الثلاثاء، 9 أغسطس، 2016

تراجيديا النهاية وغوغائيّة التشكيل.

تراجيديا النهاية وغوغائيّة التشكيل.


حاول الحبيب الصيد هذا اليوم 30/07/2016 الانتقال من صورة المصارع Gladiateur  في المسارح الرومانيّة القديمة المحكوم بقواعد اللعبة والفرجة والمدفوع نحو النهاية القاسية إلى صورة البطل التراجيدي الذي يختار نهايته الفاجعة وفي اختيار النهاية تحتمل النهاية رسما من المجد ويكتسب البطل المغدور شيئا من التعاطف ويمارس الجمهور بعضا من مظاهر التطهير عبر مأساويّة النهاية..
لم يكن مجلس نوّاب الشعب هذا اليوم إلاّ مسرحا تمتزج فيه الفنون الهزلي السّاخر والتراجيدي القاتم ولم تكن كلّ العناصر المشاركة في الاجتماع إلا عناصر فنيّة تؤكّد ذلك الميل إلى الفعل المسرحي..
نوّاب الشعب هذا اليوم جزء من مشهد تمثيلي يفتح هذه المسرحيّة على بعد ملحمي واضح فهم جزء من الجمهور ولكنّهم ممثلون يقتحمون فضاء المسرحيّة عبر مداخلات تؤكّد سرديّة الخطاب المسرحي...
التناقض المطلق بين خطاب النوّاب وما أنجزوه من سحب للثقة أثناء التصويت ورفض التجديد لرئيس الحكومة هو مساحة وعي يستعيد من خلالها المواطن مرارة الواقع فينشأ سؤال السياسة وقيمها والصدق ومقاماته في تونس.
في نهاية الجلسة ينشأ سؤال الوطن ومخاوفه ..وتتجلّى علامات النفاق السياسي وتتبدّى مظاهر المخاتلة والمناورة وينساق الجميع في مسار مجنون يقول القول ونقيضه في آن..يغيب المنطق في هذا اليوم وتتشكّل ملامح لشخصيّات جوفاء بلا موقف ولا رؤية أطلقت عليهم الصدفة لفظ نوّاب الشعب.
ما حدث اليوم في باردو يرسم حدودا سوداء لواقع تونسي كشفت الثورة خواء كلّ عناصره...وفي فلسفته وحكمته يتبدّى الفعل السياسي في تونس مزيجا من الانتهازيّة والغوغائيّة والقطيعيّة المدفوعة بمبدأ الانضباط الحزبي...
في مجلس النوّاب الكلّ حاضر ويغيب وطن مساحته مشاعر من القهر والظلم.
محمد المولدي الداودي



