السبت، 2 مايو، 2015


المحتجزون في ليبيا: أيّها الوطن قليلا من نور... في قسوة المحنة.
كان خبر اختطاف الصحفي التونسي سفيان الشورابي والمصوّر نذير الكتاري في ليبيا منطلقا لتناول إعلاميّ حاول إضاءة نقطة معتمة وقاتمة لواقع يحياه كثير من التونسيين في ليبيا ولئن تعدّدت مقاربات التناول الإعلامي ومستويات التحليل السياسي والأمني للواقع الليبي ولئن فتح ملفّ الاختطاف تجاذبا سياسيّا تونسيّا حول المسألة الليبيّة فإنّ كثيرا من القصص الخفيّة التي لم يظهرها الإعلام ولم يدركها رواة السير وقصّاصو الأخبار تختزنها صدور العائلات وتحدّث بها ألسنة الأمّهات وقد اشتدّ بهنّ شوق اللقاء إلى أبنائهنّ .
كانت ليبيا منذ السبعينات محجّا لكثير من شباب جهات الجنوب والوسط وكانت إحدى جغرافيا أحلام الشغل وفي مدينة سبيبة ككلّ مدن الجنوب والوسط سافر الكثير من الشباب بحثا عن عمل يدفع الحاجة ويحقّق الغايات.
بعيد الثورة الليبيّة اشتدّت نزعة السفر واتسعت آفاقه ولكنّ رياحا جرت بما لا يشتهي التونسيّون هناك وكلّما اشتدّ الخلاف بين الأخوة الأعداء وتعمّق الصراع ارتدّ صداه في بيوت العائلات التونسيّة ..
في سبيبة قصص وحكايا يرويها العائدون من ليبيا ..مغامرات النجاة ورحلة الصحراء المضنية طلبا للخلاص وفي حكاياهم كذلك غائبون.
سامي القنيشي قصّة أخرى لمواطن تونسي يبلغ من العمر خمس وثلاثين سنة جمعته بالأهل في ليبيا مصاهرة وعشرة وعمل وتجارة فزوجته ليبيّة حاملة للجنسيّة التونسيّة وفي الزوجة وطنان لعائلة واحد..له بنت واحدة أمضت مع والدها ثمانية أشهر من العمر الفتيّ أمّا ما تبقّى من العامين من سنّها فسؤال عن الأب تحكيه عيناها .
بعيد الثورة سافر سامي القنيشي إلى ليبيا بحثا عن العمل واستأنس بأهل الزوجة هناك وأمضى في العمل عاما أو يزيد ثمّ تغيّرت ليبيا من بعد وتغيّر معه قدر سامي ..اختلف مع أحد الشركاء الليبيين " عبد المنعم خشخوشه" وهو ملازم أوّل في كتيبة الردع التابعة لقوّات فجر ليبيا .
حدّثتنا السيّدة بسمة القنيشي أخت سامي القنيشي وهي المتابعة لملفّ احتجازه والعالمة بأدقّ تفاصيله حدّثتنا وفي حديثها خوف الأخت ورجاء اللقاء . " في البداية دام الاحتجاز خمسة أشهر ثمّ تمكّن سامي من الهروب إلى القنصليّة التونسيّة زمن عبد الحميد الرّاعي القنصل العام ولم يدم اللجوء إلى القنصليّة التونسيّة في طرابلس إلاّ بعضا من نهار حيث حاصر قائد كتيبة الردع القنصليّة وطالب بتسليم المواطن التونسي سامي القنيشي ..انفكّ حصار القنصليّة وضاقت فضاءات الأرض على سامي.
اتّهام السيّد عبد المنعم خشخوشه الملازم الأوّل والقائد في كتيبة الرّدع لسامي القنيشي يتعلّق باختلاف في تقدير بعض المعاملات التجاريّة فكان الاحتجاز شكلا من أشكال المساومة التي أقحمت العائلة في مسار المعاناة اليوميّة.اضطرّت العائلة إلى بيع المنزل وسلّمت ثمنه المقدّر بـ 150 ألف دينار للجهة المحتجزة عن طريق السيّد القنصل العام ولم ير السيّد عبد المنعم خشخوشه المبلغ كافيا للإفراج.ولذلك شرع في الاتصال بالعائلة عبر الهاتف أو عبر " السكايب" في مكالماته تهديد بالقتل ثمّ عمد إلى تنزيل بعض الصور لسامي على الفايسبوك لترهيب العائلة. معاناة سامي في مكان احتجازه يوميّة يبلغ صداها كلّ العائلة في تونس "
حاولت بسمة القنبشي الاتّصال بكلّ الجهات الرسميّة وغير الرسميّة في ليبيا أو في تونس والتجأت إلى بعض المنظّمات الحقوقيّة التونسيّة ونظّمت العائلة وقفات احتجاجيّة وتوجّهت إلى مجلس نوّاب الشعب ثمّ كلّفت محاميا في ليبيا كلّفها ستة آلاف دينار (6000) ثمّ أعلمها أنّه لا يستطيع الاتّصال بالجهات المحتجزة.
حياة سامي القنيشي المواطن التونسي الحامل لجواز سفر تونسي والحالم بالعودة إلى تونس حيث الأهل والوطن تساوي بعضا من مال عجزت العائلة على توفيره وتساوي إرادة سياسيّة ووطنيّة تطرح ملفّ التونسيين المحتجزين في ليبيا ضمن الأولويّات الوطنيّة..شعار الكرامة الذي رفعته حناجر الثوّار في الميادين هاهنا يتجلّى .
بسمة الأخت التي تختزل في حديثها وجع عائلة تونسيّة تطالب بمحاكمة عادلة تضمن حقّ الترافع والدفاع وتطالب بتدخّل الدولة التونسيّة بكلّ مؤسساتها لحماية التونسيين المحتجزين ومتابعة قضاياهم .الواقع الليبي الغامض أصبح جزءا من حياة كثير من العائلات في تونس ومعاناة المحتجزين هناك حيث الغربة والبعد له صدى في بيوت تونسيّة .والوجع وجعان. وإشراقة الشمس في صحراء ليبيا الغامضة والقاسية تظلّلها دعوات الأمّهات وشوق الأطفال في أرض تونس....
انتهى الحديث بيننا ..قصّة من قصص الإنسان التونسي الباحث عن الرزق في قلق الأرض وأحيانا في غضب البحر وللقصّة بقيّة من أمل ...... أليس الصبح بقريب.
محمد المولدي الداودي

سبيبة




إرسال تعليق