الأحد، 26 مارس، 2017

المقامة الكلبيّة

المقامة الكلبيّة





حدّثنا أبو يوسف الكلبيّ وكان واسع الحيلة سيّء السيرة قال:
اشتدّ الأرق بساكن قرطاج وعلا صوته وهاج..
فنصحناه: عليك بصديق العمر وقرين الصّغر يحدّثك عن تاريخ البايات ويذكّرك بما فات لعلّك تنسى شواهد الموت وآياته وتنعم بالحكم وشهواته ..فلبث زمنا قليلا في أنس وسعادة يطربه حديث الصّبا وتفرحه ذكرى الأوّلين يرويها شيخ التّسعين حتى استعاده فراغ القصر وخواؤه وعاوده قلق العمر وفناؤه.
قال: فسألناه الصّبر والتهيّؤ للقاء القبر.. فأبى التقوى وبالغ في الشكوى ونادى نداء المستغيث: يا كمال ..يا مغيث.. يا من تسكن الظلّ تصطنع الأزمة وتهدي الحلّ..فأجاب بوقلاّب من وراء الباب ..نعم هو ذاك..سيّدي إن آتاك ...ففيه الشفاء وفيه الدّواء .
قال :وكنت منه على حذر أعلم خبثه وسوء فكره ..فدفعته إلى الشيخ دفعا وأمرت الجمع بالاستخبار وتسجيل الحوار ليوم الحاجة وإسكات أصحاب المكر واللجاجة.
أغلقنا الأبواب وانتظرنا الجواب وسمعنا الشيخ يسأل سؤال الحيران فيفتيه كمال باطمئنان وقال " السياسة عندي فنّ وصناعة وقد أزحت رفيق صباك وقد علمت .قال  الشيخ "شهدت" ثمّ " وجئت من بعده بمن عرفت"قال الشيخ "شهدت" وأخرجتك من محنة النسيان وأنزلتك في البرلمان..هل تذكر أم نسيت؟قال" شهدت".
قال أبو يوسف الكلبيّ: وكنّا في عجب ممّا نسمع فقد كان  يذكّره بإحسانه عليه فيشهد وينقله من خبر إلى خبر فيؤكّد وكان وهو يحدّثه مقرّا بالنعمة لا ينكرها مثبتا للرواية يسندها..فعجبنا من حكايا التاريخ كيف يعرفها ومن صناعة أحداثه كيف أتقنها..
قال: طال تذكير الشيخ بالمآثر والنّعم وهو يردّ "بنعم" حتى قال كمال..وهيئنا لك أمر الحكم بعد الخلع والفرار ونفضنا عنك الغبار وأخرجناك من أرشيف السياسة وأوردناك الرئاسة من غير سابق تعريف فأنكرت النعمة وحدّثت بحديث الثورة وتوهّمت في نفسك القوّة .
وخفت صوت الشيخ وهو يجيب وعلا صوت كمال في تعجيب: ثورة البرويطة أفشلناها وتجربة الترويكا أسقطناها ولنا في الحكم خبرة ولنا في السياسة فطنة وهذا القصر نعلم أسراره ونحن من صنعنا سكّانه منذ أحقاب وما رجونا يوما ثواب ..وأنت اليوم بين أيدينا كما نشاء أوردناك القصر ورد الشّاء إلى مراتعها والمياه إلى مواردها.
قال: فسمعنا صوتا كالنحيب اهتزّ له وجدان بوقلاّب من وراء الباب ونادي القماري من بعيد فجاء يسبقه سؤاله وتسمع قبل الوصول عواءه ..وطال الصمت في داخل المقرّ وترقّب الجمع سوء العاقبة وظنّوا بأنّها الخاتمة حتى قال الشيخ متودّدا وقد بدا في رجائه متردّدا يا كمال يا صاحب الخصال: لقد عاصرت البايات زمانا ورثت خدمتهم وشهدت متعتهم وكنت في ملاهيهم زمن الصبا أتبع الوالد أوقد لهم "السبسي" وأرعاه حتى زال الاحتلال وقالوا قد نلنا الاستقلال فركبت موجة التحرير مع من ركبوا من الرّجال وتقرّبت إلى الحكّام الجدد ولعنت من كنت أخدمهم من الملوك والبايات وقلت "ذاك زمان قد فات " وحكمة الحياة في عيش يومك لا ذكرى أمسك.
