الأحد، 7 فبراير 2016

المعتصمون في مقرّ معتمديّة سبيبة

المعتصمون في مقرّ معتمديّة سبيبة: التشغيل مسؤوليّة الدولة ولابدّ من تمييز المناطق الداخليّة إيجابيّا.



امتدّت حركة الاحتجاجات بولاية القصرين لتشمل كلّ معتمديّاتها وتعدّدت أشكالها المعبّرة عن شعور قويّ بالغضب والإحباط ..معتمديّة سبيبة كانت إحدى معتمديّات ولاية القصرين التي اجتاحتها موجة الاحتجاجات وانتهت بدخول مجموعة من أصحاب الشهادات العليا المعطّلين عن العمل في اعتصام مفتوح بمقرّ المعتمديّة منذ يوم 20 جانفي 2016 .
معتمديّة سبيبة ككلّ معتمديّات ولاية القصرين صورة عن واقع الحرمان والتهميش الذي أصاب الولاية منذ بداية الستينات وهي جزء من خارطة مظلومة ومنسيّة بسبب الخيارات الاقتصاديّة والتنمويّة حيث تتجاوز نسبة الفقر فيها 28 بالمائة أمّا نسبة البطالة فتفوق 38 بالمائة ويتجاوز المعطّلون عن العمل من أصحاب الشّهادات العليا 1500 معطّلا.
في مدخل المعتمديّة لافتة كبيرة تعلم الزّائر عمّن بداخل المعتمديّة وهم المعتصمون ..أمّا جدران البهو فمليئة بالشعارات التي اجتمعت فيها مشاعر الغضب والمطالب ...وفي داخل قاعة الاعتصام مجموعة من الشباب المعطّل عن العمل من أصحاب الشّهادات العليا الذين تجاوزوا اليوم التّاسع في اعتصامهم ..على وجوههم ملامح التعب والإرهاق وفي أصواتهم نبرة الغضب والاحتجاج..خلق الاعتصام جوّا من الألفة بين المعتصمين ودفعهم إلى حوارات عميقة حول الواقع التنموي بالجهة ومشكلة التشغيل ومقترحات الحلول والمنوال التنموي ومساوئه والمشاريع المعطّلة ..مواضيع كثيرة هي من عمق هموم النّاس أعادتها الأحداث الأخيرة بولاية القصرين وبالجهات إلى واجهة الخطاب الإعلامي والسياسي وأعادت لهؤلاء الشباب المعطّل حقّ المطالبة بالشغل بعيدا عن مهاترات السياسة والسياسيين.
في يومهم التّاسع اتفقوا على الدّخول في إضراب عام يوم الثلاثاء 02/02/2016 وشرعوا في التنظيم له وفي عملهم تدرك روح المسؤوليّة حيث التأكيد على الالتزام بضوابط الإضراب بعيدا عن الشّعار السياسي أو أيّ نزعة للعنف .
زرتهم زيارة المتضامن المساند لمجموعة من الشباب المكتوي بنار البطالة ورأيت فيهم صورا من الحرمان الممزوج بالتعفّف والصبر وسمعت منهم أحاديث التهميش والقسوة.
ثامر المحمدي أحد الذين التقيتهم من الشباب المعتصم بمقرّ المعتمديّة شاب من مواليد سنة 1978 متخرّج منذ سنة 2005 أستاذا للانقليزيّة ومتزوّج وأب لثلاثة أبناء وواحدة من أبنائه تشكو مرضا مزمنا في قصّة ثامر المحمدي قصّة كلّ شباب الجهة الباحث عن الشغل فقد درّس بمدرسة خاصّة وأمضى عشر سنوات من سنين عمره نائبا معوّضا بمعتمديّات ولاية القصرين منذ 2006  منها خمس سنوات نيابات مستمرّة والأخرى عرضيّة وفي كلّ عام كان يدفعه حلم الانتداب إلى تحمّل كلّ المصاعب.
قرارات لا تمثّل حلاّ جذريّا ولا تعبّر عن طموحات المعتصمين.
