السبت، 5 مارس 2016

سقوط الأقنعة: حزب الله وحماس وامتحان المقاومة.

سقوط الأقنعة: حزب الله وحماس وامتحان المقاومة.


أذكر أنّني التقيت سنة 2009 في دار الاتحاد المحلّي للشغل بأحد النقابيين اليساريين في إطار احتفاليّة بيوم الأرض وأذكر أنّنا تطارحنا الحديث في كثير من القضايا الوطنيّة والعربيّة وأذكر أنّي ذكرت حركة المقاومة الإسلاميّة "حماس" وحزب الله الإيراني في مقام الحديث عن خيار المقاومة ..وأذكر يومها كيف أربد وأزبد وارتعدت الكلمات في فيه وعلا صوته ولعن الكلّ واستعار عبارات الرجعيّة والإرهاب ..أقول هذا مقسما وليشهد الله على قولي..
 ..فوجئت بالردّ فلم أكن أتخيّل أنّ عربيّا أو تونسيّا ينكر شرف المقاومة على حزب الله أو حركة حماس ..وكانت مفاجأتي أكبر حين استمعت لمناضل نقابي يساري يتّفق مع الأنظمة الرسميّة في اعتبار تلك الحركات المقاومة للكيان الصهيوني حركات إرهابيّة...
وأذكر كذلك يوما من أيّام 2010 في إحدى المؤتمرات النقابيّة حين اشتدّ النقاش بين المؤتمرين حول عبارة "دعم المقاومة العربيّة الإسلاميّة في لبنان وفلسطين.." وكان المقصود آنذاك حركة حماس وحزب الله وفي ذلك اليوم أربد كثيرون وأزبدوا ولعنوا الحزب والحركة ولعنوا إيران وذكّرونا بقضيّة الأهواز والاحتلال الإيراني للأهواز العربي...وأسقطت عبارة "الإسلاميّة" بالتصويت...
لم يكن حزب الله عند الكثير من المتشدّقين به اليوم حركة مقاومة وأرجو من هؤلاء المنتفضين في سبيل حزب الله وإيران العودة إلى أرشيف بياناتهم وخطاباتهم ليطلعونا على بيان مساندة للحزب في حرب 2006.
كان حزب الله عند هؤلاء امتدادا مقيتا لدولة إيران ..الدولة العدوّة في ذلك الزّمان...
سنة 2006 لم نكن نميّز بين حزب الله وحركة حماس ولا بين حركات الإسلام الشيعي وجماعة الإخوان المسلمين ..كنّا نميل إلى مساندة حركات المقاومة الشعبيّة( الحركات الإخوانيّة) أو المسلّحة (حزب الله وحماس) ميلا وجدانيّا تختلط فيه المشاعر العربيّة بالانتماء الإسلامي.
في كلّ الحروب التي خاضها حزب الله مع العدوّ الصهيوني كان الإسلاميّون في مقدّمة المساندين وكان الكثير من الممجّدين لهذا الحزب اليوم من المنخرطين في خطاب النّظام الرّسمي وأدان كثير منهم حزب الله مثلما أدانتهم أنظمة عربيّة ..
في كلّ حروب حزب الله كانت قناة الجزيرة القطريّة ذراعا إعلاميّة للمقاومة ..القناة التي ذهبت بعيدا في الدّعاية للحزب والمقاومة ولا تكاد تميّز بين قناة الجزيرة القطريّة وقناة المنار اللبنانيّة.
في كلّ حروب حزب الله اتّخذت قطر موقفا مخالفا لكلّ الأنظمة وأذكر أن الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله هتف عاليا في إحدى خطاباته "شكرا قطر.." وكانت صور أمير قطر تملأ شوارع مدن الجنوب اللبناني وقراه.
وأذكر أنّ الشيخ القرضاوي العالم السنّي ورئيس أكبر هيئة علميّة إسلاميّة في العالم الإسلامي خالف كلّ علماء الخليج والأزهر ودعا إلى مناصرة حزب الله وكل حركات المقاومة ...
كنّا ندعم حزب الله وكنّا ندعو له بالنصر وكنّا نهتزّ لخطابات نصر الله ..
لم نكن يوما نميّز بين حزب الله وحماس ولم نكن ندرك الاختلاف المذهبي أو الطّائفي..ثمّ كانت ثورات الشعوب العربيّة.
الثورات العربيّة على سذاجتها وعفويّتها ورغم تحريفها كشفت عورات كثيرة ..ولحزب الله عورات كثيرة وأشدّها قسوة تدخّله في سوريا ومساندته لنظام القاتل بشّار ..بعد الثورة السوريّة انكشف القناع المذهبي والطّائفي وتعرّى الحزب في فضاء العري الطائفي واستحضر ثارات التاريخ وسبى آلاف النّساء السوريّات حتى " لا تسبى زينب مرّتين".
