الخميس، 19 نوفمبر 2015

مبروك السلطاني: الكتابة على جسد الشهيد




من وحي الفاجعة: أيّها الوطن..تمهّل قليلا وحيّ من كان يرعانا.
مبروك السلطاني: الكتابة على جسد الشهيد

في بلدة قصيّة مقصيّة كانت ولادته ..وفي أرض صلبة صلدة كان نباته ..زهرة في مرتفع من جبل يغزوه علوّه في كلّ فجر ..يتيما كان.. عشرا من السنين خلت رحل والده وأبقاه أنسا لأرملة أتعبت الأعوام بصرها .
ستّ عشرة سنة هي ما كتب سجلّه وكتابه ..سنون متعبة قاسية زادها اليتم غربة أمضاها مبروك السلطاني في قرية السلاطنيّة من معتمديّة جلمة ولاية سيدي بوزيد ..يكتبه الفقر في دفاتر الغائبين في المدارس والمعاهد فقد انقطع عن التعليم مبكّرا..غادر المدرسة ولمّا يبلغ سنّ الحلم وظلّ هناك في علوّ من الجبل يطارد أفقا هاربا في مسارات البياض .يتبع في مسارب الجبل أغناما قليلة ويتبعه فقره فيشقيه.وفي المساء يعود إلى بيت قليل الغرف ولكنّه كلّ متّسع تلك الأرملة .
تغيّر الجبل وتغيّر ساكنوه وفي هفوة القدر وتعجّله التقى مبروك السلطاني قوما أغرابا لا تسكنهم أحلام الصبح ولا تغريهم أفاق الحياة..في علوّ من الجبل يلتقي أجسادا خاوية تشبّع كيانها من قسوة الليل وماتت أرواحها فهي كالصخر أو أشدّ قسوة..موعد يكتب أجل الرّاحلين .
افتكّوا رزقه كان بعضا من جهد وشقاء أمّ أرملة تحرس بها أبناء يتّما ثمّ نحروا خمسا من الماعز هي كلّ ما جمع الجهد في سنين الجوع والخواء.
لم يقدر على كتم صراخه ولعلّها وصيّة الأمّ ..رزقك يا ولدي..وكان عهد الأمانة أن لا يفرّط في ما جمعت أمّه في خلسة من زمن القسوة ..
سألوه الصمت فقاوم ..ثمّ جمعوا أمرهم وقرروا قتله..شدوّا وثاقه ..جسدا غضّا كان وفي أنفاسه نزيف الحياة لا يزال يطلب حلما أجّلته قسوة الحياة وظلم الفقر .
رفيق الدرب والمعاناة وصديق الجوع والفقر كان هناك ..في ذلك المكان الذي تحرسه أشباح الموت وشياطينه.وفي لحظة استفاقة البربريّة التي تسكن جسدا آدميّا تلبّسته أرواح الشرّ جميعا..وفي لحظة تهتزّ فيها أفاق الكون الصامت وترتعد فيها سواكن الصخر ويعلو فيها أنين المكان والشجر. تهتزّ يد آثمة عابثة تنحر فتى صغيرا ..تعوي روح الإنسان هناك ويعيد الكون سجلّ البداية ..هنا قتل قابيل أخاه.
اهتزّ بدن غضّ وسال دم بريء يخطّ في أرض صلدة قصّة مبروك السلطاني.
حروف الدمّ المسفوك في أعلى الجبل لا يقرؤها إلاّ فقراء القرى في المناطق الداخليّة الذين أتعبهم السفر في ثنايا التلال والهضاب ..صعبة المسلك..صعبة المسير.
ألزموا رفيق مبروك السلطاني النظر إلى صديقه ينحر..ونادوا "يا صخر" وما أجاب صخر الوادي ولا أحجاره ولكنّها يد آثمة قاتلة.رسالة القتلة تروي مسيرتهم وتحكي سيرتهم ..بعضهم أولياء بعض ..قتلة نسلا من بعد نسل يرثون الجريمة كما تورث الأرض.
أفرغوا ما في مزادته من زاد كان قليلا من طعام ثمّ وضعوا رأسا ما تزال تحمل بعضا من حلم وأودعوها رفيقا له فسار بها وسارت معه أوجاعه.وفي ذلك الجبل تركوا جسدا تحرسه بعض من كلابه.مفارقة الكون تختزلها لحظة مجنونة .
نزل علوّ الجبل موجوعا مصدوما وحمل الرأس إلى أرملة أوجعتها الحياة..تحسست الرّأس ..الملامح نفسها وكلّ تفاصيل الوجه..وجع بطول ستّ عشرة سنة من العمر يعبر جسدا متعبا فتعوي الرّوح "يا ولدي".
في البيت رأس مبروك السلطاني تروي لها الأمّ أوجاعها سنة سنة منذ كانت أوجاع المخاض وحتّى أوجاع الليلة.وفي الجبل جسد ألقاه القتلة تحرسه كلاب ألفت الوفاء فصار لها خلقا ..ليلة كاملة ويزيد تمنع عنها أذى الوحوش .
توجّه الأهل إلى رجال الأمن وطلبوا جسد الشهيد إكراما له وإكراما لأرملة بذلت ابنها قربانا لوطن لم تعرفه إلاّ في بطاقات الهويّة ..أوامر السّاسة وحساباتهم منعت الأمن والجيش من البحث عن جسد الشّهيد.فكان عزم الأهالي على إكرام القتيل..صعدوا علوّ الجبل وتتبّعوا أثار السير وبعيدا هناك تعالى نباح تألفه أسماعهم في ليالي القرية ..تتبّعوا الصوت حتى عثروا على جسد مبروك .
حكايات المواطنين قالت ما لم تقله أبواق الدّعاية الإعلاميّة..لم يصعد أحد إلى المكان ولم يبحثوا عن جسد الشهيد..حدّثت أعينهم وأجسادهم وملامح الشقاء في وجوهم كلّ الحكاية..قالوا في صمت ما لم تقله سنون الشقاء منذ دولة الاستقلال.سألوا كلّ السؤال.لماذا يقتل أبناؤنا بعيدا عن أضواء السياسة والإعلام؟هل نحن مجرّد سكّان لقطعة من الأرض أم نحن مواطنون؟
في المساء تزاحم الكلّ وتهافت الجميع..صورة تتبعها صورة... تأنّق في العبارة ووعود تكّذب صاحبها ..وعبرة عابرة حين التقاط الصورة ..
عاد الكلّ ...وحشة المكان تكتب السّطر الأخير في محنة أمّ ثكلى تبيت ليلتها في سفح جبل في أرض معلّقة بين الحلم والقسوة .
هنا كان مبروك..وهناك سيبقى.. وأشارت إلى بعض من جبل وبعض من أفق.
أيّها الوطن...تمهّل قليلا وحيّ من كان يرعانا.

محمد المولدي الداودي
سبيبة.


إرسال تعليق