة مساءلة الحكومة وسياساتها بعيدا عن حسابات نوّاب مجلس الشعب وتعثّر خطابهم وبعيدا عن حسابات المنظّمات الوطنيّة والتزاماتها الخفيّة مع الحكومة ..
الشباب الذي أبدع الثورة وألهم العالم لغة الاحتجاج الدّافئ لن ينسى دماء شهدائه ولن ينسى وصاياهم ولن ينسى تلك الشعارات التي ردّدتها الحناجر ذات شتاء من سنة 2011 "شغل حريّة كرامة وطنيّة".
العودة إلى الشّعار حتما ستضيء طريق المسير وستلهم السائرين براعة الاحتجاج وعلى الحكومة اليوم اختيار السبيل الحقيقي من بين سبل كثيرة متفرّقة ومتناقضة وأغلبها زائف.
قراءة تاريخ المظلومين والتأمّل في جغرافيّة المكان والإنسان بداية اكتشاف الطريق وسوف يشعر الحكّام الجدد بحرارة وهج النيران وإن هم أغمضوا أعينهم عن رؤيتها..والبحث عن سبب الحريق خير ألف مرّة من محاولة إطفائه.
قد تسقط الحكومة ..وقد تهتزّ بعض أركان الدولة ومؤسّساتها ولكنّ شعبا حرّا وكريما سيعيد رسم أحلام الوطن كلّ الوطن.
محمد المولدي الداودي.



إرسال تعليق