هل حقّا فشلت المحاولة الانقلابية في تركيا؟

تركيا: تعليق المحاولة الانقلابيّة
هل حقّا فشلت المحاولة الانقلابية في تركيا؟



الأحداث التي تبعت المحاولة الانقلابيّة في تركيا تؤكّد جديّة المحاولة وشموليّتها خارجيّا وداخليّا ويبدو أنّ دولا كثيرة كانت تدرك خفايا المحاولة كما أنّ حملة الاعتقالات التي شملت كثيرا من أجهزة مؤثّرة ومختلفة في الدولة تؤكّد أن الأمر كان قاب قوسين أو أكثر من النجاح.
لم تكن الأجهزة العسكريّة(الجيش) وشبه العسكريّة ( الأمنيّة) وجهاز المخابرات على قلب رجل واحد وهذا هو العامل الموضوعي الذي أفشل إلى حدّ بعيد المحاولة الانقلابيّة كذلك المواقف المشرّفة للمعارضة التركيّة التي أجّلت الخصومة السياسيّة وأدركت مخاطر الحكم العسكري الذي خبره الشعب التركي مرارا. كما أن الخروج الجماهيري الكبير في الميادين والساحات رغم حظر التجوّل وبعيد كلمة الرئيس أردوغان كان عاملا مؤثّرا أربك كثيرا من حسابات الانقلابيين وذهب بكثير من فاعليّة المباغتة التي اعتمدها الانقلابيون في المحاولة..باغتت الجماهير التي احتلت الميادين والساحات انقلابيي الجيش وأفقدتهم الحاضنة الشعبية التي يحتاجونها وتحوّلت العمليّة إلى صراع درامي بين نزعتين وإرادتين ثمّ بدأت ملامح الفشل ظاهرة بيّنة بدءا بالارتجاليّة الغالبة على قرارات الانقلابيين بعد توالي صور اعتقالهم في الفضائيّات..
الردود الدوليّة المتحرّكة وفق تحوّلات المشهد التركي في تلك الليلة تؤكّد ملامح التآمر غربيّا واقليميا ولم تتضح مواقف الغرب من المحاولة إلاّ بعد حسمها في شوارع أنقرة واسطنبول وحين التيقن من فشلها نهائيّا...استراتيجيّة الغرب الداعمة للانقلابات هي الصمت وهذا ما خبرناه في الانقلاب العسكري في مصر وما شاهدناه في المحاولة الانقلابيّة في تركيا.
تمكّن أردوغان وحزبه من بعض مؤسسات الحكم في تركيا كجهاز المخابرات والمؤسسة الأمنيّة ولكنّ الجيش والقضاء لا يزال بعيدا عن الانسجام الكلي مع سياسات أردوغان أو تجربته في الحكم وحجم الاعتقالات في صفوف الجيش والقضاء يؤكّد أنّ الجيش كان كله تقريبا مع المحاولة.
فشل المحاولة لا يبدو مطلقا وإنّما المحاولة مؤجّلة إلى حين والأيّام القادمة صعبة وحاسمة بالنسبة لأردوقان وخياراته وسياساته والتعويل الكليّ على الإرادة الشعبيّة لا يبدو كافيا مع نزعة انقلابيّة ظاهرة ومدعومة خارجيّا.
على الحكومة التركيّة وأردوغان حسن السير في حقل من الألغام وعليهم تقوية العوامل التي ساهمت في إفشاله ومنها تحويل المعارضة التركيّة التي عبّرت وبلا تردّد عن تحيّزها للخيار الشعبي والإرادة الشعبيّة عبر الانتقال من خطاب الخصومة السياسيّة إلى خطاب المشاركة الفعليّة في خيارات الحكم والسياسة ولابدّ من العودة بالسياسة التركيّة إلى الدّاخل التركي كالشّأن التنموي وغيره من اهتمامات المواطن التركي الذي كان نزوله للساحات ليلة المحاولة الانقلابيّة تعبيرا صادقا عن نجاحات اقتصاديّة هي كلّ رصيد أردوقان في فترات حكمه وفي ظلّ هذه العودة إلى الداخل التركي لابدّ من مراجعة السياسة الخارجيّة التركيّة وفق مبدأ المصلحة القوميّة التركيّة وبعيدا عن دوائر تحالفات متناقضة وغير مستقرّة ..
تظلّ المؤسسة العسكريّة هاجسا مرعبا في تركيّا إذ تكشف المحاولة الانقلابيّة الأخيرة أنها لا تزال تفكّر بتلك النزعة الانقلابيّة التي احترفتها كآليّة من آليّات التغيير ورغم النجاح النسبي في تحييد بعض القطاعات العسكريّة فإنّ هذه المؤسسة لا تزال بعيدة عن تناول أردوغان أو حكوماته المتعاقبة والحديث عن عمليّة تطهير ذاتي صلب المؤسسة العسكرية يبدو صعبا ويحتاج إلى كثير من الوقت ولذلك على أردوقان والحكومة التركيّة تقوية المؤسسة شبه العسكريّة إلى حين تطهير مؤسسة الجيش.
لابدّ من تقوية الحياة المدنيّة وتوسعة فضاء الحقوق والحريّات وخلق حاضنة شعبيّة من غير المحضن الإسلامي ولابدّ من استخلاص العبرة والحكمة من محاولة يبدو وصفها "بالفاشلة" نسبيّا إلى حين.
العقيدة العسكريّة تدفع بالعسكري إلى خوض المعركة إلى النهاية وانكشاف كثير من خيوط المؤامرة سيدفع بكثير ممن دعموا الانقلاب سرّا إلى دعمه جهرا وبقوّة.. ونرجو من الله العليّ القدير أن يحفظ تركيا وشعبها.
محمد المولدي الداودي.
تونس