سألناه عن موقفه من المقترحات الحكوميّة الأخيرة فأجاب" بأنّها شكل من أشكال سياسة الهروب إلى الأمام وتعبير واضح عن ارتباك الحكومة في مواجهة استحقاقات شعبيّة كانت إحدى عناوين الثورة سنة 2011 وكلّ الحكومات المتعاقبة بعد الثورة فشلت في تحقيق طموحات الشباب حيث عمّقت من آليّات التشغيل الهشّ والوقتي ومنها معضلة الحضائر بجهة القصرين.فلا جديّة في تناول المشكلة ولا وجود لرغبة حقيقيّة في الحلّ" ..وعند سؤالنا عن مقترح السيّد رئيس الحكومة المتعلّق بتشغيل فرد من كلّ عائلة معوزة أشار إلى مزالق هذا المقترح فهو مشروط وعبارة " عائلة معوزة " في حدّ ذاتها تحتاج إلى تحديد دقيق وهذا الشرط قد يحرم كثيرا من المهمّشين والمحرومين من أصحاب الشهادات العليا..وأضاف بأنّ هذه الآليّة كانت من الآليّات المعتمدة في عهد ابن علي وفيها كثير من مداخل الفساد ولذلك طالب بإلغاء هذا الشّرط واعتماد معيار السنّ وسنة التخرّج معيارا وحيدا في انتداب فرد من كلّ عائلة.
التشغيل مسؤوليّة الدولة ولا وجود لنسيج اقتصادي يشجّع على الاستثمار الخاصّ:
بشير الدّاودي من مواليد 1971 ومتخرّج أستاذا لمادّة العربيّة منذ 2004 غير متزوّج وهو العائل الوحيد لعائلة كبيرة العدد ..طرق أبواب الشغل فدرّس بالمعهد الخاصّ وأمضى خمسا من السنين نائبا معوّضا كان أحد المرابطين بالاعتصام منذ يوم 20 جانفي 2016 بعيدا عن عائلته تحدّث إلينا حديث المكلوم المألوم وأجاب جواب المحتجّ وسأل وساءل ..متى ستنتهي المعاناة؟ حدّثنا عن فشل الحكومات المتعاقبة في إجابة الشباب المعطّل عن العمل جوابا مقنعا عن أسئلة التشغيل ..فالتشغيل بالنسبة للأحزاب شعار انتخابي سرعان ما يسقط بانتهاء الحملة الانتخابيّة والتشغيل أهمّ مؤشّر عن تحقّق مطالب الثورة ..وحين سؤالنا عن عزوف الشباب المعطّل عن الاستثمار الخاصّ وبعث المشاريع خاصّة في ظلّ هذه المقترحات التشجيعيّة أجابنا بأنّ معتمديّة سبيبة ككلّ معتمديّات ولاية القصرين تفتقد لنسيج صناعي أو خدماتي يمكّن الشابّ من بعث مشروعه الخاصّ ولذلك فلابدّ من تدخّل الدولة عبر الاستثمار العمومي وهذا يحتاج إلى وقت وانتهاج منهج تنموي مغاير لما هو معتمد في المنوال التنموي الحالي.
بعض المقترحات التي خطّها المعتصمون في بياناتهم تتعلّق بمراجعة المنوال التنموي مراجعة جذريّة وتفعيل مبدأ التمييز الإيجابي في المناطق الداخليّة ومنها مسألة الانتدابات في الوظيفة العموميّة وسدّ الشغورات في المؤسسات العموميّة عبر مناظرة جهويّة واعتماد معيار السنّ وسنة التخرّج معيارا وحيدا للانتداب.
حسن الخلفي قصّة أخرى شاهدة على معاناة المعطّلين عن العمل من أصحاب الشهادات العليا .شابّ كافل لأمّ أرملة وخمسة إخوة متخرّج سنة 2011 اضطرّته الظروف الماديّة إلى العمل بحضيرة بأجر شهري لا يتجاوز 117 دينارا.حدّثنا عن ضرورة إيجاد حلول جذريّة لشباب مهمّش في منطقة منسيّة عانت التهميش سنين الاستقلال ..
في قاعة الاعتصام رسومات وشعارات وفي الوجوه مزيج عجيب من إصرار الرّوح على الصمود وحيرة الآتي من أيّام..القدر يمضي أيّامه وكلّ يوم يمرّ من أيّام الاعتصام يكتب سؤالا آخر ينضاف إلى أسئلة كثيرة كتبتها سنوات البطالة والحقرة.
أسماء كثيرة وقصص متشابهة لشباب أمضى سنين العمر في المدارس والمعاهد والجامعات ثمّ ألقته الجامعة في متاهة المدن والحياة..يترقّبون يوم الإضراب ففيه سيعلو الصوت في وسائل الإعلام وفيه قد يكتشف التونسيّون قصص المنسيين في جزء من الوطن والأرض.
محمد المولدي الداودي
سبيبة




إرسال تعليق