وكنّا نسمع غمغمة  وسؤال فتزداد لعثمة الشيخ في المقال وهو يضيف: يا كمال "نلت الوزارة وجمعت سلاح الفلاّقة وأعددنا السّجون والزنازين لمن عارض بورقيبة والفرنسيين وأدّينا واجب الطّاعة حتّى أتانا أمرك بخلع "الحبيب" طاوعناك وكنّا لك عونا وعلى المعارضين عينا وشهدنا بالبيان وهذه شهادة تكفيك..يا كمال يا صاحب الخصال والمال : أنا أحفظ العهد وأبقى على الوعد وقد هبّت عاصفة الثورة فأنحنينا إنحاءة المحتال ينتظر عبورها ثمّ يستعيد طبعه ولا ينسى أصله..
قال أبو يوسف الكلبيّ:سمعنا صوت أقدام تطوف في المقرّ وسمعنا وجيف شيخ ينتظر.. وصارت اللحظة شهرا والسّاعة دهرا وكان بوقلاّب يعتصر كفّ القماري في اضطراب وكأنّه يسأله عن عاقبة الأمور وما سيأتي من شرور.
قال: حتى علا صوت كمال بالجواب فتناوب القماري وبوقلاّب الوقوف على الباب يسترقان السّمع ويردّدان الخطاب في همس وإعجاب..كمن يعجب لقول سيّده ويهتم بحكم آمره .
" أشير عليك يا شيخ الحاجة وقد مضى منك العمر واقتربت السّاعة  بملازمة صحبي فإنّ وفاءهم من وفاء الكلب يحرسون القصر ويطيعون صاحب الأمر وهم لي خدم أعطيهم من القليل فيتذلّلون علامة استزادة النعم ..وكان في وصفه  مجيدا والشيخ يسمعه متعجّبا من حسن معرفة صاحب الخطاب بأصناف الكلاب:
قال:وأضاف معرّفا الأنواع والأصناف والصّفات والعادات ذاكرا كلّ اسم والشيخ يستزيده النّصيحة والفهم.
قال: " أفضل الكلاب القماري وبوقلاّب ..عواؤهم تعمية وصراخهم تلهية ويكفيهم القليل من الطعام فيكثرون من فصيح الكلام ..يحرّفون الحقيقة عن مواضعها ويكثرون من الكذب على عامّة  الشعب ..قال الشيخ مقاطعا المبالغة في التعريف  هذا ما خبرناه وقد عرفنا فضليهما في التزييف وهما الآن في حديقة القصر يأخذان بعضا من طعام ثمّ يعودان ليلا للإعلام.
ثمّ قال" أمّا بن تيشوس فصنف من الكلاب يحترف تركيب الأفلام وتحريف الأرقام كان هذا حين انتحل صفة "أنينيموس" حادثة معروفة في التشهير ولها أثر في التشويه كبير."
قال أبو يوسف الكلبيّ: وذكر من أصناف الكلاب الكثير وحدّث عن خصالها وأحسن أعمالها ونحن نتعجّب من دهاء الكلب وخبث سيّده وكلّما عاود الحديث عن بوقلاّب ووفائه اهتزّت أكتافه عجبا وارتعش صوته طربا ..
وكان في زهو هو يحدّث عن آثاره في القصر كأنّما يذكّر الشيخ خوف النسيان أو انقضاء العمر حتى تعالى صوته بسؤال " يا كمال: حدّثني عن كلاب شفيق فقد حدّث عنها  فريق في القصر يهواه ويتغنّى بماله وثراه ..فسمعنا صرخة كالرّعد اهتزّ لها القماري وأتبع الصّرخة بالتهديد..إيّاكم وشفيق أو كلاب شفيق..ثمّ أضاف في اعتراف "الحقّ أقول إنّ بيننا اتفاقا معلوما لا ننكره وعهدا معروفا لا ننقضه ..كل منّا يحرس كلبه أويربطه".
محمد المولدي الداودي.



إرسال تعليق