الثورة السوريّة كانت فارقة في قيم المقاومة ومبادئها ..مقاومة الظلم والانتصار للمظلومين ومن تعدّد الخيارات الفارقة والحاسمة كان الاختلاف بين حركة حماس وحزب الله.حماس انشدّت لقيم المقاومة ومبادئ النّضال وخيّرت الانتصار للشعب الثّائر المظلوم ودفعت ثمن ذلك تشريدا وتهجيرا لقياداتها ومنتسبيها اللاّجئين في سوريا أمّا حزب الله فقد دعاه داعي المذهب والطائفة وانتصر للطّاغية.
نقطة الافتراق بين وجهتين للمقاومة كانت الثورة السوريّة : حماس أدركت أنّ رصاصة لا تستقرّ في جسد العدوّ الصهيوني رصاصة خائنة وحزب الله أدرك أنّ وجوده من وجود النّظام والطائفة وليست فكرة المقاومة في حدّ ذاتها.
لماذا حزب الله وليست حماس؟
النخب السياسيّة اليساريّة والقوميّة والليبراليّة في تونس كانت ترى في حركة حماس امتدادا بغيضا للإخوان وحركة النّهضة ونفس درجة العداء الفكري والسياسي التي واجهت به هذه القوى السياسيّة حركة النّهضة واجهت به حركة المقاومة حماس وبعد الانقلاب الظالم في مصر هلّل خصوم السياسة والإيديولوجيا لهذا الانقلاب الدّموي ولم تهتزّ مشاعرهم الإنسانية لمشاهد الموت والقتل في رابعة وكلّ ميادين مصر وحين تمادى هذا النّظام القاتل في غيّه السياسي وصنّف جماعة الإخوان وجناحها السياسي الحزبي وحركة حماس حركات إرهابيّة هلّل داعمو الانقلاب في تونس ولم تشفع لحماس سنون المقاومة.
في الإعلام التونسي المموّل خليجيّا كانت حركة المقاومة حماس تلعن صباح مساء وهناك رغبة مجنونة تدفع هؤلاء الإعلاميين في اتّجاه تسفيه المقاومة وتتفيه منجزاتها ...وحتّى القوى الدّاعمة للمقاومة أو قضايا التحرّر الوطني انخرطت في حملات التشويه مدفوعة بغريزة العداء السياسي والإديولوجي. وفي أقصى درجات المحنة والقسوة كان السيسي في الخطاب الإعلامي التونسي والسياسي والحزبي بطلا قوميّا أعاد أمجاد عبد النّاصر وأنهى مشروعا ظلاميّا وكلّ تلك الدّماء البريئة المسفوكة ليست إلاّ دماء "لإرهابيين "يستحقون الموت..
تجاوز حزب الله اللبناني مؤسسات الدولة المشكّلة طائفيّا ومذهبيّا وتدخّل في الصّراع السوري فتهاوت شعارات المقاومة أمام مشاهد القتل اليومي للسوريين وتنامي الخطاب المذهبي .وفي المسألة السوريّة التقى حزب الله بكلّ أعدائه الإيديولوجيين وتناسى الكلّ ثارات الأمس ومعاركه في العراق وغيرها منن البلدان والأقطار ..ووجدت كثير من القوى السياسيّة والفكريّة التونسيّة نفسها في تحالف موضوعي مع حزب الله عبر المسألة السوريّة وتلاشت بذلك خطابات الحداثة والدولة المدنيّة ومعاداة الفكر الدّيني ...لم يعد حزب الله عند هؤلاء حزبا دينيّا رجعيّا أو امتدادا للعدوّ الإيراني بل أصبح تنظيما "مقاوما" يواجه التمدّد الإخواني ويحفظ ما تبقّى من نظام "بعثي".
إذن دعم حزب الله  من طرف سياسيين تونسيين لم يكن عند كثير منهم دعما لنهج المقاومة وإنّما كان دعما لبقاء نظام طائفي مجرم يعتقدون أنّ بقاءه سيساوي زوال خصم من خصوم السياسة والفكر..وهذه الاستعادة القويّة لخطاب "العمالة والإمبرياليّة والصهيونيّة والرجعيّة...." في إطار وصف الأنظمة العربيّة مشرقا ومغربا لم نشهد له مثيلا حين موّلت هذه الأنظمة نظام السيسي ودفعته دفعا إلى قتل شعبه.بل إنّ كثيرا من الشخصيّات السياسيّة التونسيّة والأحزاب التي عارضت حكم الترويكا استمالت هذه البلدان ودفعتها إلى محاولة تكرار المشهد المصري في تونس.
شدّة الاستنكار التي أظهرها البعض لا تعني أبدا غيرة على المقاومة ونهجها فقد اختلطت سبلها وتاه كثير من دعاتها في متاهة الدّم السوري ولكنّها تعني اصطفافا سياسيّا يعادي خصما إيديولوجيّا وسياسيّا ولو طرق الشيطان باب هؤلاء لأستقبلوه .
محمد المولدي الداودي
تونس




إرسال تعليق